في التعليم، القرار الخاطئ ليس مجرد قرار يمكن إلغاؤه بكتاب رسمي؛ فقد يغيّر مسار طالب، ويربك أسرة، ويترك أثراً في جيل كامل..لذلك ليست المشكلة في أن نخطئ، فكل منظومة قابلة للخطأ، وإنما في أن نُحذَّر من نتائج قرار، ثم نمضي فيه، وبعد ظهور النتائج نتمسك به بدلاً من مراجعته..وهنا يبرز سؤال مشروع: هل نستمع في الأردن بما يكفي إلى أهل الخبرة قبل اتخاذ القرارات التعليمية الكبرى؟
لدينا وزراء سابقون، وأمناء عامون، وأكاديميون، وخبراء وممارسون راكموا عقوداً من الخبرة. وليس المطلوب أن تكون آراؤهم ملزمة لصانع القرار؛ فقد يصيب الوزير ويخطئ الخبير، والعكس صحيح. لكن المطلوب أن تكون الخبرة والبيانات والتقييم جزءاً حقيقياً من صناعة القرار، وأن نعرف: من حذّر؟ ماذا قال؟ لماذا أخذنا بهذا الرأي أو رفضناه؟ وماذا أظهرت النتائج؟
*التوجيهي... المثال الأوضح*:
ربما لا يوجد ملف يجسد هذه الإشكالية أكثر من الثانوية العامة...فخلال سنوات طويلة تغيرت الامتحانات والفروع والمناهج وآليات احتساب المعدلات، ثم انتقلنا إلى نظام العامين، وأعيد النظر في الحقول والمسارات، وصولاً إلى تعديلات جديدة في 2026 قلصت الحقول الدراسية في الصف الثاني عشر من ستة إلى أربعة...ليس الاعتراض هنا على الإصلاح؛ فإصلاح الثانوية العامة ضرورة، والجمود ليس استقراراً...لكن السؤال: لماذا نكتشف كثيراً من جوانب القرار بعد تطبيقه؟
إذا كانت التغذية الراجعة من الميدان وآراء الخبراء قادرة على تعديل النظام، فلماذا لا تكون هذه الخبرة جزءاً أساسياً من تصميم القرار واختباره قبل تعميمه؟
المراجعة ليست ضعفاً، لكن كثرة التعديل بعد التطبيق قد تعني أن الاختبار الحقيقي للقرار جرى على الطلبة، لا على الورق....الإصلاح شيء... والتغيير المستمر شيء آخر.
الإصلاح الحقيقي يعرف أين يريد أن يصل، ويحدد أهدافه ومؤشرات نجاحه، ويختبر البدائل، ثم يقيس النتائج.....أما أن يتغير النظام وتفاصيله باستمرار، بينما الطالب والمعلم والأسرة يعيدون ترتيب أوراقهم كل مرة، فهذا يخلق حالة من عدم اليقين قد تصبح عبئاً بحد ذاته.
نحن لا نحتاج إلى تعليم لا يتغير؛ نحتاج إلى تعليم يتغير باتجاه واضح....ماذا نتعلم من الآخرين؟
في مصر، ظهرت توجهات حديثة لاستخدام اختبارات تقيس الميول والقدرات وأساليب التفكير ضمن التوجيه الأكاديمي والمهني، لمساعدة الطالب على اختيار المسار الأكثر ملاءمة له....ليس المطلوب استنساخ التجربة المصرية، وإنما الاستفادة من فلسفتها.
بدلاً من أن نسأل الطالب فقط: أي فرع ستختار؟....الأجدر أن نسأله:
ما قدراتك؟ ما ميولك؟ ما استعداداتك؟ وأي مسار يمكن أن تنجح فيه؟
ويمكن للأردن أن يطور نموذجاً وطنياً يربط ميول الطالب وقدراته بالمسار الثانوي، والتخصص الجامعي، واحتياجات سوق العمل....وهنا يتحول الإرشاد المهني من نشاط جانبي إلى أداة لصناعة مستقبل الطالب....وهل نُعد أبناءنا لسوق العمل القادم؟
نكرر الحديث عن الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، لكن معالجة المشكلة لا تكون فقط بتغيير أسماء التخصصات......السؤال الأهم:
كيف سيكون سوق العمل الأردني بعد عشر سنوات؟
ما أثر الذكاء الاصطناعي؟ ما الوظائف التي ستتراجع؟ وما المهارات التي ستزداد الحاجة إليها؟ وهل نعد الطالب لوظائف اليوم أم لوظائف المستقبل؟
إذا كان الطالب سيدخل سوق العمل بعد سنوات، فلا يجوز أن نبني تعليمه على احتياجات سوق العمل الحالية فقط.
التعليم الذي لا يرى المستقبل، سيظل يطارد الحاضر.
نحتاج إلى قرار قابل للقياس والمراجعة.
لكل إصلاح تعليمي كبير يجب أن تكون هناك إجابات واضحة:
ماذا نريد أن نحقق؟
كيف سنقيس النجاح؟
ما المخاطر؟
ما البدائل؟
ومتى سنراجع النتائج؟
فإذا غيرنا المسارات، ماذا تحسن؟
وإذا امتد الامتحان على عامين، هل انخفض الضغط فعلاً؟
وإذا توسعنا في التعليم المهني، هل نقيس أعداد الملتحقين فقط، أم فرص توظيفهم واستمرارهم في سوق العمل؟
هذه الأسئلة يجب أن تسبق القرار، لا أن تأتي بعده.
الهيكلة الكبرى تحتاج إلى رؤية أكبر.
الأردن أمام تحول مهم في منظومة التعليم من خلال مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وإعادة تنظيم مسؤوليات التعليم.
وهنا لا يكفي أن نسأل: هل الهيكلة جيدة؟
السؤال الأهم:
ما شكل التعليم الأردني الذي نريده بعد عشر سنوات؟
هل ستوحد السياسات؟ هل ستربط المدرسة بالجامعة وسوق العمل؟ هل ستعزز التعليم المهني؟ هل ستمنع ازدواجية الأدوار؟ وهل ستنقلنا من إدارة المشكلات إلى استباقها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق التفاصيل. ..لا نريد أن يبدأ كل وزير من الصفر.أخطر ما يمكن أن يحدث أن يصبح التعليم سلسلة من المشاريع المرتبطة بالأشخاص: يأتي مسؤول بفكرة، وآخر يعدلها، وثالث يعيد تصميمها، ويبدأ الميدان من جديد.وهكذا تضيع الخبرة المتراكمة.
نحن بحاجة إلى ذاكرة تعليمية وطنية تحفظ ما جُرّب، وما نجح، وما أخفق، وما أوصى به الخبراء، ولماذا اتُخذ القرار.
عندها لا يبدأ المسؤول الجديد من الصفر، بل يبني على ما أنجزه من سبقه.ليس عيباً أن نتراجع... العيب أن نعرف ونُصرّ....في السياسات العامة، القوة ليست في عدم تغيير القرار، وإنما في القدرة على تغييره عندما تثبت البيانات أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
أن تقول المؤسسة: ظهرت بيانات جديدة، ولذلك سنصحح المسار، ليس فشلاً؛ بل مسؤولية.
أما الاستمرار في قرار ثبتت الحاجة إلى مراجعته فقط حفاظاً على صورته، فهو ما ينبغي أن يقلقنا.
ومن يدفع الثمن؟
الوزير يتغير، والمسؤول يتغير، والحكومة تتغير...لكن الطالب لا يستطيع أن يستعيد سنوات عمره.
يمكن تعديل نظام، وإلغاء تعليمات، وإعادة تصميم مسار؛ لكن لا يمكن دائماً إعادة السنة الدراسية التي ضاعت، أو تعويض الأسرة عن كلفة قرار لم ينجح...لذلك، قبل كل قرار تعليمي كبير، يجب ألا يكون السؤال:
من صاحب القرار؟...بل:
ما الدليل؟ ما البدائل؟ ما المخاطر؟ وماذا سيحدث للطالب بعد خمس سنوات وبعد عشر؟
إذا امتلكنا إجابات علمية، فنحن نبني سياسة تعليمية وطنية.
أما إذا اتخذنا القرار، ثم انتظرنا النتائج، ثم تجاهلنا التحذيرات، فسنبقى نعيد الدورة نفسها.
الإصلاح ليس أن نغيّر التعليم باستمرار؛ الإصلاح أن نعرف إلى أين نريد أن نصل، ولماذا، وكيف سنعرف أننا وصلنا.
فالتعليم ليس مجالاً للتجربة بلا حساب. ..لأن التجربة هنا لا تقع على ورقة...إنها تقع على جيل كامل.
لدينا وزراء سابقون، وأمناء عامون، وأكاديميون، وخبراء وممارسون راكموا عقوداً من الخبرة. وليس المطلوب أن تكون آراؤهم ملزمة لصانع القرار؛ فقد يصيب الوزير ويخطئ الخبير، والعكس صحيح. لكن المطلوب أن تكون الخبرة والبيانات والتقييم جزءاً حقيقياً من صناعة القرار، وأن نعرف: من حذّر؟ ماذا قال؟ لماذا أخذنا بهذا الرأي أو رفضناه؟ وماذا أظهرت النتائج؟
*التوجيهي... المثال الأوضح*:
ربما لا يوجد ملف يجسد هذه الإشكالية أكثر من الثانوية العامة...فخلال سنوات طويلة تغيرت الامتحانات والفروع والمناهج وآليات احتساب المعدلات، ثم انتقلنا إلى نظام العامين، وأعيد النظر في الحقول والمسارات، وصولاً إلى تعديلات جديدة في 2026 قلصت الحقول الدراسية في الصف الثاني عشر من ستة إلى أربعة...ليس الاعتراض هنا على الإصلاح؛ فإصلاح الثانوية العامة ضرورة، والجمود ليس استقراراً...لكن السؤال: لماذا نكتشف كثيراً من جوانب القرار بعد تطبيقه؟
إذا كانت التغذية الراجعة من الميدان وآراء الخبراء قادرة على تعديل النظام، فلماذا لا تكون هذه الخبرة جزءاً أساسياً من تصميم القرار واختباره قبل تعميمه؟
المراجعة ليست ضعفاً، لكن كثرة التعديل بعد التطبيق قد تعني أن الاختبار الحقيقي للقرار جرى على الطلبة، لا على الورق....الإصلاح شيء... والتغيير المستمر شيء آخر.
الإصلاح الحقيقي يعرف أين يريد أن يصل، ويحدد أهدافه ومؤشرات نجاحه، ويختبر البدائل، ثم يقيس النتائج.....أما أن يتغير النظام وتفاصيله باستمرار، بينما الطالب والمعلم والأسرة يعيدون ترتيب أوراقهم كل مرة، فهذا يخلق حالة من عدم اليقين قد تصبح عبئاً بحد ذاته.
نحن لا نحتاج إلى تعليم لا يتغير؛ نحتاج إلى تعليم يتغير باتجاه واضح....ماذا نتعلم من الآخرين؟
في مصر، ظهرت توجهات حديثة لاستخدام اختبارات تقيس الميول والقدرات وأساليب التفكير ضمن التوجيه الأكاديمي والمهني، لمساعدة الطالب على اختيار المسار الأكثر ملاءمة له....ليس المطلوب استنساخ التجربة المصرية، وإنما الاستفادة من فلسفتها.
بدلاً من أن نسأل الطالب فقط: أي فرع ستختار؟....الأجدر أن نسأله:
ما قدراتك؟ ما ميولك؟ ما استعداداتك؟ وأي مسار يمكن أن تنجح فيه؟
ويمكن للأردن أن يطور نموذجاً وطنياً يربط ميول الطالب وقدراته بالمسار الثانوي، والتخصص الجامعي، واحتياجات سوق العمل....وهنا يتحول الإرشاد المهني من نشاط جانبي إلى أداة لصناعة مستقبل الطالب....وهل نُعد أبناءنا لسوق العمل القادم؟
نكرر الحديث عن الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، لكن معالجة المشكلة لا تكون فقط بتغيير أسماء التخصصات......السؤال الأهم:
كيف سيكون سوق العمل الأردني بعد عشر سنوات؟
ما أثر الذكاء الاصطناعي؟ ما الوظائف التي ستتراجع؟ وما المهارات التي ستزداد الحاجة إليها؟ وهل نعد الطالب لوظائف اليوم أم لوظائف المستقبل؟
إذا كان الطالب سيدخل سوق العمل بعد سنوات، فلا يجوز أن نبني تعليمه على احتياجات سوق العمل الحالية فقط.
التعليم الذي لا يرى المستقبل، سيظل يطارد الحاضر.
نحتاج إلى قرار قابل للقياس والمراجعة.
لكل إصلاح تعليمي كبير يجب أن تكون هناك إجابات واضحة:
ماذا نريد أن نحقق؟
كيف سنقيس النجاح؟
ما المخاطر؟
ما البدائل؟
ومتى سنراجع النتائج؟
فإذا غيرنا المسارات، ماذا تحسن؟
وإذا امتد الامتحان على عامين، هل انخفض الضغط فعلاً؟
وإذا توسعنا في التعليم المهني، هل نقيس أعداد الملتحقين فقط، أم فرص توظيفهم واستمرارهم في سوق العمل؟
هذه الأسئلة يجب أن تسبق القرار، لا أن تأتي بعده.
الهيكلة الكبرى تحتاج إلى رؤية أكبر.
الأردن أمام تحول مهم في منظومة التعليم من خلال مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية وإعادة تنظيم مسؤوليات التعليم.
وهنا لا يكفي أن نسأل: هل الهيكلة جيدة؟
السؤال الأهم:
ما شكل التعليم الأردني الذي نريده بعد عشر سنوات؟
هل ستوحد السياسات؟ هل ستربط المدرسة بالجامعة وسوق العمل؟ هل ستعزز التعليم المهني؟ هل ستمنع ازدواجية الأدوار؟ وهل ستنقلنا من إدارة المشكلات إلى استباقها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تسبق التفاصيل. ..لا نريد أن يبدأ كل وزير من الصفر.أخطر ما يمكن أن يحدث أن يصبح التعليم سلسلة من المشاريع المرتبطة بالأشخاص: يأتي مسؤول بفكرة، وآخر يعدلها، وثالث يعيد تصميمها، ويبدأ الميدان من جديد.وهكذا تضيع الخبرة المتراكمة.
نحن بحاجة إلى ذاكرة تعليمية وطنية تحفظ ما جُرّب، وما نجح، وما أخفق، وما أوصى به الخبراء، ولماذا اتُخذ القرار.
عندها لا يبدأ المسؤول الجديد من الصفر، بل يبني على ما أنجزه من سبقه.ليس عيباً أن نتراجع... العيب أن نعرف ونُصرّ....في السياسات العامة، القوة ليست في عدم تغيير القرار، وإنما في القدرة على تغييره عندما تثبت البيانات أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
أن تقول المؤسسة: ظهرت بيانات جديدة، ولذلك سنصحح المسار، ليس فشلاً؛ بل مسؤولية.
أما الاستمرار في قرار ثبتت الحاجة إلى مراجعته فقط حفاظاً على صورته، فهو ما ينبغي أن يقلقنا.
ومن يدفع الثمن؟
الوزير يتغير، والمسؤول يتغير، والحكومة تتغير...لكن الطالب لا يستطيع أن يستعيد سنوات عمره.
يمكن تعديل نظام، وإلغاء تعليمات، وإعادة تصميم مسار؛ لكن لا يمكن دائماً إعادة السنة الدراسية التي ضاعت، أو تعويض الأسرة عن كلفة قرار لم ينجح...لذلك، قبل كل قرار تعليمي كبير، يجب ألا يكون السؤال:
من صاحب القرار؟...بل:
ما الدليل؟ ما البدائل؟ ما المخاطر؟ وماذا سيحدث للطالب بعد خمس سنوات وبعد عشر؟
إذا امتلكنا إجابات علمية، فنحن نبني سياسة تعليمية وطنية.
أما إذا اتخذنا القرار، ثم انتظرنا النتائج، ثم تجاهلنا التحذيرات، فسنبقى نعيد الدورة نفسها.
الإصلاح ليس أن نغيّر التعليم باستمرار؛ الإصلاح أن نعرف إلى أين نريد أن نصل، ولماذا، وكيف سنعرف أننا وصلنا.
فالتعليم ليس مجالاً للتجربة بلا حساب. ..لأن التجربة هنا لا تقع على ورقة...إنها تقع على جيل كامل.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات