الطورة يكتب: ثلاث رسائل في خطاب واحد .. ماذا فهمت إسرائيل من خطاب الملك؟

منذ 32 دقيقة
المشاهدات : 10890
الطورة يكتب: ثلاث رسائل في خطاب واحد ..  ماذا فهمت إسرائيل من خطاب الملك؟
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لفتني في قراءة الكاتب ماهر أبو طير لخطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضع الخطاب في سياقه الحقيقي، بعيداً عن القراءة السطحية التي تختزله في كونه خطاباً سياسياً لتحسين صورة الأردن أو تسجيل موقف دبلوماسي عابر.

خطاب نيويورك لم يكن دعاية سياسية، وهذه سذاجة في التأويل لمن يراه كذلك، وربما تعبير عن كراهية مبطنة تجاه خطاب لا تقوله عواصم عربية أخرى بهذه الصراحة والوضوح.

ما قيل في نيويورك كان في جانب أساسي منه رسالة سياسية وأمنية محسوبة بعناية، تتجاوز قاعة الجمعية العامة إلى دوائر القرار الإقليمي والدولي، وإلى الداخل الإسرائيلي نفسه.

فالخطاب بما حمله من لهجة حادة ومباشرة يتقاطع مع تناقضات قائمة أصلاً داخل المؤسسات السياسية والعسكرية والأمنية في إسرائيل، ويضع أمام الإسرائيليين حقيقة أن سياسات حكومتهم لا تنتج فراغاً، وأن لها ارتدادات تتجاوز حدود غزة والضفة الغربية.

الجديد في الخطاب الملكي الأردن لم يعد يكتفي بالتشخيص، لطالما هاجم الملك سياسات إسرائيل وعرى ممارساتها في خطاباته أمام الأمم المتحدة، إلا أن الجديد هذه المرة أن الرسالة بدت أكثر اتصالاً بالمصالح الأردنية المباشرة، خصيصاً ما يجري في جنوب سوريا.

المسألة بالنسبة إلى الأردن ليست مجرد خلاف سياسي مع إسرائيل، ولا موقفاً من حرب غزة أو القضية الفلسطينية، إنها قضية أمن قومي ترتبط مباشرة بالجغرافيا والحدود والمياه والاستقرار الداخلي.

ولهذا فإن الرسالة الأهم التي يمكن التقاطها من خطاب نيويورك هي أن الأردن لن يتعامل مع التطورات في الجنوب السوري باعتبارها شأناً سورياً داخلياً، إذا تحولت التطورات إلى تهديد مباشر لأمنه ومصالحه الاستراتيجية.

إسرائيل تعرف جيداً أن الأردن رغم أزماته الاقتصادية والسياسية والإقليمية، يمثل جبهة ذات أهمية استثنائية في حساباتها الأمنية، وربما لهذا السبب تحديدا تبدو في بعض القراءات جبهة مؤجلة أكثر منها جبهة منسية، والتأجيل لا يعني الإلغاء.

في الخطاب الملكي ثمة ثلاث رسائل إسرائيلية في خطاب أردني واحد، الأكثر دلالة كان انتقال الأردن من مجرد إدانة السلوك الإسرائيلي إلى المطالبة بإجراءات دولية واضحة، تمثلت في الدعوة إلى تجميد الأصول، والعزل الدبلوماسي، وفرض العقوبات على إسرائيل.

هذه ليست مفردات دبلوماسية عابرة، خصيصاً عندما تصدر عن دولة تقع في قلب الإقليم، وترتبط "بمعاهدة سلام" مع إسرائيل وتملك حدوداً طويلة معها.

والسؤال هنا ليس فقط ماذا قال الأردن؟ وإنما كيف ستقرأ إسرائيل ما قاله الأردن؟ هل ستتعامل تل أبيب مع الخطاب باعتباره موقفاً سياسياً آخر، أم ستقرأه باعتباره مؤشراً على انتقال الموقف الأردني إلى مساحة أكثر صراحة في تحديد المصالح والخطوط الحمراء؟.

ربما لا توجد قضية إقليمية اليوم أكثر حساسية للأردن من مستقبل الجنوب السوري، وما يأتي منها من تحولات وتبعات الانفصال، ومخاطر الجماعات المسلحة، ومحاولة العبث بالامن الوطني.

الأردن لا يواجه سوريا باعتبارها دولة عدو بالمعنى التقليدي، ولا يتعامل مع الجغرافيا السورية بعقلية المواجهة مع دمشق، وإنما يواجه ما يمكن أن ينتج عن التحولات في الجغرافيا من مخاطر أمنية واقتصادية وديموغرافية.

وهنا تبرز مجموعة من السيناريوهات التي تستحق القراءة بجدية، ابرزها المياه وأن التحول في السيطرة على الأحواض المائية في الجنوب السوري، أو إعادة هندسة للموارد المائية في المنطقة يتحول إلى قضية أمن قومي بالنسبة للأردن، الذي يعاني أصلًا من واحدة من أكثر أزمات المياه حدة في العالم.

ولعل إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للجنوب السوري عبر إنشاء كيانات أو مناطق ذات طابع انفصالي أو شبه مستقل، بما يخلق واقعاً حدودياً جديداً لا يمكن للأردن تجاهله.

ولعل السيناريو الأكثر خطورة أن تتحول الحدود السورية الجنوبية إلى منطقة عازلة ذات حضور إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، بما يعني إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية المحيطة بالأردن من الشمال والغرب في آن واحد.

المخدرات والاقتصاد والهجرة وأدوات الضغط غير التقليدية،
ولا يمكن فصل ملف الجنوب السوري عن ملف المخدرات والتهريب.

لكن الخطر لا يقف عند الأمن، فإذا أدى تفكيك الجغرافيا السورية إلى فصل اقتصادي وجغرافي بين الأردن وسوريا، فإن ذلك سينعكس على التجارة والنقل والطاقة والمصالح الاقتصادية المتبادلة، ويضع المملكة أمام بيئة إقليمية أكثر تعقيداً.

أيضا هناك الملف الديموغرافي، أي فوضى واسعة في الجنوب السوري يمكن أن تنتج موجات نزوح جديدة باتجاه الأردن، وهو سيناريو لا تستطيع المملكة تحمل تداعياته بسهولة في ظل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية القائمة.

ولا يمكن تجاهل فرضية امتداد الفوضى من الجنوب السوري باتجاه غرب العراق، بما قد يخلق حزاماً من الاضطراب الأمني على امتداد مساحة جغرافية واسعة تبدأ من سوريا ولا تنتهي عند الحدود الأردنية.

ولعل الأهم هو التساؤل هل تستعد إسرائيل لمواجهة جديدة مع الأردن؟ وهنا تزداد حساسية المشهد، ويبرز سؤال آخر: كيف يمكن أن تتعامل إسرائيل مع خطاب أردني بهذه اللهجة؟

الرد الإسرائيلي قد لا يأتي عبر مواجهة مباشرة، وإنما من خلال أدوات أكثر نعومة وخطورة في الوقت نفسه، الضغط السياسي، الحملات الإعلامية، توظيف الملفات الداخلية، أو محاولة تحميل الأردن مسؤولية أزمات المنطقة.

وهنا يجب قراءة أي تصعيد إعلامي أو سياسي يستهدف الأردن بحذر شديد، خصوصا إذا جاء متزامناً مع تطورات ميدانية في الجنوب السوري.

ففي الإقليم لا تأتي الحملات دائماً منفصلة عن المصالح الجيوسياسية، ولا تكون التوقيتات السياسية محايدة أو بريئة.

اللافت في الخطاب الملكي لم يكن موجه إلى الخارج وحده،
ثمة رسالة واضحة إلى الأردنيين أنفسهم، المنطقة تتغير بسرعة، وأن مصادر الخطر لم تعد محصورة في حدود الدولة التقليدية.

التهجير والحرب في غزة، والتوسع الإسرائيلي، ومستقبل الجنوب السوري، وأمن الحدود، والمياه، والاقتصاد كلها ملفات باتت متداخلة إلى درجة تجعل الأمن الوطني الأردني مرتبطاً بما يحدث في محيط المملكة أكثر من أي وقت مضى.

وهذه الرسالة لا يتوجب فهمها باعتبارها محاولة لإخافة الداخل الأردني، وانما باعتبارها رسائل واضحة ومكاشفة ومصارحة لوضعه أمام واقع إقليمي شديد التعقيد.

الثابت الأردن لا يملك ترف تجاهل ما يحدث حوله ما بعد خطاب نيويورك، من هنا فإن أهمية الخطاب لا تنحصر في الكلمات التي قيلت أمام زعماء العالم، وإنما في ما يمكن أن يترتب عليها.

إذا كانت إسرائيل قد اعتادت أن ترى الموقف الأردني ضمن حدود الدبلوماسية والاحتجاج السياسي، فإن لهجة نيويورك تقول إن هناك مساحة أخرى بدأت تظهر، مساحة المصالح المباشرة والأمن القومي والخطوط الحمراء.

ما يتوجب عدم تجاهله إلى أي حد يمكن أن يصل رد الفعل الأردني إذا تحولت التطورات في جنوب سوريا من مصدر قلق إلى تهديد مباشر، وهو ما يتوجب أن يلفت انتباه ويشغل المنطقة كلها.

فالأردن لا يبحث عن مواجهة مع سوريا، ولا يريد حرباً مع إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يقف متفرجاً إذا بدأت الجغرافيا المحيطة به تعاد هندستها بطريقة تمس أمنه ومياهه وحدوده واقتصاده وتركيبته الديموغرافية.

ولهذا كان خطاب نيويورك مختلفاً، كان في جانب منه إعلان بأن الأردن يرى الخطر قبل وصوله إلى حدوده، وأن الصمت أمام إعادة تشكيل الإقليم ليس خياراً مفتوحاً إلى ما لا نهاية.

يقيناً المرحلة المقبلة قد تكون أكثر صعوبة، فما قيل في نيويورك هذه المرة ليس نهاية موقف، وإنما بداية مرحلة جديدة في طريقة تعريف الأردن لأمنه القومي وحدوده ومصالحه، وما يمكن أن يقبله وما لا يمكن أن يقبله.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم