العدوان يكتب: الكريبتو والدينار .. معركة الدولار الرقمي تصل إلى الأردن

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 16046
 العدوان يكتب: الكريبتو والدينار ..  معركة الدولار الرقمي تصل إلى الأردن
د. علي فواز العدوان

د. علي فواز العدوان

معركة العملات المشفرة في الولايات المتحدةلم تعد مجرد خلاف على تنظيم سوق مالية جديدة، ولم تعد «البيتكوين» وحدها عنوان للتحولات الاقتصادية الرقمية.

ما يجري في واشنطن أكبر من ذلك بكثير؛ فهو صراع على قواعد الاقتصاد الرقمي المقبل، وعلى مستقبل العلاقة بين العملات المشفرة والدولار، وعلى قدرة الولايات المتحدة على قيادة النظام المالي العالمي في مرحلة تنتقل فيها النقود تدريجياً من الحسابات المصرفية التقليدية إلى الأصول والمحافظ الرقمية.

امس، تلقى مشروع قانون CLARITY، الذي كان يهدف إلى وضع إطار اتحادي شامل لتنظيم الأصول الرقمية، ضربة تشريعية بعدما فشل مجلس الشيوخ في تمرير خطوة إجرائية تفتح الطريق أمام مناقشته، إذ حصل المشروع على 49 صوتاً مقابل 50، بينما كان يحتاج إلى 60 صوتاً. وصوّت جميع الديمقراطيين ضده، إلى جانب أربعة جمهوريين.
فمشروع القانون لم يكن تفصيلاً تشريعياً، بل كان محاولة لوضع قواعد واضحة لسوق الأصول الرقمية، وتحديد الاختصاص بين هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية SEC ولجنة تداول السلع الآجلة CFTC، وإنهاء جانب من حالة الغموض التي أحاطت بصناعة الكريبتو في الولايات المتحدة.
الديمقراطيون لم يرفضوا، وفق مواقفهم المعلنة، فكرة تنظيم العملات المشفرة من حيث المبدأ، وإنما اعترضوا على صيغة المشروع، وفي مقدمة ذلك ما اعتبروه قصوراً في قواعد الأخلاقيات وتضارب المصالح المرتبطة بتعامل المسؤولين الحكوميين مع الأصول الرقمية، ولا سيما المصالح التجارية للرئيس دونالد ترامب وعائلته في قطاع الكريبتو.
وقد حاول الجمهوريون معالجة هذه الاعتراضات بإدخال تعديلات أخلاقية على النسخة الأخيرة من المشروع، وقالوا إنهم أجروا أكثر من 120 تغييراً استجابة لمطالب الديمقراطيين. لكن هذه التعديلات لم تكن كافية لتوفير الأصوات اللازمة.
في المقابل، قال مؤيدو المشروع إن استمرار غياب إطار اتحادي واضح يترك الصناعة والمستثمرين والشركات أمام حالة من عدم اليقين، ويضعف قدرة الولايات المتحدة على المنافسة في الاقتصاد الرقمي العالمي. كما اعتبروا أن القانون كان سيحدد بصورة أوضح صلاحيات الجهات الرقابية ويوفر حماية أكبر للمستهلكين.
إن المعركة لم تكن بين «الكريبتو» و«الديمقراطيين» فقط، بل بين رؤيتين لمستقبل السوق: رؤية تريد تنظيماً سريعاً يفتح المجال أمام الصناعة، ورؤية تطالب بضوابط أشد على المصالح السياسية والأخلاقية وحماية النظام المالي والمستهلكين.

لكن خلف الخلاف السياسي توجد معركة اقتصادية أكبر
المسألة الأكثر أهمية ليست البيتكوين.
إنها العملات المستقرة المرتبطة بالدولار.
فهذه العملات يمكن أن تصبح جسراً بين النظام المالي التقليدي والاقتصاد الرقمي، وتتيح نقل قيمة مرتبطة بالدولار عبر الحدود بسرعة كبيرة.
وهنا تدخل الولايات المتحدة في معادلة استراتيجية:
إذا انتشرت العملات المستقرة المقومة بالدولار عالمياً، فإن الدولار قد يحصل على قناة رقمية جديدة للانتشار العالمي.
لكن في المقابل، كلما توسع استخدام هذه الأدوات، ظهرت أسئلة جديدة حول الودائع المصرفية، والسيولة، والرقابة على حركة الأموال، ومكافحة غسل الأموال، والسياسة النقدية.
ولهذا لم يكن قطاع العملات المشفرة وحده معنياً بمعركة CLARITY؛ فقد دخلت البنوك التقليدية أيضاً على خط المواجهة، خصوصاً بسبب المخاوف من أن تؤدي بعض نماذج العملات المستقرة إلى جذب الودائع من المصارف إلى منصات الأصول الرقمية.
إذا كانت واشنطن تخوض معركة على قواعد الدولار الرقمي، فإن الأردن لا يستطيع النظر إلى هذه التطورات باعتبارها شأناً أميركياً بعيداً.
الأردن اقتصاد صغير ومفتوح، والدينار الأردني مرتبط بالدولار، والاقتصاد الوطني يتعامل بصورة واسعة مع التجارة الخارجية والتحويلات والاستثمار والنظام المصرفي العالمي.
ماذا يحدث للدينار والنظام المصرفي عندما يصبح الدولار نفسه جزءاً من منظومة مالية رقمية عابرة للحدود.
الخطر المحتمل على الأردن لا يأتي من تقلب سعر البيتكوين بقدر ما قد يأتي من تغير سلوك المستخدم المالي.

فإذا أصبحت العملات المستقرة المرتبطة بالدولار وسيلة للادخار أو التحويل أو الدفع، فقد يبدأ جزء من المستخدمين والشركات في الاحتفاظ بقيمة مالية خارج الحسابات المصرفية التقليدية.
وهنا تظهر قضية الودائع.
فالبنوك تعتمد على الودائع في تمويل القروض والنشاط الاقتصادي، وأي تحول واسع ومستمر للسيولة من النظام المصرفي إلى محافظ رقمية خارجية يمكن أن يغير تركيبة السيولة ومصادر التمويل.
لا يعني ذلك أن هذا السيناريو سيحدث بالضرورة في الأردن، لكنه يمثل مخاطرة مستقبلية ينبغي إدخالها في حسابات الاستقرار المالي.
الأردن يستفيد من تحويلات العاملين في الخارج، والتكنولوجيا الرقمية يمكن أن تجعل هذه التحويلات أسرع وأقل كلفة
وهذا جانب إيجابي.
لكن الوجه الآخر يتمثل في احتمال انتقال جزء من التحويلات إلى قنوات رقمية لا تمر بالكامل عبر النظام المصرفي التقليدي، الأمر الذي يرفع أهمية الرقابة على مصادر الأموال وحركة رؤوس الأموال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
وبالتالي، فإن المطلوب ليس إغلاق الباب أمام التكنولوجيا، وإنما بناء منظومة رقابية تواكبها.
الأردن أمام فرصة وليس أمام تهديد فقط
الأردن اتخذ بالفعل خطوة في هذا الاتجاه من خلال قانون تنظيم التعامل بالأصول الافتراضية الذي دخل حيز التنفيذ عام 2025، بما أوجد إطاراً قانونياً لنشاط الأصول الافتراضية ومقدمي خدماتها.
وهذه نقطة مهمة؛ لأن السؤال لم يعد: هل يمكن تجاهل الكريبتو؟
بل أصبح:
كيف يمكن تنظيمه دون أن يتحول إلى ثغرة في الاقتصاد الوطني؟
وهنا يستطيع الأردن أن يحول جزءاً من المخاطر إلى فرص من خلال تطوير قطاع التكنولوجيا المالية، وخدمات البلوكتشين، والمدفوعات الرقمية، والبرمجيات المالية، وجذب الشركات الإقليمية، وخلق وظائف نوعية للشباب.
لكن ذلك يحتاج إلى توازن دقيق:
لا حظر يقتل الابتكار، ولا انفلات يهدد الاستقرار المالي.
فالمشهد الأميركي يجب أن يُقرأ أيضاً في سياق المنافسة الدولية.
فالقوة في الاقتصاد العالمي لم تعد مرتبطة فقط بالناتج المحلي أو حجم التجارة أو الاحتياطيات النقدية؛ بل أصبحت مرتبطة أيضاً بمن يمتلك شبكات الدفع، والبيانات، والبنية التكنولوجية، والمعايير الرقمية، والمنصات المالية.

ومن هنا فإن معركة الكريبتو تدخل في صلب المنافسة الأميركية–الصينية على مستقبل النظام المالي.

فالولايات المتحدة تمتلك ميزة تاريخية هائلة تتمثل في الدولار والأسواق المالية الأميركية، بينما تعمل الصين على تطوير بنيتها المالية الرقمية وتعزيز استخدام اليوان في المدفوعات والتجارة الدولية.
وقد لا تكون النتيجة إحلال عملة محل أخرى بصورة مباشرة، وإنما ظهور نظام مالي أكثر تعدداً، تتنافس فيه العملات التقليدية والرقمية وشبكات الدفع والمنصات المالية.
ما جرى في مجلس الشيوخ الأميركي يثبت أن الكريبتو أصبح ملفاً سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً في آن واحد.
وفشل CLARITY لا يعني نهاية صناعة العملات المشفرة، لكنه يعني استمرار حالة من عدم اليقين التنظيمي في أكبر سوق مالية في العالم، وهو ما انعكس على الأسواق الرقمية وأسهم شركات القطاع بعد التصويت.
فالولايات المتحدة تريد أن تقود الاقتصاد الرقمي العالمي، لكنها مازالت تتفاوض داخلياً على قواعد اللعبة.
أما الأردن، فلا يملك ترف الانتظار حتى تتضح الصورة بالكامل.
فالدينار ليس في مواجهة مباشرة مع البيتكوين، لكن الاقتصاد الأردني سيكون جزءاً من عالم تتغير فيه طبيعة المال، وحركة رؤوس الأموال، والمدفوعات والتحويلات.
ولهذا يجب أن تكون الاستراتيجية الأردنية واضحة:
حماية الدينار، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، وتطوير الرقابة الرقمية، ومواكبة العملات المستقرة، والاستفادة من التكنولوجيا المالية في الوقت نفسه.
فالمعركة المقبلة لن تكون بالضرورة بين الدولار والبيتكوين.
قد تكون بين الدولار التقليدي والدولار الرقمي، وبين المصرف والمحفظة الرقمية، وبين النظام المالي القائم وشبكات مالية عابرة للحدود.
ومن يقرأ هذه التحولات مبكراً يستطيع أن يحولها إلى فرصة.
أما من ينتظر حتى تصبح العملات الرقمية جزءاً من الحياة اليومية، فقد يجد نفسه أمام نظام مالي جديد، وقد كُتبت قواعده في أماكن أخرى.
الكريبتو ليس مجرد عملة جديدة؛ إنه إعادة تعريف لمعنى المال نفسه، ومعركة على من يكتب قواعد الاقتصاد العالمي في عصر المال الرقمي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم