د. محمود المسّاد يكتب: السردية الأردنية: أرض الحضارات التي قالت "لا" في أم قيس و "نعم" في فلسطين

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13623
د. محمود المسّاد يكتب: السردية الأردنية: أرض الحضارات التي قالت "لا" في أم قيس و "نعم" في فلسطين
د. محمود المسّاد

د. محمود المسّاد

لم تبدأ حكاية الأردن بتوقيع معاهدة أو برسم حدود. هذه الأرض قامت عليها حضارات كبرى تعاقبت منذ فجر التاريخ - من مملكة مؤاب وعمون وأدوم، إلى مجد الأنباط في البتراء عاصمة التجارة والدهشة، إلى عظمة الرومان في جرش وأم قيس. حضارات لم تمر عابرة، بل جبلت الإنسان الأردني على الفخر والأنفة، وعلمته أن الأرض لا تُمنح بل تُصان بالسيادة، وأن الكرامة هي رأس مال الفقير الذي لا يملك نفطاً ولا بحراً.

من هذا الإرث الحضاري العميق، نفهم حقيقة السردية الأردنية.
الأردن ليس وطناً أسّس دولة، بل دولة أسّست وطناً. الأردن فكرة سبقت الخارطة.
بدأت حين جاء عبدالله الأول إلى معان لا يملك جيشاً ولا خزينة، يملك فقط اسماً هاشمياً وشرعية ثورة. أخذ صحراء مقسمة بين العشائر والإنجليز وحوّلها إلى إمارة.
لكن الأردنيين لم يكونوا متفرجين على هذا المشروع. في عام 1928 اجتمع وجهاء وزعماء شرق الأردن في أم قيس، ليس ليبايعوا الأمير فحسب، بل ليحاسبوه أيضاً . كان أول مؤتمر وطني أردني حقيقي، رفضوا فيه المعاهدة البريطانية - الأردنية لأنها أبقت الانتداب مقنعاً، وطالبوا بدستور وحكومة مسؤولة وجيش وطني. كان ذلك أول وعي سياسي منظم يقول: نريد دولة مع الهاشميين لا دولة للهاشميين وحدهم. ومن رحم أم قيس وُلدت فكرة العقد بين العرش والعشائر.
ولم يكن وعي الأردنيين بخطر المشروع الصهيوني طارئاً، بل هو وعيٌ ثوريٌ متوارثٌ بالدم.
بدأ في صيف 1876 حين استشعر شيوخ العشائر خطر نواتين استيطانيتين زرعهما اليهود في جلعاد. فتداعوا في ليلة ساكب، في مضافة الشيخ رجا المصطفى العياصرة، وترأسهم الشيخ مفلح العبيدات "أبو كايد" شيخ كفرسوم، مع وجهاء بني حسن وعشائر الشمال. لم يكتبوا بيان شجب، بل قرروا الهجوم. فحملوا سلاحهم وأحرقوا المستوطنتين وطردوا المستوطنين، ثم توجهوا إلى السلط فأحرقوا الثالثة، وأرسلوا عريضة إلى الصدر الأعظم يطالبون بمنع هجرة اليهود وتملكهم.
ومن رحم ساكب قاد الابن كايد مفلح العبيدات في 20 نيسان 1920 أول هجوم أردني منظم على معسكرات الاحتلال في تلال الثعالب / سمخ جنوب بحيرة طبريا، وكان حينها تحت ولاية الأمير رشيد الخزاعي صاحب أول حكومة أردنية في جبل عجلون وحامي ثورة الشيخ عز الدين القسام في عام 1936،ليكون أول شهيد أردني على ثرى فلسطين.
وبعد 18 يوماً من استشهاد كايد العبيدات، في 8 أيار 1920، جاء رد الجنوب. حيث اجتمع شيوخ شرق الأردن ووقعوا وثيقة تاريخية رفعوها للجنرال بولز قالوا فيها: "فلسطين عزيزة علينا... مقدسة لدينا... والخطر الصهيوني يهدد كيان الأمة جمعاء، ونحن مستعدون لبذل دمائنا وأرواحنا". وكان على رأس الموقعين الأمير عودة أبو تايه شيخ الحويطات، عقيد الثورة العربية، الذي لم يكتف بالتوقيع بل كان من أوائل من موّل وسلّح مشروع الأمير عبدالله لانتزاع الأردن من وعد بلفور.
هذا الوعي لم ينطفئ. فحين انفجرت ثورة فلسطين الكبرى 1936-1939، كان الأردنيون مخزن سلاحها، وكانت الأردن ممر مجاهديها. يهربون البنادق، يقطعون سكة حديد حيفا-درعا، ويعبرون النهر ليقاتلوا . حقاً من ليلة ساكب التي أحرقت مستوطنة، إلى سمخ التي روت فلسطين بالدم، إلى ثورة الثلاثينيات التي اعتبرت الحدود حبراً على ورق - وعيٌ واحدٌ يقول: الأردن ليس متفرجاً على فلسطين، بل هو رأس حربتها.
وجاء الاستقلال في ستة وأربعين، فلم يفرح طويلاً، لأن الامتحان الذي استعد له الأردنيون منذ ساكب وسمخ جاء سريعاً في عام 1948. هناك، حيث انهارت الجيوش وتراجعت الخرائط، ثبت الجيش العربي على أسوار القدس. أنقذ ما أمكن إنقاذه، فضم الضفة لا طمعاً بل حماية، ودفع ثمن ذلك بدم مؤسسه على عتبات الأقصى.
ثم جاء الحسين طفلاً ملكاً، فعلم الأردنيين معنى الدولة. عرّب الجيش فأردن القرار، وخاض حرباً خسر فيها الأرض في سبعة وستين، ثم خاض معركة استعاد فيها الكرامة في ثمانية وستين. وحين تصادمت بنادق الدولة وبنادق الثورة في أيلول، اختار الدولة، لأنه أدرك أن الفوضى لا تحرر فلسطين. وحين أدرك أن البقاء في الضفة سيحول الأردن إلى وطن بديل، أعلن فك الارتباط في ثمانية وثمانين، ليقول للعالم: نحن مع فلسطين حتى التحرير، لكننا لسنا فلسطين.
جاء السلام في أربعة وتسعين بارداً محسوباً، لا سلام محبة بل سلام حدود وماء وبقاء. وجاء عبدالله الثاني ليحمل هذا الإرث إلى عالم لا يرحم الدول الصغيرة، فمرّ من الربيع العربي بلا انهيار لأنه كان الدولة الوحيدة التي لم تقل لشعبها إما أنا أو الفوضى.
الخلاصة التي يجب أن تُحفظ:
الأردن لم يُصنع في القصور، صُنع في ساكب حين أحرق الأردني المستوطنة، وصُنع في أم قيس حين قال الأردني لا، وصُنع على أسوار فلسطين حين قال كايد العبيدات نعم للشهادة. دولة وُلدت بوعي مبكر أن حريتها من حرية فلسطين، وبقيت لأنها فهمت قبل غيرها أن الوطن ليس حدوداً ترسم، بل موقفاً لا يُباع.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم