في عتمة الليل قد تُغلق النوافذ وتنام الأسر، وتُجهّز البنادق بكواتم للصوت حتى لا يسمع أحد دويّ الطلقات. لكن ما لا يستطيع كاتم الصوت أن يخفيه هو صوت الألم، صوت كلب أصابته رصاصة، يحاول أن يهرب ولا يستطيع، يئن ويتلوى، يستنجد بغريزته للبقاء، ثم يعلو صوته للحظات قبل أن يخفت شيئاً فشيئاً حتى يصمت تماماً. صوت مؤلم، يحرق النفس، وينتهي بالموت.
ذلك الصوت قد يصل إلى طفل استيقظ مذعوراً، أو أم فتحت نافذتها تبحث عن مصدره، أو مواطن لم يرَ المشهد لكنه سمع كائناً حياً يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام منزله. وهنا لا تعود المسألة مجرد كلب ضال، وإنما تصبح قضية تتصل بحماية الأرواح، وهيبة القانون، والرفق بالحيوان، ومسؤولية الإدارة عن الطريقة التي تعالج بها هذه الظاهرة.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل وجود الكلاب الضالة في الأحياء يبرر إطلاق النار عليها بين المنازل وأمام السكان والأطفال والمارة؟ وهل ذكر القانون للإتلاف يعني أن القتل أصبح حق مطلق، وبأي وسيلة وفي أي مكان؟
الجواب: القانون الأردني لا يقول ذلك.
فقانون الزراعة رقم (13) لسنة 2015 جعل التعامل مع الحيوانات الشرسة والعقورة محكوماً بإجراءات قانونية؛ فنصت المادة (47) على تحديد الحالات التي يجوز فيها ضبط هذه الحيوانات وقتلها دون تعويض، وفق الإجراءات والوسائل التي يحددها الوزير بالتعليمات. كما جاءت المادة (13) من تعليمات مكافحة داء الكلب لسنة 2018 لتنظم صلاحية الطبيب البيطري المختص في الأمر بإتلاف حالات محددة، بينما نظمت المادة (16) التعامل مع الكلاب والقطط والحيوانات المشتبه بإصابتها أو التي تعقر شخصاً أو حيواناً، بإخضاعها للمراقبة البيطرية لمدة خمسة عشر يوماً وتحديد ما يترتب على ذلك من إجراءات، بما يؤكد أن الإتلاف مقرر قانوناً، لكنه مرتبط بحالات وإجراءات محددة.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تتوقف عندها الإدارة: القانون أجاز الإتلاف في حالات لكنه لم يجز القسوة، فهناك فرق بين قتل تفرضه ضرورة قانونية لحماية الإنسان، وبين إطلاق النار عشوائياً في حي سكني وبين المنازل، وأمام الأطفال والمارة، وبطريقة قد تجعل الحيوان ينازع الموت ويتألم قبل أن يفارق الحياة.
والأمر لا يتعلق بالحيوان وحده، فالقنص في منطقة مأهولة بالسكان ينطوي على احتمال خطأ الهدف أو انحراف المقذوف أو ارتداده عن جسم صلب، بما قد يؤدي – لا سمح الله – إلى إصابة طفل أو مواطن. فإذا كانت الإدارة تريد منع خطر الكلاب، فكيف يجوز أن تستخدم وسيلة قد تصنع خطراً على الإنسان؟ فكاتم الصوت الذي تستخدمه بندقياتهم لا يحل الإشكالية؛ فهو قد يخفي صوت الرصاصة، لكنه لا يمنع خطورتها، ولا يلغي ألم الحيوان ولا يمحو أنينه وهو ينازع الموت.
ولقد عزز المشرع الأردني مبدأ الرفق بالحيوان من خلال نظام الرفق بالحيوان رقم (11) لسنة 2010؛ فنصت المادة (3) على الرفق بالحيوان ومنع القسوة عليه وفق الشريعة الإسلامية والمبادئ الخمس للرفق بالحيوان، بينما اعتبرت المادة (4) من القسوة قتل الحيوان عمداً ما لم يكن ذلك ضرورياً، وإلحاق الأذى أو الألم به وتعذيبه أو ضربه أو جرحه أو إساءة معاملته.
أما الشريعة الإسلامية فلم تجعل الرحمة بالحيوان أمراً هامشياً؛ وقد أكدت دائرة الإفتاء العام الأردنية في فتواها رقم (3339) بشأن الكلب العقور أن قتله يكون عند تعذر دفع ضرره بوسيلة أخرى، مع وجوب الإحسان في قتله وعدم تعذيبه. ولذلك لا بد من التمييز بين الكلب الضال والكلب العقور؛ فالضلال وحده لا يعني أن الحيوان خطر يستوجب القتل.
كما أن بعض الكلاب تستقر في الأحياء أسابيع أو أشهر، وتعتاد المكان والسكان، ويتولى بعض الأهالي إطعامها ورعايتها. وهذه الوقائع لا تجعلها مملوكة تلقائياً، لكنها تستوجب التحقق من وضعها وسلوكها قبل اتخاذ قرار بقتلها.
أما مسؤولية معالجة الظاهرة، فهي ليست متروكة للمواطن؛ فقد نصت المادة (16/أ/24) من قانون الإدارة المحلية رقم (22) لسنة 2021 على اختصاص البلدية بالرقابة على الكلاب والتعامل مع الضالة منها والوقاية من أخطارها وإعداد أماكن لإيوائها. ومن ثم فإن المطلوب من الإدارة حل المشكلة، لا نقلها من خطر الكلاب إلى خطر الرصاص.
وتزداد قسوة المشهد بعد انتهاء عملية القتل، حين تُجمع جثث الكلاب وتُلقى في حاويات النفايات، وكأن الأمر انتهى بانتهاء حياتها. فالمسؤولية لا تنتهي بسقوط الحيوان؛ إذ تبقى اعتبارات الإنسانية والصحة العامة والنظافة والسلامة البيئية، وضرورة التعامل مع جثث الحيوانات بما يحفظ المشهد العام وكرامة المكان. والأشد إيلاماً أن تُترك هذه المشاهد في محيط المساكن وأمام السكان والأطفال، بما يجعل الحي السكني شاهداً على مشهد عنيف لا ينبغي أن يصبح مألوفاً في الحياة اليومية. فالإدارة مطالبة بأن تدير الظاهرة بمنهج قانوني وإنساني من بدايتها إلى نهايتها، لا أن تنتهي المعالجة بمشهد آخر من القسوة.
إن الرسالة هنا ليست ضد حماية الناس، ولا ضد التعامل مع الكلاب التي يثبت خطرها؛ بل هي دعوة إلى تطبيق القانون كما هو، لا كما نريده أن يكون. فإذا اقتضت الضرورة إهلاك حيوان وفق القانون، فليكن ذلك من خلال الجهة المختصة، وبالوسيلة التي يقررها المختصون، وبأقل قدر ممكن من الألم، وفي مكان آمن لا يعرض حياة الناس للخطر ولا يترك أثراً في نفوسهم.
نحن نريد لأطفالنا أن يروا دولة تحميهم بالقانون، لا أن يتعلموا من شوارعهم أن الرصاصة هي الحل الأول لكل مشكلة. نريد أن نحمي أرواحهم من الرصاص، ونحمي نفوسهم من اعتياد مشاهد العنف، ونعلّمهم أن القوة الحقيقية في احترام القانون والرحمة معاً.
فالقانون عندما ذكر الإتلاف لم يمنح ترخيصاً بالقسوة، والضرورة عندما تتحقق لا تعني الفوضى، وحماية الإنسان لا تحتاج إلى تعذيب الحيوان. احموا المواطن واضبطوا الكلاب وطبّقوا القانون؛ لكن لا تجعلوا أحياءنا مسرحاً للرصاص والمشاهد المؤلمة، ولا تجعلوا أنين حيوان يحتضر آخر صوت يسمعه أطفالنا قبل أن يناموا.
ذلك الصوت قد يصل إلى طفل استيقظ مذعوراً، أو أم فتحت نافذتها تبحث عن مصدره، أو مواطن لم يرَ المشهد لكنه سمع كائناً حياً يلفظ أنفاسه الأخيرة أمام منزله. وهنا لا تعود المسألة مجرد كلب ضال، وإنما تصبح قضية تتصل بحماية الأرواح، وهيبة القانون، والرفق بالحيوان، ومسؤولية الإدارة عن الطريقة التي تعالج بها هذه الظاهرة.
السؤال الذي يفرض نفسه: هل وجود الكلاب الضالة في الأحياء يبرر إطلاق النار عليها بين المنازل وأمام السكان والأطفال والمارة؟ وهل ذكر القانون للإتلاف يعني أن القتل أصبح حق مطلق، وبأي وسيلة وفي أي مكان؟
الجواب: القانون الأردني لا يقول ذلك.
فقانون الزراعة رقم (13) لسنة 2015 جعل التعامل مع الحيوانات الشرسة والعقورة محكوماً بإجراءات قانونية؛ فنصت المادة (47) على تحديد الحالات التي يجوز فيها ضبط هذه الحيوانات وقتلها دون تعويض، وفق الإجراءات والوسائل التي يحددها الوزير بالتعليمات. كما جاءت المادة (13) من تعليمات مكافحة داء الكلب لسنة 2018 لتنظم صلاحية الطبيب البيطري المختص في الأمر بإتلاف حالات محددة، بينما نظمت المادة (16) التعامل مع الكلاب والقطط والحيوانات المشتبه بإصابتها أو التي تعقر شخصاً أو حيواناً، بإخضاعها للمراقبة البيطرية لمدة خمسة عشر يوماً وتحديد ما يترتب على ذلك من إجراءات، بما يؤكد أن الإتلاف مقرر قانوناً، لكنه مرتبط بحالات وإجراءات محددة.
وهنا تكمن المسألة التي ينبغي أن تتوقف عندها الإدارة: القانون أجاز الإتلاف في حالات لكنه لم يجز القسوة، فهناك فرق بين قتل تفرضه ضرورة قانونية لحماية الإنسان، وبين إطلاق النار عشوائياً في حي سكني وبين المنازل، وأمام الأطفال والمارة، وبطريقة قد تجعل الحيوان ينازع الموت ويتألم قبل أن يفارق الحياة.
والأمر لا يتعلق بالحيوان وحده، فالقنص في منطقة مأهولة بالسكان ينطوي على احتمال خطأ الهدف أو انحراف المقذوف أو ارتداده عن جسم صلب، بما قد يؤدي – لا سمح الله – إلى إصابة طفل أو مواطن. فإذا كانت الإدارة تريد منع خطر الكلاب، فكيف يجوز أن تستخدم وسيلة قد تصنع خطراً على الإنسان؟ فكاتم الصوت الذي تستخدمه بندقياتهم لا يحل الإشكالية؛ فهو قد يخفي صوت الرصاصة، لكنه لا يمنع خطورتها، ولا يلغي ألم الحيوان ولا يمحو أنينه وهو ينازع الموت.
ولقد عزز المشرع الأردني مبدأ الرفق بالحيوان من خلال نظام الرفق بالحيوان رقم (11) لسنة 2010؛ فنصت المادة (3) على الرفق بالحيوان ومنع القسوة عليه وفق الشريعة الإسلامية والمبادئ الخمس للرفق بالحيوان، بينما اعتبرت المادة (4) من القسوة قتل الحيوان عمداً ما لم يكن ذلك ضرورياً، وإلحاق الأذى أو الألم به وتعذيبه أو ضربه أو جرحه أو إساءة معاملته.
أما الشريعة الإسلامية فلم تجعل الرحمة بالحيوان أمراً هامشياً؛ وقد أكدت دائرة الإفتاء العام الأردنية في فتواها رقم (3339) بشأن الكلب العقور أن قتله يكون عند تعذر دفع ضرره بوسيلة أخرى، مع وجوب الإحسان في قتله وعدم تعذيبه. ولذلك لا بد من التمييز بين الكلب الضال والكلب العقور؛ فالضلال وحده لا يعني أن الحيوان خطر يستوجب القتل.
كما أن بعض الكلاب تستقر في الأحياء أسابيع أو أشهر، وتعتاد المكان والسكان، ويتولى بعض الأهالي إطعامها ورعايتها. وهذه الوقائع لا تجعلها مملوكة تلقائياً، لكنها تستوجب التحقق من وضعها وسلوكها قبل اتخاذ قرار بقتلها.
أما مسؤولية معالجة الظاهرة، فهي ليست متروكة للمواطن؛ فقد نصت المادة (16/أ/24) من قانون الإدارة المحلية رقم (22) لسنة 2021 على اختصاص البلدية بالرقابة على الكلاب والتعامل مع الضالة منها والوقاية من أخطارها وإعداد أماكن لإيوائها. ومن ثم فإن المطلوب من الإدارة حل المشكلة، لا نقلها من خطر الكلاب إلى خطر الرصاص.
وتزداد قسوة المشهد بعد انتهاء عملية القتل، حين تُجمع جثث الكلاب وتُلقى في حاويات النفايات، وكأن الأمر انتهى بانتهاء حياتها. فالمسؤولية لا تنتهي بسقوط الحيوان؛ إذ تبقى اعتبارات الإنسانية والصحة العامة والنظافة والسلامة البيئية، وضرورة التعامل مع جثث الحيوانات بما يحفظ المشهد العام وكرامة المكان. والأشد إيلاماً أن تُترك هذه المشاهد في محيط المساكن وأمام السكان والأطفال، بما يجعل الحي السكني شاهداً على مشهد عنيف لا ينبغي أن يصبح مألوفاً في الحياة اليومية. فالإدارة مطالبة بأن تدير الظاهرة بمنهج قانوني وإنساني من بدايتها إلى نهايتها، لا أن تنتهي المعالجة بمشهد آخر من القسوة.
إن الرسالة هنا ليست ضد حماية الناس، ولا ضد التعامل مع الكلاب التي يثبت خطرها؛ بل هي دعوة إلى تطبيق القانون كما هو، لا كما نريده أن يكون. فإذا اقتضت الضرورة إهلاك حيوان وفق القانون، فليكن ذلك من خلال الجهة المختصة، وبالوسيلة التي يقررها المختصون، وبأقل قدر ممكن من الألم، وفي مكان آمن لا يعرض حياة الناس للخطر ولا يترك أثراً في نفوسهم.
نحن نريد لأطفالنا أن يروا دولة تحميهم بالقانون، لا أن يتعلموا من شوارعهم أن الرصاصة هي الحل الأول لكل مشكلة. نريد أن نحمي أرواحهم من الرصاص، ونحمي نفوسهم من اعتياد مشاهد العنف، ونعلّمهم أن القوة الحقيقية في احترام القانون والرحمة معاً.
فالقانون عندما ذكر الإتلاف لم يمنح ترخيصاً بالقسوة، والضرورة عندما تتحقق لا تعني الفوضى، وحماية الإنسان لا تحتاج إلى تعذيب الحيوان. احموا المواطن واضبطوا الكلاب وطبّقوا القانون؛ لكن لا تجعلوا أحياءنا مسرحاً للرصاص والمشاهد المؤلمة، ولا تجعلوا أنين حيوان يحتضر آخر صوت يسمعه أطفالنا قبل أن يناموا.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات