ليست زيارة سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى موقع عمّاد السيد المسيح (المغطس ) مجرد زيارة لموقع ديني ذي مكانة تاريخية وروحية؛ فالتوقيت، وطبيعة التوجيهات، والسياق الوطني الأوسع للتحضير لعام 2030، جميعها تجعل من الزيارة محطة في مسار أردني يتجاوز فكرة الاحتفال إلى إعادة تعريف وظيفة المكان في المستقبل.
فالمغطس يقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة. وإذا كان الموقع قد احتفظ بمكانته بوصفه مكان ارتبط بمعمودية السيد المسيح، فإن التحدي الأردني لم يعد إثبات أهمية الموقع، بل كيفية تحويل هذه الأهمية التاريخية والروحية إلى حضور عالمي مستدام، وإلى تجربة متكاملة للحاج والزائر، وإلى قيمة مضافة للسياحة والاقتصاد والثقافة، وإلى مساحة تعكس صورة الأردن بوصفه بلد للحوار والاعتدال والعيش المشترك.
ومن هنا تكتسب زيارة ولي العهد دلالتها، التوجيه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، والتأكيد على التخطيط المبكر لاحتفالات الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتوسع في الترويج للموقع بالتنسيق بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والشركاء، يضع ثلاثة عناوين مترابطة أمام الدولة: الخدمة، والاستعداد، والترويج.
وهذه ليست عناوين إجرائية منفصلة؛ إنها مكونات لرؤية واحدة. فالحاج الذي يصل إلى المغطس لا يبحث فقط عن مكان يزوره، وإنما عن تجربة روحية وإنسانية متكاملة. ولذلك فإن تطوير الموقع يجب أن يبدأ من احترام قدسيته وهويته، لكنه لا ينتهي عندهما. المطلوب أن يجد الزائر منظومة متكاملة من المعلومات والخدمات والبنية التحتية والنقل والإرشاد والضيافة والمرافق، وأن يشعر بأن المكان يُدار بعقلية الموقع العالمي، لا بعقلية الموقع المحلي.
وهنا تكمن أهمية التوجيه الملكي واهتمام ولي العهد: الانتقال من إدارة الموقع إلى إدارة التجربة. فالأردن أمام مناسبة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في ألفي عام.
لكن قيمة 2030 لا ينبغي أن تقاس بعدد الوفود التي ستصل، أو بعدد الفعاليات التي ستقام، أو بعدد الأيام التي ستستمر فيها الاحتفالات. القيمة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يجب أن يسبق المناسبة: ماذا سيبقى بعد 2030؟ وهنا تصبح الاحتفالية وسيلة وليست غاية.
لقد وضعت الدولة بالفعل إطار يتجاوز الاحتفال التقليدي؛ إذ شكلت لجنة وطنية رفيعة المستوى برئاسة رئيس الوزراء لتكون المرجعية الوطنية في التخطيط للفعاليات والسياسات والمخاطبات الدولية، كما يجري العمل على تطوير منتج الحج المسيحي والترويج للمغطس والمواقع الدينية الأخرى. وهذا يعني أن الأردن يتعامل مع 2030 باعتبارها مشروع لبناء المستقبل منطلق من الذاكرة.
كما ان الاستثمار في المكان.. والاستثمار في الرواية، الأكثر أهمية فالتحضير بدأ يأخذ شكل تنموي ملموس،
فقد اعلن عن حزمة مشاريع تبلغ نحو 120 مليون دولار في الأراضي المجاورة لموقع المعمودية ، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء ممر أخضر، على مساحة تقارب 1400 دونم. ومن المخطط أن تبدأ الأعمال الإنشائية الرئيسة في عام 2027، مع استهداف استكمال المشروعين الرئيسين في الربع الأول من 2029، أي قبل حلول موعد الاحتفالات.
هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها. القصة الأهم هي أن الأردن القصة الأهم هي أن الأردن يحاول بناء منظومة حول المكان. وهذا التحول هو جوهر التفكير السياحي الحديث. وبذلك ينتقل المغطس من مفهوم "الموقع"إلى مفهوم "الوجهة".
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن السياحة والاقتصاد.
فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما من خلال الروايات التي تنتجها عن ذاتها وعن تاريخها ودورها.
وموقع المعمودية يمنح الأردن فرصة لصياغة رواية حضارية مختلفة، رواية أرض شهدت حدث محوري في التاريخ المسيحي، واحتضنت المسيحية منذ بداياتها، وتعيش اليوم انموذج من التعدد الديني والثقافي.
لذلك فإن 2030 يمكن أن تكون لحظة لإعادة تقديم الأردن للعالم من خلال رواية المكان والإنسان والسلام. وهنا تتجاوز أهمية المناسبة حدود السياحة الدينية؛ إذ تصبح جزء من القوة الناعمة الأردنية.
فموقع معمودية السيد المسيح يستطيع أن يقول للعالم إن الأردن ليس فقط بلد يستقبل الحجاج، بل بلد يمتلك إرث ديني حي ويؤمن بالحوار، ويحمي التنوع، ويجعل من الاختلاف مصدر للقوة لا سبب للصراع.
الاحتفال الذي يجب أن يبدأ قبل 2030، يبدأ بإعداد سردية عالمية للمناسبة، وبناء شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وإطلاق حملة ترويج دولية، وربط موقع معمودية السيد المسيح بشبكة المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وتطوير برامج للحج المسيحي، وتأهيل الأدلاء والعاملين في السياحة، والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لإيصال قصة الموقع إلى الأجيال الجديدة.
وهنا يمكن أن يصبح الأردن أكثر طموح ، لماذا لا تتحول 2030 إلى منصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات؟
ولماذا لا تتزامن الاحتفالات مع مؤتمرات دولية، وملتقيات للسلام، وبرامج جامعية، ومعارض فنية وثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية عالمية، ومشروعات بحثية حول التاريخ المسيحي في الأردن، ومسارات سياحية تربط موقع المعمودية بمادبا وجبل نيبو وعجلون والسلط وجرش وغيرها من المواقع التي تختزن طبقات متعددة من التاريخ؟
بهذا المعنى يصبح الاحتفال حراك ثقافي وحضاري واقتصادي وليس برنامج احتفالي موسمي. ان ما يجري حول موقع المعمودية يلتقي فيه التاريخ بالدين والسياحة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.
والأردن يمتلك في هذه اللحظة عناصر نادرة، موقع ذا قيمة دينية عالمية، قيادة سياسية ترى في المناسبة فرصة وطنية، شراكة مع الكنائس، مشاريع تطويرية بدأت تتحول إلى واقع، وإطار مؤسسي للتحضير للاحتفال. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى رؤية واحدة متماسكة.
وهنا يمكن فهم زيارة ولي العهد باعتبارها رسالة بأن المغطس ليس ملف سياحي هامشي، وإنما جزء من صورة الأردن المستقبلية. فالأردن لا يستعد فقط لاستقبال العالم في 2030؛ بل يستطيع أن يستعد لإعادة تعريف نفسه أمام العالم.
وإذا نجح في ذلك، فإن ضفاف نهر الأردن لن تكون في 2030 مجرد مكان لاستعادة ذكرى عمرها ألفا عام، بل مساحة لصناعة ذاكرة جديدة للمستقبل؛ ذاكرة تقول إن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون جسور بين البشر، وإن التاريخ يمكن أن يتحول إلى تنمية، وإن الإيمان يمكن أن يكون لغة للحوار، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من معنى ورسالة ورواية.
وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لموقع معمودية السيد المسيح " المغطس"، أن يتحول من مكان يحمل ذاكرة الماضي إلى مشروع يصنع حضور الأردن في المستقبل.
فالمغطس يقف اليوم أمام لحظة تاريخية جديدة. وإذا كان الموقع قد احتفظ بمكانته بوصفه مكان ارتبط بمعمودية السيد المسيح، فإن التحدي الأردني لم يعد إثبات أهمية الموقع، بل كيفية تحويل هذه الأهمية التاريخية والروحية إلى حضور عالمي مستدام، وإلى تجربة متكاملة للحاج والزائر، وإلى قيمة مضافة للسياحة والاقتصاد والثقافة، وإلى مساحة تعكس صورة الأردن بوصفه بلد للحوار والاعتدال والعيش المشترك.
ومن هنا تكتسب زيارة ولي العهد دلالتها، التوجيه بتحسين تجربة الحجاج المسيحيين والزوار، والتأكيد على التخطيط المبكر لاحتفالات الألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح عام 2030، والتوسع في الترويج للموقع بالتنسيق بين وزارة السياحة والآثار وهيئة تنشيط السياحة والشركاء، يضع ثلاثة عناوين مترابطة أمام الدولة: الخدمة، والاستعداد، والترويج.
وهذه ليست عناوين إجرائية منفصلة؛ إنها مكونات لرؤية واحدة. فالحاج الذي يصل إلى المغطس لا يبحث فقط عن مكان يزوره، وإنما عن تجربة روحية وإنسانية متكاملة. ولذلك فإن تطوير الموقع يجب أن يبدأ من احترام قدسيته وهويته، لكنه لا ينتهي عندهما. المطلوب أن يجد الزائر منظومة متكاملة من المعلومات والخدمات والبنية التحتية والنقل والإرشاد والضيافة والمرافق، وأن يشعر بأن المكان يُدار بعقلية الموقع العالمي، لا بعقلية الموقع المحلي.
وهنا تكمن أهمية التوجيه الملكي واهتمام ولي العهد: الانتقال من إدارة الموقع إلى إدارة التجربة. فالأردن أمام مناسبة نادرة لا تتكرر إلا مرة واحدة في ألفي عام.
لكن قيمة 2030 لا ينبغي أن تقاس بعدد الوفود التي ستصل، أو بعدد الفعاليات التي ستقام، أو بعدد الأيام التي ستستمر فيها الاحتفالات. القيمة الحقيقية تكمن في السؤال الذي يجب أن يسبق المناسبة: ماذا سيبقى بعد 2030؟ وهنا تصبح الاحتفالية وسيلة وليست غاية.
لقد وضعت الدولة بالفعل إطار يتجاوز الاحتفال التقليدي؛ إذ شكلت لجنة وطنية رفيعة المستوى برئاسة رئيس الوزراء لتكون المرجعية الوطنية في التخطيط للفعاليات والسياسات والمخاطبات الدولية، كما يجري العمل على تطوير منتج الحج المسيحي والترويج للمغطس والمواقع الدينية الأخرى. وهذا يعني أن الأردن يتعامل مع 2030 باعتبارها مشروع لبناء المستقبل منطلق من الذاكرة.
كما ان الاستثمار في المكان.. والاستثمار في الرواية، الأكثر أهمية فالتحضير بدأ يأخذ شكل تنموي ملموس،
فقد اعلن عن حزمة مشاريع تبلغ نحو 120 مليون دولار في الأراضي المجاورة لموقع المعمودية ، تشمل متحف معمودية السيد المسيح، وقرية متكاملة للحجاج والزوار، وتطوير البنية التحتية، وإنشاء ممر أخضر، على مساحة تقارب 1400 دونم. ومن المخطط أن تبدأ الأعمال الإنشائية الرئيسة في عام 2027، مع استهداف استكمال المشروعين الرئيسين في الربع الأول من 2029، أي قبل حلول موعد الاحتفالات.
هذه الأرقام مهمة، لكنها ليست القصة كلها. القصة الأهم هي أن الأردن القصة الأهم هي أن الأردن يحاول بناء منظومة حول المكان. وهذا التحول هو جوهر التفكير السياحي الحديث. وبذلك ينتقل المغطس من مفهوم "الموقع"إلى مفهوم "الوجهة".
وهناك بعد آخر لا يقل أهمية عن السياحة والاقتصاد.
فالدول لا تقدم نفسها للعالم من خلال الجغرافيا وحدها، وإنما من خلال الروايات التي تنتجها عن ذاتها وعن تاريخها ودورها.
وموقع المعمودية يمنح الأردن فرصة لصياغة رواية حضارية مختلفة، رواية أرض شهدت حدث محوري في التاريخ المسيحي، واحتضنت المسيحية منذ بداياتها، وتعيش اليوم انموذج من التعدد الديني والثقافي.
لذلك فإن 2030 يمكن أن تكون لحظة لإعادة تقديم الأردن للعالم من خلال رواية المكان والإنسان والسلام. وهنا تتجاوز أهمية المناسبة حدود السياحة الدينية؛ إذ تصبح جزء من القوة الناعمة الأردنية.
فموقع معمودية السيد المسيح يستطيع أن يقول للعالم إن الأردن ليس فقط بلد يستقبل الحجاج، بل بلد يمتلك إرث ديني حي ويؤمن بالحوار، ويحمي التنوع، ويجعل من الاختلاف مصدر للقوة لا سبب للصراع.
الاحتفال الذي يجب أن يبدأ قبل 2030، يبدأ بإعداد سردية عالمية للمناسبة، وبناء شراكات مع الكنائس والمؤسسات الدينية في مختلف أنحاء العالم، وإطلاق حملة ترويج دولية، وربط موقع معمودية السيد المسيح بشبكة المواقع الدينية والتاريخية في الأردن، وتطوير برامج للحج المسيحي، وتأهيل الأدلاء والعاملين في السياحة، والاستفادة من الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي لإيصال قصة الموقع إلى الأجيال الجديدة.
وهنا يمكن أن يصبح الأردن أكثر طموح ، لماذا لا تتحول 2030 إلى منصة عالمية للحوار بين الأديان والثقافات؟
ولماذا لا تتزامن الاحتفالات مع مؤتمرات دولية، وملتقيات للسلام، وبرامج جامعية، ومعارض فنية وثقافية، وإنتاج أفلام وثائقية عالمية، ومشروعات بحثية حول التاريخ المسيحي في الأردن، ومسارات سياحية تربط موقع المعمودية بمادبا وجبل نيبو وعجلون والسلط وجرش وغيرها من المواقع التي تختزن طبقات متعددة من التاريخ؟
بهذا المعنى يصبح الاحتفال حراك ثقافي وحضاري واقتصادي وليس برنامج احتفالي موسمي. ان ما يجري حول موقع المعمودية يلتقي فيه التاريخ بالدين والسياحة والاقتصاد والثقافة والدبلوماسية والقوة الناعمة.
والأردن يمتلك في هذه اللحظة عناصر نادرة، موقع ذا قيمة دينية عالمية، قيادة سياسية ترى في المناسبة فرصة وطنية، شراكة مع الكنائس، مشاريع تطويرية بدأت تتحول إلى واقع، وإطار مؤسسي للتحضير للاحتفال. ويبقى التحدي في تحويل هذه العناصر إلى رؤية واحدة متماسكة.
وهنا يمكن فهم زيارة ولي العهد باعتبارها رسالة بأن المغطس ليس ملف سياحي هامشي، وإنما جزء من صورة الأردن المستقبلية. فالأردن لا يستعد فقط لاستقبال العالم في 2030؛ بل يستطيع أن يستعد لإعادة تعريف نفسه أمام العالم.
وإذا نجح في ذلك، فإن ضفاف نهر الأردن لن تكون في 2030 مجرد مكان لاستعادة ذكرى عمرها ألفا عام، بل مساحة لصناعة ذاكرة جديدة للمستقبل؛ ذاكرة تقول إن الأماكن المقدسة يمكن أن تكون جسور بين البشر، وإن التاريخ يمكن أن يتحول إلى تنمية، وإن الإيمان يمكن أن يكون لغة للحوار، وإن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملك من موارد، وإنما بما تستطيع أن تقدمه للعالم من معنى ورسالة ورواية.
وهنا تحديدًا تكمن القيمة الأعمق لموقع معمودية السيد المسيح " المغطس"، أن يتحول من مكان يحمل ذاكرة الماضي إلى مشروع يصنع حضور الأردن في المستقبل.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات