الدكتور علي الصلاحين يكتب: أقسى العيوب أن يراها صاحبها فضيلة

منذ 32 دقيقة
المشاهدات : 6590
الدكتور علي الصلاحين يكتب: أقسى العيوب أن يراها صاحبها فضيلة
الدكتور علي الصلاحين

الدكتور علي الصلاحين

ليس كل من يرى مبصرًا، وليس كل من فقد بصره أعمى. فقد ترى العين ما حولها، ويعجز القلب عن رؤية ما يفعله الإنسان بالآخرين. وقد يملك المرء من العلم ما يفتح له أبواب المعرفة، ثم يظل عاجزًا عن معرفة نفسه. فالمشكلة ليست دائمًا في غياب الحقيقة، بل في العجز عن احتمالها حين تكشف لنا ما لا نحب أن نراه. ولعل أقسى ما في عيوب الإنسان أن بعضها لا يؤلمه، بل يراه فضيلة. فالمسيء قد يسمي إساءته صراحة، والمتكبر قد يلبس تكبره ثوب عزة النفس، والقاسي قد يصف قسوته بالحزم، ومن يجرح الآخرين قد يعتقد أنه يقول الحقيقة التي يعجز غيره عن قولها. وهكذا لا يعود الخطأ سلوكًا يحتاج إلى تصحيح، بل يتحول إلى قناعة تحرس نفسها بالأعذار، وتغلق أبواب المراجعة، وتتهم كل من يحاول تنبيه صاحبها بأنه لا يفهمه. ومن هنا، فإن أخطر ما يفعله الإنسان بنفسه أن يمنح عيوبه أسماءً جميلة، ثم يطلب من الآخرين أن يحترموا هذه الأسماء. فليس كل ما نسميه صراحةً صراحة، ولا كل ما نعدّه قوةً قوة، ولا كل ما نبرره بحسن النية حسنًا في أثره. وقد تكون الكلمة صحيحة في معناها، لكنها جارحة في أسلوبها، وقد يكون الموقف مشروعًا في أصله، لكنه ظالم في طريقته. والإنسان لا يُحاسب على ما أراد وحده، بل على ما فعل، وعلى ما تركه فعله في نفوس الآخرين. ولهذا قيل: «أكثر الناس تعييبًا في الناس؛ هو أكثرهم عيبًا». وليس المقصود أن كل من انتقد عيبًا كان متصفًا به، فالنقد قد يكون نصحًا، والنصيحة قد تكون رحمة، وإنما المقصود أن الإنسان حين ينشغل بعيوب الآخرين إلى الحد الذي يعفي فيه نفسه من المراجعة، يصبح أقرب إلى رؤية الناس بمرآة مشروخة؛ تكبّر ما فيهم، وتصغّر ما فيه. ثلاثة لا يسترها رداء: خفة العقل، وسوء الخلق، وقبح اللسان. وقد يملك الإنسان من المال والعلم والمكانة ما يستر به كثيرًا من نقائصه، لكنه لا يستطيع أن يحجب أثر كلماته عن قلوب من آذاهم، ولا أن يمنع مواقفه من كشف حقيقته حين يحتاج الناس إلى إنصافه. فالأخلاق لا تُقاس بما يقوله المرء عن نفسه، بل بما يتركه في نفوس الآخرين من أمن أو خوف، ومن كرامة أو انكسار. ومع ذلك، فإن الإنسان لا يكتفي أحيانًا بخداع الآخرين، بل قد يخدع نفسه أيضًا. فهو لا يتذكر ماضيه كما وقع تمامًا، ولا يرى ذاته كما يراها الناس بالضرورة. فالذاكرة تعيد كتابة الأحداث كلما عدنا إليها، وقد تجعلنا أكثر براءة مما كنا، أو أكثر بطولة مما نستحق، أو أكثر ظلمًا مما وقع علينا. وهنا يتقاطع الخيال مع الذاكرة؛ فقد يكون الحلم استدعاءً لصورة قديمة، أو صناعةً بارعة من العقل، أو رغبةً دفينة في أن نكون أشخاصًا مختلفين عما نحن عليه. والعقل الناضج لا يخاف من الاحتمالات، لكنه لا يحولها إلى يقين بلا دليل. يستطيع أن يقول: ربما كان الأمر كذلك، وربما كان مجرد حلم، وربما أعادت الذاكرة ترتيب الأشياء. وهذه القدرة على التوقف عند حدود المعرفة ليست ضعفًا، بل علامة وعي؛ فالإنسان الذي يحترم عقله لا يجعل كل إحساس حقيقة، ولا كل مصادفة رسالة، ولا كل تشابه دليلًا على قصة كبرى. لكن المشكلة تبدأ حين نستخدم الخيال لاكتشاف أنفسنا، ثم نستخدمه لإعفاء أنفسنا من مسؤولية أفعالنا. قد يتخيل المرء نفسه طيبًا، فينسى أنه آذى غيره، وقد يرى نفسه مظلومًا، فيغفل عن الظلم الذي مارسه. وقد يروي قصته بطريقة تجعله دائمًا صاحب النية الحسنة، حتى لو كانت نتائجه مؤذية. وهنا يصبح الخيال ستارًا يحجب الحقيقة بدل أن يكون نافذة إليها. وليس المطلوب من الإنسان أن يكره نفسه، ولا أن يصدق كل ما يقال عنه، بل أن يمتلك شجاعة النظر إلى ذاته دون تزييف. أن يسأل نفسه: هل كنت قاسيًا حين ظننت أنني حازم؟ هل جرحت أحدًا حين اعتقدت أنني أنصحه؟ هل رفضت الاعتذار لأنني مقتنع أنني على حق، أم لأن كبريائي لم يسمح لي أن أرى خطئي؟ وهل أبحث عن الحقيقة فعلًا، أم أبحث عن رواية تجعلني بريئًا منها؟ إن مراجعة النفس ليست جلدًا للذات، بل إنقاذ لها من الغرور. والاعتراف بالخطأ لا ينقص من قدر الإنسان، بل يرفعه؛ لأن من يستطيع أن يقول «أخطأت» أقدر على أن يتغير من الذي يقضي عمره في إثبات أنه لم يخطئ قط. أما من يصر على أن يرى نفسه كاملًا، فلن يجد في الآخرين إلا عيوبًا تبرر له عيوبه. ولعل أجمل ما في البصيرة أنها لا تكتفي برؤية الطريق، بل تجعل صاحبها قادرًا على رؤية أثر خطواته في الآخرين. فليس العمى الحقيقي أن تعجز العين عن رؤية النور، وإنما أن ترى الظلم وتسكت، وترى الألم ولا تشعر، وترى المعروف وتنكره، وترى عيوب الناس ولا ترى عيوب نفسك. وفي النهاية، لا يحتاج الإنسان إلى أن يكون بطلًا في كل حكاية، ولا بريئًا في كل موقف؛ يكفيه أن يكون صادقًا مع نفسه. فالتواضع ليس أن تنكر ما فيك من خير، بل أن تعرف أن الخير لا يعفيك من الخطأ، وأن حسن النية لا يمحو سوء الأثر، وأن الإنسان مهما بلغ من العلم والمكانة يظل محتاجًا إلى مرآة صادقة، وصديق ناصح، وضمير لا يجامل. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا؛ فحين تنصف نفسك من الآخرين، لا تنس أن تنصف الآخرين من نفسك. إن أصدق الناس ليس من لا يخطئ، بل من لا يكابر حين يرى خطأه، ولا يلبس الباطل ثوب الحق، ولا يجعل من عيوب الآخرين ستارًا يخفي به عيوبه. فالحقيقة لا تحتاج إلى أن تكون جميلة دائمًا، لكنها تحتاج إلى أن تكون صادقة. ومن امتلك شجاعة رؤيتها، امتلك أول الطريق إلى إصلاحها. أما من أصرّ على أن يرى عيوبه فضائل، فلن تنقصه المرايا، وإنما تنقصه البصيرة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم