حاتم القرعان يكتب: حين تُعاد الحقيبة ويُنسى أثر الابتسامة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 12558
 حاتم القرعان يكتب: حين تُعاد الحقيبة ويُنسى أثر الابتسامة
حاتم القرعان

حاتم القرعان

ليس كل ما يوضع على طاولة المديرين يُقاس بمسطرة التعليمات، فهناك أشياء أكبر من المكاتب وأوسع من حدود الكراسي، وفي مقدمتها ابتسامة طفل فقير وجد في حقيبته المدرسية وقرطاسيته ما يعينه على أن يبدأ عامه الدراسي مثل أقرانه، دون أن يشعر أن الفقر قد سبقه إلى مقعده.

من هنا، تبدو قضية إعادة الحقائب المدرسية والقرطاسية التي تبرع بها رجل الأعمال الدكتور شكري المراشدة، ابن بلدة سوم، قضية تستحق التوقف عندها، لا من باب الاعتراض على صلاحيات الوزارة أو أنظمتها، وإنما من باب السؤال عن روح القرار وغاياته، وعن المسافة التي ينبغي أن تبقى مفتوحة بين الإدارة والإنسان.

وإذا صح أن سبب إعادة هذه المساعدات يرتبط بجلوس المتبرع في مكان مكتب مديري المدارس، فإن السؤال الذي يطرح نفسه: هل كان هذا التصرف، إن وقع، يستحق أن تُعاد من أجله مساعدات وصلت إلى أيدي أطفال محتاجين؟ وهل كان بالإمكان معالجة الموقف إداريًا بصورة تحفظ هيبة المدرسة وكرامة المتبرع، دون أن يدفع الأطفال ثمن خلاف أو سوء تقدير؟

فالكرسي، مهما علا شأنه، يبقى خشبًا ومعدنًا ومكانًا مؤقتًا، أما فرحة الطفل حين يحمل حقيبته الجديدة فهي ذاكرة قد ترافقه سنوات. ومكتب المدير يمكن إخلاؤه في دقائق، لكن ابتسامة طفل حُرم من شيء كان ينتظره قد تحتاج إلى وقت طويل حتى تعود.

الدكتورشكري المراشدة لم يذهب إلى مدرسة ليطلب منصبًا، ولم يحمل حقيبة طالب ليضع اسمه عليها؛ بل حمل، وفق ما هو مطروح، روح المبادرة الاجتماعية، ومدّ يده بما يستطيع إلى أطفال من أبناء مجتمعه. وكان الأولى أن تُستقبل هذه المبادرة بالشكر والتقدير، وأن يُقال للمتبرع: شكرًا لأنك جعلت طفلًا فقيرًا يشعر أن له نصيبًا من الفرح، ثم تُعالج أي ملاحظة إدارية بهدوء وحكمة، بعيدًا عن تحميل الطلبة تبعاتها.

إن المدرسة ليست جدرانًا ومقاعد ومكاتب فقط؛ المدرسة رسالة، والرسالة لا تكتمل حين نُحسن ترتيب الكراسي وننسى ترتيب الأولويات الإنسانية. والتعليم الذي نريد أن نغرسه في أبنائنا لا يقوم على احترام النظام فحسب، بل على احترام الإنسان أيضًا.

ولوزارة التربية والتعليم والموارد البشرية أن تطبق الأنظمة والتعليمات، فهذا حقها وواجبها، لكن الإدارة الحكيمة هي التي تعرف متى تستخدم النص، ومتى تستحضر روحه، ومتى تفرق بين معالجة مخالفة إدارية وبين إطفاء شمعة أضاءها متبرع في وجه طفل محتاج.

ليس المطلوب أن تُدار المؤسسات بالمجاملات، ولا أن تُعطل القوانين من أجل أحد، وإنما المطلوب أن تكون القرارات بقدر من الحكمة يجعل القانون خادمًا للرسالة، لا حاجزًا بينها وبين أهل الخير.

وفي زمن تحتاج فيه المدارس إلى كل يد تمتد إليها، وكل مبادرة تخفف عن كاهل الأسرة الأردنية، من المؤسف أن تتحول الحقيبة المدرسية من رمز للفرح إلى موضوع للخلاف الإداري.

يا معالي الوزير، إن كان هناك خطأ إداري، فليُصحح الخطأ، وإن كانت هناك ملاحظة على طريقة التبرع، فلتُعالج الملاحظة، أما أن تعود الحقيبة إلى صاحبها بينما يعود الطفل إلى بيته مثقلًا بشعور النقص، فهنا ينبغي أن نتساءل: أين ذهبت البوصلة؟

فالوزارة لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي تصدرها، وإنما بقدرتها على أن تجعل القرار في خدمة الطالب، وأن تجعل المدرسة مساحة يتعانق فيها النظام مع الرحمة، والقانون مع الحكمة، والتعليم مع الكرامة.

وفي النهاية، تبقى الحقيبة المدرسية أكثر من قطعة قماش وكتب ودفاتر؛ إنها على ظهر طفل فقير قد تكون رسالة تقول له: أنت لست منسيًا.
حفظ الله الأردن وحفظ الله جلالة الملك عبدالله الثّاني بن الحسين وولي عهده الأمين.
بقلم : حاتم القرعان
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم