الدكتور بكر الشوابكة يكتب: من أنت حين لا يراك أحد

منذ 33 دقيقة
المشاهدات : 11767
الدكتور بكر الشوابكة يكتب: من أنت حين لا يراك أحد
الدكتور بكر الشوابكة

الدكتور بكر الشوابكة

في بداية هذه الرحلة سألنا من أنا

وكان السؤال يبدو بسيطا لكنه كلما اقتربنا منه اكتشفنا أن الإنسان ليس اسما ولا وظيفة ولا منصبا ولا صورة يراها الناس فيه

ثم مضينا في الحديث عن الاختيار والقدر وعن الحب والعلاقات وعن الإنسان وهو يحاول أن يفهم نفسه والعالم من حوله

لكن ربما بقي سؤال أكثر صدقا من كل ما سبق

من أنت حين لا يراك أحد

حين تنتهي الأدوار وتسكت الأصوات وتغيب العيون التي تراقبك أو تنتظر منك شيئا

من تكون حين لا تحتاج إلى أن تثبت أنك جيد ولا أن تقنع أحدا بأنك صاحب مبدأ

هناك في تلك المساحة الهادئة يظهر شيء من حقيقتك

لكن الاستقامة الحقيقية لا تظهر دائما أمام الناس

فالإنسان قد يلتزم بالقانون لأنه يخشى العقوبة وقد يحافظ على صورته لأنه يخشى كلام الناس وقد يتظاهر بالقيم لأنه يريد أن يحافظ على مكانته

لكن السؤال الأصعب ماذا يفعل عندما يصبح قادرا على مخالفة كل ذلك دون أن يكتشفه أحد

هنا لا يعود القانون وحده كافيا ولا نظرة الناس كافية

هنا يظهر الضمير

ويظهر الفرق بين من يفعل الصواب لأنه يخشى أن يراه الناس ومن يفعله لأنه يؤمن أنه الصواب

وهذا الفرق قد يبدو صغيرا لكنه في الحقيقة يصنع شخصية الإنسان كلها

فنحن في حياتنا نعيش بين كثير من المؤثرات

هناك المصلحة وهناك الخوف وهناك المال وهناك المكانة وهناك رغبة الإنسان في أن يبقى مقبولا في محيطه

وقد يغير الإنسان بعض مواقفه مع الزمن دون أن يشعر

ليس لأنه أصبح سيئا بالضرورة ولكن لأن الظروف علمته أن يحسب كل شيء بلغة مختلفة

وهنا تبدأ المشكلة حين يصبح السؤال ماذا سأربح أهم من السؤال ماذا سأفعل

وحين يصبح الإنسان قادرا على تبرير كل شيء لنفسه

فالفساد لا يبدأ دائما من سرقة كبيرة ولا من قرار خطير

قد يبدأ من تنازل صغير عن مبدأ ثم يصبح التنازل عادة ثم يصبح الأمر عاديا

وكذلك الاستقامة لا تبدأ دائما من موقف عظيم

قد تبدأ من لحظة لا يعلم بها أحد اخترت فيها أن تعيد حقا ليس من حقك أو أن ترفض منفعة تعرف في داخلك أنها ليست لك

هناك في الخفاء يتحدد شيء مهم في شخصية الإنسان

هناك لا جمهور ولا تصفيق ولا خوف من كلام الناس

هناك أنت ونفسك

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس كيف يراك الناس

بل كيف ترى نفسك حين لا يراك أحد

وربما تكون الإجابة عن هذا السؤال خطوة أخرى في رحلتنا لفهم الإنسان وفهم أنفسنا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم