حين اختار جلالة الملك عبدالله الثاني أن يضع "الانتباه" في مقدمة حديثه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان يفتح من خلال هذه الكلمة باباً واسعاً لقراءة المشهد الدولي كله.
فالعالم يعيش وفرة هائلة في المعلومات، وسرعة غير مسبوقة في انتقال الأحداث، وتزاحماً شديداً على اهتمام الشعوب والحكومات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا التدفق هو: ما الذي يبقى في دائرة الاهتمام، وما الذي يخرج منها؟ وماذا يحدث للقضايا حين يتراجع حضورها في الوعي السياسي الدولي؟
هنا يكتسب حديث جلالة الملك عن "الانتباه" ثقله الحقيقي؛ فالمشكلة ليست في أن العالم لا يعرف ما يجري، بل في أن المعرفة لا تتحول دائماً إلى فعل.
العالم يعرف تفاصيل الحروب والأزمات، ويرى صورها، ويتابع تقاريرها، ويصدر بشأنها القرارات، لكن ما ينقصه في كثير من الأحيان هو القدرة على إبقاء القضايا العادلة في دائرة الاهتمام السياسي حتى تجد طريقها إلى المعالجة.
ومن هنا تبدو فلسطين الاختبار الأوضح لهذه الفكرة.
فمنذ عقود، والعالم يعرف تفاصيل الصراع، ويدرك مخاطره، ويعرف أن استمرار الاحتلال وغياب الحل السياسي يتركان المنطقة أمام دوائر متجددة من العنف وعدم الاستقرار. ومع ذلك، بقيت المعالجة تتأخر عن حجم المشكلة، حتى أصبح ما كان يفترض أن يكون مؤقتاً واقعاً ممتداً.
وهنا تأتي عبارة جلالة الملك: "المؤقت أصبح دائماً"، لتختصر مساراً سياسياً طويلاً تحولت فيه المماطلة إلى واقع، والتأجيل إلى سياسة لها نتائجها على الأرض.
لكن الخطاب لا يتوقف عند توصيف المأساة الفلسطينية، وإنما ينقلها إلى مستوى أعمق: مستوى القانون الدولي ومصداقية النظام الدولي نفسه.
فعندما يقول جلالة الملك: "إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟"، فإنه لا يطرح سؤالاً يتعلق بفلسطين وحدها، بل يضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمصداقية القواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول، ويكشف خطورة الانتقائية السياسية التي تجعل القانون ملزماً في جغرافيا ومُعطلاً في أخرى.
إن قوة هذا الطرح أنه لا يحتاج إلى لغة صدامية؛ فالسؤال نفسه يكشف الفجوة: إذا كان العالم يعرف، وإذا كان القانون الدولي واضحاً، وإذا كانت القضية حاضرة في القرارات والبيانات، فلماذا لا تجد هذه المعرفة طريقها إلى الفعل؟
بهذا المعنى، يضع الخطاب إسرائيل أمام مرآة القانون الدولي، ويضع المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته التاريخية والأخلاقية. فالقضية لم تعد فقط ما يحدث على الأرض، وإنما ما يكشفه استمرار ذلك عن قدرة النظام الدولي على تطبيق القواعد التي يعلن الالتزام بها.
وفي هذا الإطار تتضح الصورة التي رسمها جلالة الملك لغزة والضفة الغربية والقدس. فغزة بما تحمله من مأساة إنسانية، والضفة الغربية بما يجري فيها من تغيير متواصل للواقع، والقدس بما تختزنه من تاريخ ومكانة دينية وقانونية، تتصل جميعها بجذر واحد هو القضية الفلسطينية وحق شعبها في تقرير مصيره.
ولهذا حضرت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في صلب هذا السياق، بوصفها مسؤولية تاريخية وقانونية يضطلع بها الأردن تجاه المدينة ومقدساتها، ودوراً حضارياً يصون طابع القدس الديني والتعددي، ويمنع انزلاق المنطقة نحو صراع ديني مغلق.
ومن فلسطين يصل الخطاب إلى الأردن من أقصر الطرق السياسية: طريق الجغرافيا والتاريخ والأمن.
فما يجري هناك لا يتوقف أثره عند حدود فلسطين، وما يتغير في الإقليم لا يبقى بعيداً عن حسابات الدولة الأردنية. وكلما اتسعت دوائر الصراع وتغيرت الوقائع على الأرض، أصبحت انعكاساته أقرب إلى الأمن الأردني ومصالحه.
لذلك جاءت حماية الأردن لأمنه ومياهه ومصالح شعبه امتداداً طبيعياً للموقف الذي عرضه جلالة الملك تجاه ما يجري في فلسطين والمنطقة.
وعندما تحدث جلالته عن جنوب سوريا، والحدود الشمالية، والأمن المائي، كان يحدد بوضوح المساحة التي لا يستطيع الأردن أن يتركها للتطورات من حوله. فقوله إن "أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي" يضع الأمن الوطني في صلب قراءة الأردن للتحولات الإقليمية، ويؤكد أن حماية المصالح الوطنية حزمة واحدة ليست قضية قابلة للتأجيل أو المساومة.
وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على مقاربة متوازنة للأمن والاستقرار. فمواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وتطوير القدرات الدفاعية، وحماية الحدود والمياه، تسير إلى جانب التمسك بالحوار والسلام والحلول السياسية.
وهنا تبرز فكرة أخرى أساسية في الخطاب: القوة تستطيع أن تحمي وتردع، لكنها لا تصنع وحدها سلاماً دائماً. فالقوة لا تعيد المهجر إلى منزله، ولا تطعم الجائع، ولا تبني الثقة بين الشعوب، ولا تنهي صراعاً سياسياً ممتداً. ولذلك فإن الحلول السياسية، إلى جانب حماية الأمن، تبقى الطريق الضروري لتحويل الأمن المؤقت إلى استقرار مستدام.
ومن هذا السياق جاءت عبارة جلالة الملك: "الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه"، بوصفها امتداداً لحديثه عن الثبات والمسؤولية، وبما يرسخ مكانة المملكة كمرساة استقرار جيوسياسي ورصيد أخلاقي ثابت لا غنى عنه وسط إقليم مضطرب. فالأردن، في الخطاب، دولة تعرف مصالحها، وتحافظ على مواقفها، وتبقي قنوات الحوار مفتوحة، وتتعامل مع محيطها من موقع الإدراك العميق لحساسية الجغرافيا.
وفي إقليم سريع التحول، تصبح المحافظة على ثبات الدولة جزءاً من قدرتها على حماية مصالحها والحفاظ على مساحة مستقلة من القرار.
وعندما عاد جلالة الملك في ختام خطابه إلى "الانتباه"، اتصلت البداية بالنهاية. فالانتباه قاد إلى فلسطين، وفلسطين قادت إلى القانون الدولي، والقانون قاد إلى مسؤولية المجتمع الدولي، ومن هذه المسؤولية وصل الخطاب إلى الأردن وأمنه ومصالحه، ثم عاد إلى الفكرة التي بدأ منها: "لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم".
هذه العبارة تختصر جانباً عميقاً من الخطاب؛ فثبات المواقف لا يُختبر عندما تكون القضية في صدارة الاهتمام الدولي، وإنما عندما تتراجع عنها الأضواء، وتتغير الأولويات، وتنشغل العواصم بملفات أخرى.
ولهذا جاء السؤال الذي ختم به جلالة الملك خطابه أوسع من تفاصيل القضايا التي تناولها: "إذا كان العالم يعرف، فماذا سيفعل بما يعرف؟"
هنا تنتقل المسؤولية من المعرفة إلى الفعل، ومن تسجيل المواقف إلى صناعة أثر حقيقي على الأرض.
فالمجتمع الدولي لا يفتقر إلى البيانات أو التقارير أو القرارات؛ ما يبقى موضع الاختبار هو قدرته على تحويل ما يعرفه إلى سياسات تحمي الإنسان، وتصون القانون، وتفتح الطريق أمام السلام.
وهنا يعود "الانتباه" إلى معناه الأعمق.
فالقضية ليست فقط أين ينظر العالم، وإنما ماذا يرى عندما ينظر، وماذا يفعل بعد أن يرى.
وربما هذه هي الرسالة الأهم التي حملها خطاب جلالة الملك: أن المسافة بين معرفة الحقيقة وتحمل مسؤوليتها هي المسافة ذاتها بين أن تكون القضايا حاضرة في الكلمات، وأن تصبح حاضرة في الفعل.
فالعالم يعيش وفرة هائلة في المعلومات، وسرعة غير مسبوقة في انتقال الأحداث، وتزاحماً شديداً على اهتمام الشعوب والحكومات. لكن السؤال الذي يفرض نفسه أمام هذا التدفق هو: ما الذي يبقى في دائرة الاهتمام، وما الذي يخرج منها؟ وماذا يحدث للقضايا حين يتراجع حضورها في الوعي السياسي الدولي؟
هنا يكتسب حديث جلالة الملك عن "الانتباه" ثقله الحقيقي؛ فالمشكلة ليست في أن العالم لا يعرف ما يجري، بل في أن المعرفة لا تتحول دائماً إلى فعل.
العالم يعرف تفاصيل الحروب والأزمات، ويرى صورها، ويتابع تقاريرها، ويصدر بشأنها القرارات، لكن ما ينقصه في كثير من الأحيان هو القدرة على إبقاء القضايا العادلة في دائرة الاهتمام السياسي حتى تجد طريقها إلى المعالجة.
ومن هنا تبدو فلسطين الاختبار الأوضح لهذه الفكرة.
فمنذ عقود، والعالم يعرف تفاصيل الصراع، ويدرك مخاطره، ويعرف أن استمرار الاحتلال وغياب الحل السياسي يتركان المنطقة أمام دوائر متجددة من العنف وعدم الاستقرار. ومع ذلك، بقيت المعالجة تتأخر عن حجم المشكلة، حتى أصبح ما كان يفترض أن يكون مؤقتاً واقعاً ممتداً.
وهنا تأتي عبارة جلالة الملك: "المؤقت أصبح دائماً"، لتختصر مساراً سياسياً طويلاً تحولت فيه المماطلة إلى واقع، والتأجيل إلى سياسة لها نتائجها على الأرض.
لكن الخطاب لا يتوقف عند توصيف المأساة الفلسطينية، وإنما ينقلها إلى مستوى أعمق: مستوى القانون الدولي ومصداقية النظام الدولي نفسه.
فعندما يقول جلالة الملك: "إذا كان من الممكن تجاهل القانون الدولي لعقود، فماذا تبقى من قيمته؟"، فإنه لا يطرح سؤالاً يتعلق بفلسطين وحدها، بل يضع المجتمع الدولي أمام اختبار لمصداقية القواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول، ويكشف خطورة الانتقائية السياسية التي تجعل القانون ملزماً في جغرافيا ومُعطلاً في أخرى.
إن قوة هذا الطرح أنه لا يحتاج إلى لغة صدامية؛ فالسؤال نفسه يكشف الفجوة: إذا كان العالم يعرف، وإذا كان القانون الدولي واضحاً، وإذا كانت القضية حاضرة في القرارات والبيانات، فلماذا لا تجد هذه المعرفة طريقها إلى الفعل؟
بهذا المعنى، يضع الخطاب إسرائيل أمام مرآة القانون الدولي، ويضع المجتمع الدولي أمام مرآة مسؤولياته التاريخية والأخلاقية. فالقضية لم تعد فقط ما يحدث على الأرض، وإنما ما يكشفه استمرار ذلك عن قدرة النظام الدولي على تطبيق القواعد التي يعلن الالتزام بها.
وفي هذا الإطار تتضح الصورة التي رسمها جلالة الملك لغزة والضفة الغربية والقدس. فغزة بما تحمله من مأساة إنسانية، والضفة الغربية بما يجري فيها من تغيير متواصل للواقع، والقدس بما تختزنه من تاريخ ومكانة دينية وقانونية، تتصل جميعها بجذر واحد هو القضية الفلسطينية وحق شعبها في تقرير مصيره.
ولهذا حضرت الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس في صلب هذا السياق، بوصفها مسؤولية تاريخية وقانونية يضطلع بها الأردن تجاه المدينة ومقدساتها، ودوراً حضارياً يصون طابع القدس الديني والتعددي، ويمنع انزلاق المنطقة نحو صراع ديني مغلق.
ومن فلسطين يصل الخطاب إلى الأردن من أقصر الطرق السياسية: طريق الجغرافيا والتاريخ والأمن.
فما يجري هناك لا يتوقف أثره عند حدود فلسطين، وما يتغير في الإقليم لا يبقى بعيداً عن حسابات الدولة الأردنية. وكلما اتسعت دوائر الصراع وتغيرت الوقائع على الأرض، أصبحت انعكاساته أقرب إلى الأمن الأردني ومصالحه.
لذلك جاءت حماية الأردن لأمنه ومياهه ومصالح شعبه امتداداً طبيعياً للموقف الذي عرضه جلالة الملك تجاه ما يجري في فلسطين والمنطقة.
وعندما تحدث جلالته عن جنوب سوريا، والحدود الشمالية، والأمن المائي، كان يحدد بوضوح المساحة التي لا يستطيع الأردن أن يتركها للتطورات من حوله. فقوله إن "أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي" يضع الأمن الوطني في صلب قراءة الأردن للتحولات الإقليمية، ويؤكد أن حماية المصالح الوطنية حزمة واحدة ليست قضية قابلة للتأجيل أو المساومة.
وفي الوقت نفسه، حافظ الخطاب على مقاربة متوازنة للأمن والاستقرار. فمواجهة الإرهاب وتهريب المخدرات، وتطوير القدرات الدفاعية، وحماية الحدود والمياه، تسير إلى جانب التمسك بالحوار والسلام والحلول السياسية.
وهنا تبرز فكرة أخرى أساسية في الخطاب: القوة تستطيع أن تحمي وتردع، لكنها لا تصنع وحدها سلاماً دائماً. فالقوة لا تعيد المهجر إلى منزله، ولا تطعم الجائع، ولا تبني الثقة بين الشعوب، ولا تنهي صراعاً سياسياً ممتداً. ولذلك فإن الحلول السياسية، إلى جانب حماية الأمن، تبقى الطريق الضروري لتحويل الأمن المؤقت إلى استقرار مستدام.
ومن هذا السياق جاءت عبارة جلالة الملك: "الأردن بلد يمكن للعالم الاعتماد عليه"، بوصفها امتداداً لحديثه عن الثبات والمسؤولية، وبما يرسخ مكانة المملكة كمرساة استقرار جيوسياسي ورصيد أخلاقي ثابت لا غنى عنه وسط إقليم مضطرب. فالأردن، في الخطاب، دولة تعرف مصالحها، وتحافظ على مواقفها، وتبقي قنوات الحوار مفتوحة، وتتعامل مع محيطها من موقع الإدراك العميق لحساسية الجغرافيا.
وفي إقليم سريع التحول، تصبح المحافظة على ثبات الدولة جزءاً من قدرتها على حماية مصالحها والحفاظ على مساحة مستقلة من القرار.
وعندما عاد جلالة الملك في ختام خطابه إلى "الانتباه"، اتصلت البداية بالنهاية. فالانتباه قاد إلى فلسطين، وفلسطين قادت إلى القانون الدولي، والقانون قاد إلى مسؤولية المجتمع الدولي، ومن هذه المسؤولية وصل الخطاب إلى الأردن وأمنه ومصالحه، ثم عاد إلى الفكرة التي بدأ منها: "لا يمكن لمبادئنا أن تتغير مع تغير انتباه العالم".
هذه العبارة تختصر جانباً عميقاً من الخطاب؛ فثبات المواقف لا يُختبر عندما تكون القضية في صدارة الاهتمام الدولي، وإنما عندما تتراجع عنها الأضواء، وتتغير الأولويات، وتنشغل العواصم بملفات أخرى.
ولهذا جاء السؤال الذي ختم به جلالة الملك خطابه أوسع من تفاصيل القضايا التي تناولها: "إذا كان العالم يعرف، فماذا سيفعل بما يعرف؟"
هنا تنتقل المسؤولية من المعرفة إلى الفعل، ومن تسجيل المواقف إلى صناعة أثر حقيقي على الأرض.
فالمجتمع الدولي لا يفتقر إلى البيانات أو التقارير أو القرارات؛ ما يبقى موضع الاختبار هو قدرته على تحويل ما يعرفه إلى سياسات تحمي الإنسان، وتصون القانون، وتفتح الطريق أمام السلام.
وهنا يعود "الانتباه" إلى معناه الأعمق.
فالقضية ليست فقط أين ينظر العالم، وإنما ماذا يرى عندما ينظر، وماذا يفعل بعد أن يرى.
وربما هذه هي الرسالة الأهم التي حملها خطاب جلالة الملك: أن المسافة بين معرفة الحقيقة وتحمل مسؤوليتها هي المسافة ذاتها بين أن تكون القضايا حاضرة في الكلمات، وأن تصبح حاضرة في الفعل.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات