د. هيثم علي حجازي يكتب: مَن يسرق عمر الدولة؟ الفساد الإداري أم المرض المؤسسي في القطاع العام

منذ 39 دقيقة
المشاهدات : 16410
د. هيثم علي حجازي يكتب: مَن يسرق عمر الدولة؟ الفساد الإداري أم المرض المؤسسي في القطاع العام
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

ربما تكون أخطر خسارة تتعرض لها الدولة، أي دولة كانت، ليست تلك التي تظهر في بند مالي مفقود، ولا تلك التي تكشفها قضية فساد صاخبة، بل تلك الخسارة التي تمر بصمت: سنوات تضيع مِن عمر مؤسسة، وكفاءات تُهمَّش، وقرارات تتأخر، وموارد تُستهلك دون أثر، وموظفون يتعلمون أنّ الصمت أكثر أماناً مِن المبادرة، ومواطنون يعتادون أنّ أبسط الحقوق قد تحتاج إلى واسطة. في هذه المساحة تحديداً يتقاطع الفساد الإداري مع المرض الإداري، ويصبح الخطرُ أعمقَ مِن مخالفة فردية يمكن التحقيق فيها، لأنه يتحول إلى ثقافة تُمارَس يومياً، وقد تتعايش معها المؤسسة زمناً طويلاً مِن دون أنْ تتعامل معها بوصفها أزمة حقيقية.

ربما يحتاج الأمر اليوم إلى المزيد مِن الصراحة والجرأة في الحديث عن الإدارة العامة. فلا يكفي القول إننا نحدِّث القطاع العام، ولا يكفي أنْ نُعيد تصميم الهياكل التنظيمية، أو ندمج المؤسسات، أو نطلق المنصات الرقمية، أو نعدل الأنظمة، لأن السؤال الأهم والأكثر حساسية يبقى هو: هل تغيرت فعلاً الثقافة التي تدير هذه الهياكل والأنظمة؟ وهل تغيرت الطريقة التي يتم مِن خلالها اختيار المسؤول ويحاسَب بها، ويُتَخذ بها القرار، ويتم التعامل بها مع الموظف الكفؤ، ويواجَه بها الخطأ، أم أننا نجحنا في تحديث الشكل فيما بقي جزء مِن الجوهر على حاله؟.

المواطن لا يَعْرِف الإدارة العامة مِن خلال قراءة الخطط والوثائق الرسمية، ولا يقيس نجاحها بعدد الاستراتيجيات أو البرامج التي تصدر عنها، وإنما يعرفها مِن خلال تجربته اليومية معها: مِن معاملة تتأخر أو تُنْجَز، ومِن موظف يساعده أو يعقِّد أمره، ومِن قرار يَفهم أسبابه أو لا يفهمها، ومِن خدمة يحصل عليها بكرامة أو يشعر أنه بحاجة إلى واسطة للوصول إليها. والموظف أيضاً يعرف الإدارة مِن داخلها، ويعرف جيداً حجم المسافة التي تفصل أحياناً بين ما يُكتَب في الخطط وما يمارَس فعلياً في المكاتب. ولهذا فإن النقاش الحقيقي حول تحديث القطاع العام يجب أنْ ينتقل مِن سؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: ماذا تغير فعلاً في عقل الإدارة وطريقة عملها؟.
الفساد الإداري والمرض الاداري ليسا شيئاً واحداً، لكنهما كثيراً ما يلتقيان ويتغذيان مِن البيئة ذاتها. فالفساد يعني إساءة استخدام السلطة أو الوظيفة لتحقيق منفعة خاصة أو فئوية؛ أما المرض الإداري فهو أوسع وأكثر خبثاً لأنه قد يعيش داخل المؤسسة مِن دون أنْ يشكل بالضرورة جريمة يعاقِب عليها القانون. فقد تكون المؤسسة خالية مِن الرشوة والاختلاس، لكنها تعاني في الوقت نفسه من الواسطة، والمحاباة، وضعف القرار، والخوف مِن تحمُّل المسؤولية، وموت المبادرة، وغياب العدالة، وتضخم الإجراءات، والصمت عن الخطأ. وفي هذه الحالة تكون المؤسسة نظيفة في دفاترها، لكنها مريضة في روحها، وقد يكون هذا المرض أحياناً أكثر كلفة مِن بعض صور الفساد المباشر لأنه يُنْهِك المؤسسة على مدى سنوات طويلة.
مِن أكثر الأخطاء التي تُضْعِف فهمَنا للإصلاح الإداري اختزالُ الفساد في الرشوة والاختلاس وسرقة المال العام، وكأنّ كُلَّ ما يقع خارج هذه الحدود لا يمثل مشكلة جوهرية. والحقيقة أنّ الفساد يبدأ منذ اللحظة التي تُستخدَم فيها السلطة بطريقة تتجاوز فيها العلاقة على الاستحقاق، أو النفوذ على العدالة، أو المصلحة الشخصية على المصلحة العامة. فعندما يختار مسؤول شخصاً أقل كفاءة لأنه أقرب إليه، فإننا لا نكون أمام مجرد قرار إداري ضعيف، بل أمام خلل في النزاهة والاستحقاق. وعندما يحمي مدير موظفاً مقصراً بسبب علاقة شخصية، فإنّ ذلك يمثل ظلماً مؤسسياً، وحين تُمْنَح فرصةٌ لشخص وتُحْجَب عن آخر بلا معيار واضح، أو يُفَصّل إجراء بطريقة تناسب شخصاً بعينه، فإنّ المشكلة لا تعود مجرد ضعف إداري، بل تمس جوهر العدالة في الوظيفة العامة.
والأخطر مِن ذلك أنّ كثيراً من هذه الممارسات قد تكون قانونية مِن حيث الشكل، ومستندة إلى التعليمات، لكنها تظل غير عادلة مِن حيث الجوهر. ولهذا فإنّ الإدارة العامة تحتاج إلى أنْ ترتقي مِن سؤال: هل هذا القرار قانوني؟ إلى سؤال أكثر عمقاً ومسؤولية: هل هو نزيه وعادل ويمكن الدفاع عنه أمام الناس؟ فالقانون يضع الحد الأدنى الذي لا يجوز تجاوزه، أما أخلاق الإدارة العامة فيجب أنْ تضع معياراً أعلى يقوم على العدالة والموضوعية والشفافية والمصلحة العامة.
وإذا كان الفساد قد يظهر وينكشف، فإن المرض الإداري قد يستمر سنوات طويلة مِن دون أنْ يلفت الانتباه. فهو يبدأ حين يصبح التأخير طبيعياً، وحين تصبح كثرة التواقيع علامة على الحرص، وحين تصبح اللجان بديلاً عن القرار، والاجتماعات بديلاً عن الإنجاز، والتقارير بديلاً عن الحقيقة. وقد تملك المؤسسة خطة واستراتيجية ومؤشرات أداء، لكنها لا تحقق أثراً فعليا يلمسه المواطن؛ وقد يعمل فيها مئات الموظفين لكن المسؤولية موزعة بطريقة تجعل مِن الصعب معرفة مَن يتحمل النتيجة النهائية؛ وقد تنفق المؤسسة كثيراً على التطوير والتدريب لكنها تظل بعد سنوات تقدم الخدمة نفسها بالكفاءة ذاتها. وتصبح المشكلة أكثر خطورة حين لا تعود المؤسسة ترى أنّ هذا الوضع مشكلة أصلاً. فالمرض الذي تعتاد عليه المؤسسات يتحول مِن استثناء إلى ثقافة، ومِن خلل إلى قاعدة، ومِن مشكلة تحتاج إلى حل إلى واقع يتعين على الجميع التكيف معه. وهنا تحديداً يبدأ الخطر الحقيقي، لأنّ المؤسسة تصبح قادرة على التعايش مع إخفاقاتها، بل وربما الدفاع عنها وتبريرها، بدلاً مِن الاعتراف بها ومعالجتها.
ولا يمكن الحديث بصدق وصراحة عن تحديث الإدارة العامة دون التوقف أمام ظاهرة الواسطة. فهي موجودة في الثقافة الاجتماعية منذ زمن، لكن دخولها إلى الوظيفة العامة يحولها مِن علاقة اجتماعية إلى اعتداء مباشر على مبدأ الاستحقاق. فعندما يتدخل شخص لتعيين قريب، أو لترقية صديق، أو للحصول على تكليف أو نقل أو استثناء، فإن ما يحدث لا يمكن وصفه بأنه مجرد "خدمة" لأنه في الحقيقة يمنح ميزة لشخص على حساب آخر ربما يكون أكثر كفاءة واستحقاقاً. والضرر هنا لا يقع فقط على مَن خسر الفرصة، بل على المؤسسة كلِّها. فالموظفون يَرَوْن ويقارنون ويستنتجون، وإذا شعر الموظف أنّ الكفاءة لا تكفي، وأنّ العلاقات أقوى مِن الأداء، يبدأ إيمانه بالمؤسسة بالتراجع. وعندما تنهار الثقة بالعدالة، لا يمكن أنْ نتوقع ولاءً حقيقيا ولا إبداعا ولا رغبة في بذل المزيد. فالمؤسسة التي لا يثق موظفوها بعدالتها قد تستطيع إجبارهم على الحضور، لكنها لن تستطيع إجبارهم على الانتماء، كما أنها لن تستطيع أنْ تطلب منهم التضحية والمبادرة وهم يشعرون أنّ الفرص لا توزع وفق معيار عادل.
مِن السهل جداً أنْ نحمِّل الموظفَ الحكومي مسؤولية كل شيء. فإذا تأخرت المعاملة يقع اللوم على الموظف؛ وإذا تراجعت الخدمة يصبح الموظف هو السبب؛ وإذا تضخمت البيروقراطية وجدنا الموظف في مقدمة المُدانين. لكن السؤال الذي يجب أنْ نطرحه بجدية هو: مَن صنع البيئة التي يعمل فيها هذا الموظف؟ ومَن وضع الإجراءات؟ ومَن حدد الصلاحيات؟ ومَن صمم نظام الحوافز؟ ومَن اختار المدير؟ ومَن قيَّم الأداء؟ ومَن سمح باستمرار المُقَصِّر؟ ومَن خنق المبادرة؟. الموظف بالطبع مسؤول عن أدائه، ولا ينبغي استخدام النظام ذريعة للتقصير. لكن مِن الظلم أنْ نحمِّل الموظف وحده نتائج منظومة لم يصنعها. فإذا كان المدير لا يفوِّض صلاحيات علينا أنْ لا نلوم الموظف، وإذا كان طَرْحُ المبادرات خطرا فلا نستغرب انتشار الصمت، وإذا لم يكن هناك فرق حقيقي بين الموظف المتميز والموظف المقصر فلا ينبغي أنْ نسأل لماذا تراجع الحماس. ومِن هنا فإنّ الإصلاح الذي يبدأ مِن أسفل السلم ويتجاهل قمته لن يحقق الغاية المنشودة، لأن الثقافة الإدارية تُصنع مِن قِبَل القيادة لا مِن قبل الصفوف التنفيذية.
ربما يكون اختيار القيادات الإدارية العليا أهم اختبار حقيقي لأي مشروع تحديث في القطاع العام، لأن الأنظمة مهما كانت جيدة يمكن أنْ يُفْسدها مدير ضعيف، والمنصات مهما كانت متطورة يمكن أنْ تتحول إلى أدوات بيروقراطية إذا أدارتها عقلية ذات بيروقراطية سلبية. وبالتالي، فإنّ القيادة هي التي تصنع الثقافة؛ فإذا كانت القيادة عادلة، وتشجع الحوار، وتحمي الكفاءة، وتفوض الصلاحيات، وتحاسب على النتائج، فإنّ المؤسسة تتغير. أما إذا كانت القيادة تخاف مِن أصحاب الرأي، وتكافئ العلاقات الشخصية، وتتجنب اتخاذ القرار، فإنّ المؤسسة تتعلم الخوف والمجاملة وتعيد إنتاجهما في كل مستوياتها. ولهذا يجب ألا تكون الوظائف القيادية في القطاع العام مكافأة لنهاية المسار الوظيفي، ولا منصباً للوجاهة، ولا موقعاً يستمر فيه الشخص حتى يقرر أحد استبداله، بل يجب أنْ تكون تكليفا مؤقتا بأهداف واضحة، ومدة مُحدَّدة ومؤشرات أداء واضحة معلَنة. وينبغي أنْ يعرف المسؤول منذ اليوم الأول ماذا يراد منه، وماذا يجب أنْ يحقق، وكيف سيقيَّم، ومتى يُعتبر ناجحاً، ومتى يفقد مبرر استمراره. كما أنّ الغموض في أسباب بقاء بعض المسؤولين ومغادرة آخرين يفتح الباب أمام الإشاعة والتفسير الشخصي، بينما تزيد المعايير الواضحة والمعلنة مِن الثقة بالمؤسسة وتقلل مِن مساحة التأويل.
وهنا نصل إلى إحدى أخطر مشكلات الإدارة العامة، وهي أنّ المسؤول الضعيف قد يدمر مؤسسة كاملة دون أنْ يسرق ديناراً واحداً. فقد يكون المسؤول نزيه اليد لكنه ضعيف القيادة؛ لا يقرر لكنه يخنق الكفاءات؛ لا يختلس لكنه يخلق بيئة يُفَضِّل فيها الموظفون الصمت على المبادرة. ومثل هذا المسؤول قد يستمر سنوات مِن دون أنْ يُفتح بحقه ملف، لكنه خلال تلك السنوات يكون قد أهدر فرصاً، وأضعف مؤسسة، وأبعد كفاءات، وقتل الثقة. وهنا يصبح السؤال ضرورياً: لماذا نربط المساءلة دائماً بالمخالفة القانونية ولا نربطها بالفشل الإداري؟ فالامتناع عن الفساد ليس إنجازاً، وإنما هو الحد الأدنى المفترض في كل مَن يتولى موقعاً عاماً. أما الإنجاز الحقيقي فهو أنْ يسَلِّم المسؤول المؤسسة أقوى مما كانت عليه عندما تولّى أمرها، وكذلك أكثر كفاءة وقدرة على خدمة الناس وتحقيق أهدافها.
ومِن أكثر الظواهر خطورة في أي جهاز إداري أنْ يتحول الموظف الكفؤ إلى مصدر قلق للمدير الضعيف. فالمدير الواثق مِن نفسه يبحث عن أشخاص أذكياء ويستفيد منهم ويعطيهم مساحة، أما المدير القَلِقُ على موقعه فقد يحاول إضعاف كل مَن يعتقد أنه قد يظهر بصورة أفضل منه. ومِن هنا يبدأ تهميش أصحاب الرأي، وتضييق مساحة المبادرة، وإعطاء الفرص للأكثر طاعة بدلاً مِن الأكثر كفاءة. ومع الوقت، يفهم الموظفون القاعدة الجديدة: "لا تُظْهِر نفسك كثيراً، ولا تختلف معهم كثيراً، ولا تنتقد كثيراً". وهنا يتحول الخوف مِن المبادرة إلى سلوك جماعي. وهكذا نخسر أفضل الناس مِن دون أنْ يستقيلوا. فهم يبقون في مكاتبهم، لكنهم ينسحبون نفسياً، ويقدمون الحد الأدنى وينتظرون نهاية اليوم. وهذه خسارة لا تظهر في حسابات الدولة، لكنها واحدة مِن أكبر أشكال الهدر المؤسسي، لأن رأس المال البشري لا يُهْدَر فقط عندما يغادر الموظف المؤسسة، بل أيضاً عندما يبقى فيها ولا يعطيها ما يملك مِن قدرة وخبرة وفكر.
تحتاج ثقافة اللجان داخل مؤسسات القطاع العام أيضاً إلى مراجعة. فاللجنة ضرورية حين نحتاج إلى خبرات متعددة أو قرار جماعي، لكنها تصبح مشكلة حين تُستخدَم للهروب مِن اتخاذ القرار. فعندما لا يريد مسؤول أنْ يتحمل مسؤولية موضوع ما يصبح مِن السهل تشكيل لجنة؛ وإذا تأخر الحل يمكن تشكيل لجنة أخرى؛ وعندما تضيع المسؤولية نعود إلى السؤال: مَن المسؤول فعلاً؟. الإدارة الحديثة تحتاج إلى وضوح في تحديد صاحب القرار، ومَن يتحمل النتيجة، وما الموعد المحدَّد للإنجاز؛ أما المسؤول الذي يملك صلاحية واسعة لكنه يحتاج في كل مرة إلى غطاء جماعي حتى يقرر فهو يضعف مفهوم القيادة والمسؤولية.
في بعض المؤسسات يعرف الموظفون الحقيقة لكنهم لا يتحدثون ... يعرفون أنّ قراراً خاطئاً تم اتخاذه، وأنّ موظفاً غير كفؤ تقدم على غيره، وأنّ إجراءً لا معنى له تم اعتماده، وأنّ هناك مشكلة تتضخم، لكنهم في جميع الحالات يفضلون الصمت، ليس لأنّ هناك تعليمات تمنعهم، بل لأنهم تعلموا أنّ الكلام مُكْلِف، وأنّ تجربةً واحدةً لتهميش موظف بسبب رأيه قد تكفي لكي يتعلم عشرات الموظفين الدرس؛ وبعدها لا تحتاج الإدارة إلى منع النقد، فالموظفون سيمنعون أنفسهم. وفي هذه الحالة تبدأ القيادة بسماع ما تحب لا ما يجب أنْ تسمعه: تتحسن الأرقام، وتختفي المشكلات مِن التقارير، وتصبح الصورة أجمل مِن الواقع؛ لكن المؤسسة التي لا تسمع الأخبار السيئة لن تستطيع إصلاح نفسها. فالإدارة الناجحة ليست التي تحيط نفسها بمن يطمئنها، بل التي تبني نظاماً يسمح للمعلومة غير المريحة بأنْ تصل إلى القمة قبل أنْ تتحول إلى أزمة.
من المؤكد انّ هناك أجهزة رقابية وتشريعات لمواجهة الفساد والمخالفات، لكن الأمر بحاجة إلى توسيع مفهوم المساءلة ليشمل سوء الإدارة أيضاً. فكيف نحاسب مسؤولاً لم يسرق شيئاً لكنه أضاع سنوات مِن عمر المؤسسة؟ وكيف نحسب كلفة القرارات المؤجلة، وكيف نقيس خسارة الكفاءات التي هُمشت، وكيف نحاسب على مشاريع لم تحقق أثرها؟ فليس كل الهدر مالياً؛ إذ هناك هدر في الوقت، وهدر في الفرص، وهدر في الثقة، وهدر في رأس المال البشري. وقد يكون أخطر أنواع الهدر أنْ تستمر مؤسسة لسنوات في تخصيص الموازنات والموارد وبرامج التطوير، ثم لا تتغير جودة أدائها. ولهذا يجب أنْ ينتقل سؤال المساءلة مِن: هل خالف المسؤول القانون؟ إلى: ماذا أضاف المسؤول؟ وما الذي تغير في المؤسسة خلال فترة إدارته؟.
مِن الطبيعي أنْ تحتاج الحكومة إلى أشخاص تثق بهم، لكن الثقة لا ينبغي أنْ تكون مفهوماً غامضاً يُستخدم بديلاً عن الأداء. فالثقة الحقيقية يجب أنْ تنشأ مِن الكفاءة والإنجاز والنزاهة، وإذا تحولت إلى معيار شخصي لا يمكن قياسه، فإننا ننتقل مِن منطق المؤسسات إلى منطق الأشخاص. والمشكلة نفسها تظهر عند إنهاء خدمات القيادات؛ فمِن حق الدولة أنْ تغير قياداتها، ومِن حق الأشخاص أنْ تُحفظ كرامتهم، لكن وجود معايير معلنة وواضحة للتعيين أو الاستمرار أو المغادرة يعزز الثقة ويحُدُّ مِن الشائعات، لأنه كلما زاد الغموض زاد الحديث عن العلاقات الشخصية، وكلما زادت شفافية المعايير، تعززت الثقة بالدولة.
الثقافة الإدارية لا تُصنع فقط في المكاتب الفارهة أو مِن خلال التصريحات الإعلامية الطنانة. فالمدير الذي يُجامِلُ يُعَلِّم موظفيه المجاملة؛ والمدير الذي يخاف مِن اتخاذ القرار يعلّمهم كيفية التهرب مِن ذلك؛ والمدير الذي يخشى النقد يعلّمهم الصمت؛ والمدير الذي يقيس العمل بعدد الاجتماعات يعلّمهم أنّ النشاط أهم مِن النتيجة. وفي المقابل، فإنّ القيادة العادلة تخلق عدالة، والقيادة الشجاعة تخلق مبادرة، والقيادة التي تحاسب نفسها أولاً تبني ثقافة مساءلة حقيقية. ولهذا فإنّ العبارة المتكررة "الموظف الحكومي لا يريد التغيير" تحتاج إلى مراجعة، لأن الموظف في الغالب يتكيف مع البيئة التي يعمل فيها؛ فإذا كانت البيئة تكافئ الإنجاز سيجتهد، وإذا كانت تكافئ الصمت سيتعلم الصمت.
الدول تسير بخطوات مهمة في مسار تحديث القطاع العام، لكن الاختبار الحقيقي ليس فقط في عدد الأنظمة التي صدرت، ولا في عدد المؤسسات التي أعيدت هيكلتها، ولا في عدد الخدمات التي أصبحت رقمية، وإنما في السؤال عما إذا كان الموظف الكفؤ أصبح قادراً على التقدم في مساره الوظيفي دون واسطة، وما إذا كان المدير المقصر يُحاسَب فعلاً، وما إذا كان المواطن يستطيع الاعتراض على قرار غير عادل ضمن آلية واضحة، وما إذا أصبح تضارب المصالح مفهوماً حقيقياً في الممارسة، وما إذا كان موظف صغير يستطيع أنْ يقول لمسؤول كبير إنّ قرارَه خاطئٌ دون أنْ ْيدفع ثمن ذلك. فإذا لم نصل إلى هذه المرحلة، فإنّ التحديث يبقى جزئياً، مهما كانت الإنجازات الإجرائية مهمة.
الأردن غنيٌّ بالخطط والاستراتيجيات، وربما لم تكن مشكلتنا يوماً في قصور التشخيص، إذ أننا نعرف مشاكل الواسطة والبيروقراطية وضعف بعض القيادات وتضخم بعض الإجراءات، لكن المشكلة تبدأ حين نعرف المرض ولا نمتلك الشجاعة لعلاجه. فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى قرارات مؤلمة أحياناً، ويحتاج إلى إنهاء دور قيادة فاشلة، وإعادة الاعتبار للكفاءة، ومحاسبة المقصر، وكسر شبكات المجاملة، كما يحتاج إلى شجاعة الاعتراف بأنّ بعض السياسات لم تنجح. والاعتراف بالفشل ليس ضعفاً في الدولة، بل العكس هو الصحيح، فالدولة القوية هي التي تستطيع تصحيح أخطائها.
وهنا نصل إلى السؤال الذي يجب أنْ يُطرح اليوم بلا مجاملة: هل نريد إدارة عامة حديثة فعلاً، أم نريد إدارة تبدو حديثة فقط؟ فهناك فرق كبير بين أنْ تغير اسم المؤسسة وبين أنْ تغير طريقة عملها؛ وبين أنْ تدمج وزارتين وبين أنْ تزيل التعقيد؛ وبين أنْ تطلق منصة إلكترونية وبين أنْ تلغي الإجراء غير الضروري؛ وبين أنْ تتحدث عن النزاهة وبين أنْ تحاسب مَن يجامل؛ وبين أنْ تتحدث عن الكفاءة وبين أنْ تعطي الأكفأ حقه.
الدولة لا تخسر فقط حين يسرق شخص المال العام، بل تخسر أيضاً حين يهدر مسؤول عاماً مِن عمر مؤسسة، وحين تُدْفَن طاقة موظف كفؤ، وحين يتأخر مشروع لأن أحداً لا يريد اتخاذ القرار، وحين يحتاج مواطن إلى واسطة ليحصل على حقه. فوقت المواطن مال عام، ووقت الموظف مال عام، وخبرة الموظف مال عام، وثقة الناس بالدولة رأس مال وطني يجب أنْ يصان.
الفساد قد يسرق خزينة الدولة، أما المرض الإداري فيستطيع أنْ يسرق مستقبل المؤسسة نفسها. ولهذا فإنّ معركة تحديث القطاع العام ليست فقط مع الفاسد الذي يمد يده، بل أيضاً مع المدير الذي لا يقرر، والمسؤول الذي يجامل، والثقافة التي تخاف مِن النقد، والنظام الذي يساوي بين المجتهد والمقصر، والقيادة التي تعتبر الولاء الشخصي أهم مِن الكفاءة.
الأردن لا يحتاج إلى قطاع عام يتصدر تقارير التصنيفات والمؤشرات، بل يحتاج إلى إدارة عامة يشعر المواطن بعدالتها قبل أنْ يسمع عنها؛ ويشعر الموظف بكفاءتها قبل أنْ يقرأ استراتيجيتها؛ ويحتاج إلى إدارة تعرف أنّ سمعة الدولة لا تُبنى فقط في المؤتمرات والخطابات بل في النافذة التي يقف أمامها المواطن، وفي القرار الذي يتخذه المسؤول، وفي الطريقة التي يعامَل بها الموظف الكفؤ، وفي المعيار الذي يطبق على الجميع دون استثناء. وعندما يستطيع المواطن أنْ يحصل على حقه دون واسطة، ويعرف الموظف أنّ مستقبله يتحدد بعمله لا بعلاقاته، ويعرف المسؤول أنّ بقاءه مرتبط بما ينجز لا بما يتجنب، عندها فقط نستطيع أنْ نقول إننا لم نحدِّث شكل الإدارة العامة فقط، بل غيَّرْنا جوهرها. أما إذا بقيت الواسطة أقوى مِن الاستحقاق، والمجاملة أقوى مِن المهنية، والخوف أقوى مِن المبادرة، فإنّ المشكلة لن تكون أنّ الإصلاح تأخر، بل أننا نكون قد سمحنا للمرض القديم بأنْ يرتدي ثوباً جديداً ويواصل عمله تحت عناوين حديثة.
وهنا لا يعود السؤال مجرد سؤال إداري يتعلق بكفاءة جهاز حكومي، بل يتحول إلى سؤال دولة: كم سنة أخرى يمكن أنْ نخسرها بسبب قرار لم يُتخذ، وكم كفاءة يمكن أنْ نهمشها قبل أنْ تدرك المؤسسات حجم ما تفقده، وكم مرة يمكن أنْ نعيد هيكلة الجهاز العام إذا بقيت العقلية نفسها قادرة على إعادة إنتاج المشكلات ذاتها؟ فالإصلاح الإداري لا يقاس بعدد المرات التي نغير فيها الهيكل، بل بقدرتنا على تغيير السلوك الذي جعل تغيير الهيكل ضرورياً أصلاً. ولا يقاس بعدد الشعارات التي نرفعها عن الكفاءة والنزاهة، بل بمدى استعدادنا لتطبيقها عندما تتعارض مع مصلحة شخص أو نفوذ جهة أو راحة مسؤول. والدولة القوية ليست الدولة التي تدعي أنّ إدارتها بلا أخطاء، بل الدولة التي لا تخشى اكتشاف أخطائها ولا تتردد في تصحيحها، ولا تحمي مسؤولاً مِن المساءلة لأنه لم يرتكب جريمة، إذا كان قد أثبت عجزه عن الإنجاز، ولا تطلب مِن الموظف أنْ يكون مخلصاً لمؤسسة لا تعامله بعدالة.
لهذا، فإنّ السؤال الأخير، وربما الأصعب، ليس ما إذا كان الأردن يمتلك خططاً لتحديث القطاع العام؛ فالخطط موجودة، والتشخيص موجود، والإرادة المعلنة موجودة. لكن السؤال الحقيقي هو: هل نمتلك الشجاعة السياسية والإدارية الكافية للانتقال مِن تحديث الأنظمة إلى تحديث الثقافة، ومِن إعادة ترتيب الهياكل إلى إعادة ترتيب منظومة القيم التي تحكمها؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فإنّ التحديث يمكن أنْ يصبح نقطة تحول حقيقية في علاقة المواطن بالدولة، وفي كفاءة الجهاز العام، وفي قدرة الأردن على إدارة موارده المحدودة بأفضل صورة ممكنة. أما إذا بقينا نفضل إصلاح الصورة لأنها أقل كلفة مِن إصلاح الجوهر، فإنّ ما سنواجهه لن يكون الفساد الذي نعرفه، بل المرض الإداري الذي تعلّم كيف يختبئ، ويتكيف، ويغير شكله، ثم يعود ليجلس في المكتب نفسه باسم جديد. والخيار في النهاية واضح: إما أنْ نواجه المرض الإداري بما يستحقه مِن شجاعة، أو نستمر في دفع كلفة صمته مِن وقت الدولة، ومواردها، وثقة مواطنيها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم