حوار مع الأستاذ الدكتور رائد العطيات: "القائمة الحمراء" تكشف الخطر الصامت على التنوع الوراثي الحيواني في الأردن

منذ 25 دقيقة
المشاهدات : 6394
حوار مع الأستاذ الدكتور رائد العطيات: "القائمة الحمراء" تكشف الخطر الصامت على التنوع الوراثي الحيواني في الأردن

سرايا - بينما ينصرف الاهتمام عادةً إلى حجم الإنتاج الحيواني، تفتح دراسة علمية للأستاذ الدكتور رائد محمود العطيات نافذة مختلفة على الثروة الحيوانية الأردنية؛ نافذة تنظر إلى الحيوان المحلي بوصفه رصيدًا وراثيًا وطنيًا قد يكون له دور حاسم في مواجهة تحديات الغذاء والمناخ مستقبلًا.

الدراسة، التي فاز عنها العطيات مؤخرًا بجائزة خليل السالم للأمن الغذائي، تضمنت "القائمة الحمراء لحالة التنوع البيولوجي للحيوانات المستأنسة في الأردن" (Red List of Jordanian Livestock)، ورصدت مستويات متفاوتة من التهديد تطال عددًا من الحيوانات والطيور الزراعية المحلية.

في هذا الحوار، يشرح العطيات خلفيات الدراسة، ودلالات نتائجها، ولماذا يرى أن حماية "الحيوان البلدي" ليست عودة إلى الماضي، وإنما استثمار في المستقبل.

س: بدايةً، ما الفكرة التي تقف وراء إعداد "القائمة الحمراء للحيوانات البلدية في الأردن"؟

العطيات: الفكرة الأساسية هي الانتقال من الملاحظة العامة إلى التوثيق العلمي. لدينا حيوانات وسلالات ارتبطت بالبيئة الأردنية لعقود طويلة، وبعضها بدأ يتراجع أو يختفي، لكننا لا نستطيع حماية مورد لا نعرف حالته بدقة.

لذلك جاءت القائمة لتوثق واقع مجموعة من الحيوانات والطيور الزراعية المحلية، وتحدد مستويات الخطر التي تواجهها، بما يوفر أساسًا يمكن البناء عليه في برامج الحماية والإدارة.

س: ما الذي يجعل هذه الحيوانات مختلفة عن غيرها؟

العطيات: ما يميزها هو علاقتها الطويلة بالبيئة المحلية. هذه الحيوانات لم تتكيف مع ظروف مثالية، بل مع ظروف فيها جفاف وحرارة وشح في المياه وتذبذب في الأعلاف والمراعي.

وهذا التكيف تراكم وراثيًا عبر أجيال، ولذلك فإن قيمة السلالة المحلية لا تقاس فقط بإنتاجها الحالي، وإنما أيضًا بما تحمله من صفات قد نحتاج إليها مستقبلًا.

س: ماذا أظهرت نتائج الدراسة؟

العطيات: أظهرت تفاوتًا واضحًا في درجة تعرض الأنواع والسلالات لخطر الانقراض. فقد جاءت 42% من الحالات ضمن فئة "حرجة مع وجود جهود للمحافظة عليها"، و22% ضمن الفئة الحرجة، و19% ضمن فئة "مهددة بالانقراض مع وجود جهود للمحافظة عليها"، و9% ضمن فئة "مهددة بالانقراض"، فيما بلغت الحالات المصنفة "منقرضة" 8%.

هذه الأرقام مهمة لأنها تعطينا مؤشرًا على حجم التغير الذي أصاب التنوع الحيوي الحيواني في الأردن.

س: هل هذه النسب تعني أن المشكلة بيولوجية فقط؟

العطيات: لا. التراجع البيولوجي غالبًا ما يكون نتيجة تراكم عوامل متعددة. هناك تغير في أنماط التربية، ووجود التهجين غير المبرر علميًا، وتبدل في الأولويات الإنتاجية، ومنافسة السلالات الأجنبية، وتراجع لبعض الممارسات التقليدية، إضافة إلى الضغوط البيئية والمناخية.

لذلك فإن تراجع الحيوان المحلي يمكن أن يكون مؤشرًا على تحولات أوسع في الريف الأردني والزراعة والبيئة.

س: لماذا تصفون الحيوانات المحلية بأنها "ثروة وراثية"؟

العطيات: لأن السلالة المحلية تحمل مجموعة من الصفات الوراثية التي تراكمت عبر أجيال من التكيف.

قد تكون بعض هذه الصفات مرتبطة بتحمل الحرارة أو الجفاف أو نقص المياه والأعلاف، أو القدرة على الاستمرار في ظروف بيئية قاسية، ومقاومة الأمراض. وهذه الصفات قد تكون ذات قيمة كبيرة في المستقبل.

لذلك، عندما نفقد سلالة محلية، لا نفقد حيوانًا فقط، بل قد نفقد مادة وراثية "موروثًا وراثيًا" لا يمكن إعادة إنتاجها بعد اختفائها.

س: لكن أليست السلالات الحديثة الأجنبية أكثر إنتاجية؟

العطيات: في كثير من الحالات نعم، إذا كان معيار المقارنة هو الإنتاج في ظروف معينة. لكن الإنتاجية ليست المعيار الوحيد.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه أيضًا هو: ماذا يحدث عندما تصبح المياه أقل، والحرارة أعلى، والأعلاف أكثر ندرة، وتصبح كلف الإنتاج عالية؟

قد تكون بعض السلالات المحلية أقل إنتاجًا، لكنها أكثر قدرة على التكيف. ومع تغير المناخ، قد تتحول هذه القدرة إلى قيمة استراتيجية، وبالتالي تصبح أكثر جدوى اقتصاديًا.

س: هل يمكن القول إن "البلدي" قد يكون جزءًا من حل مشكلة الأمن الغذائي مستقبلًا؟

العطيات: بالتأكيد، إذا أحسنا إدارة هذا المورد.

الأمن الغذائي لا يعني فقط إنتاج كميات أكبر اليوم، بل الحفاظ على القدرة على الإنتاج في المستقبل. والتنوع الوراثي يمنحنا خيارات أوسع لتطوير نظم إنتاج حيواني قادرة على مواجهة الظروف المتغيرة.

ولهذا فإن المحافظة على السلالات المحلية ليست قضية تراثية فقط، بل جزء من مرونة النظام الغذائي الوطني.

س: ما أبرز الحيوانات والأنواع التي شملتها القائمة؟

العطيات: شملت القائمة الأبقار والجاموس والخيول والحمير والبغال والإبل، إضافة إلى الدجاج البلدي والحمام والبط والإوز والديك الرومي والأرانب، فضلًا عن سمك السرحان (Aphanius sirhani).

وشملت الأغنام من ضأن العواسي الأردنية - بأفخاذها (عشائرها) الثلاث، وهي البلدي والنعيمي والصقري - والماعز بسلالاته الأربعة، وهي الأسود الجبلي والصحراوي والدحيوي (الأسود البدوي) والشامي. وقد استُثنيت الأغنام (الضأن والماعز) من تحليل خطر الانقراض بسبب تجاوزها لهذا الخطر.

وكان الهدف المقصود هو تقديم صورة عن مجموعة من الموارد الحيوانية المرتبطة تاريخيًا بالبيئة الأردنية، وليس الاقتصار على نوع واحد أو قطاع واحد.

س: هل "القائمة الحمراء" وثيقة تشخيص أم مشروع حماية؟

العطيات: هي نقطة انطلاق نحو الحماية. القائمة تشخّص الواقع وتحدد مواضع الخطر، لكن القيمة الحقيقية تأتي عندما تتحول النتائج إلى برامج وسياسات.

ولهذا أدعو إلى تطوير برنامج وطني متجدد للقائمة الحمراء، تُحدّث بياناته بصورة دورية، وتُرصد من خلاله أعداد الأنواع والسلالات ومواقع انتشارها ومستويات تهديدها.

س: ما الذي يحتاجه الأردن بعد هذه الدراسة؟

العطيات: نحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية متخصصة بالموارد الوراثية الحيوانية، وإلى تعاون مؤسسي بين الجامعات ووزارة الزراعة والمراكز البحثية والمربين والمنظمات الوطنية والدولية.

كما نحتاج إلى برامج للحفظ داخل المواطن الطبيعية وخارجها، وإلى استخدام تقنيات التوصيف الوراثي الحديثة لتحديد الخصائص الوراثية للسلالات المحلية وحفظها.

س: أين يقع المربي في هذه المنظومة؟

العطيات: في قلبها. المربي الذي ما يزال يحتفظ بسلالة محلية يؤدي دورًا مهمًا في المحافظة على التنوع الوراثي.

ولهذا فإن دعمه وتشجيعه ليس مجرد مساعدة لمنتج زراعي، بل هو مساهمة في حفظ مورد وطني حي.

س: ما أكثر ما تخشونه إذا لم يتم التدخل؟

العطيات: أن ننتظر حتى يصبح الإنقاذ مستحيلًا.

الانقراض لا يحدث دائمًا بصورة مفاجئة؛ قد يبدأ بانخفاض الأعداد، ثم تقل التربية، ثم تنحسر مناطق الانتشار، ثم تصبح السلالة نادرة، وبعد ذلك قد تختفي.

المشكلة أن استعادة الحيوان بعد انقراضه أسهل في الحديث منها في الواقع.

س: ما الرسالة التي توجهونها لصانع القرار؟

العطيات: أن التنوع الوراثي الحيواني ينبغي أن يُعامل باعتباره موردًا وطنيًا استراتيجيًا، وأن حماية السلالات المحلية يجب أن تدخل ضمن سياسات الأمن الغذائي والتكيف مع التغير المناخي.

القضية ليست كم ننتج اليوم فقط، وإنما كم خيارًا نحتفظ به لإنتاج غذاء الغد.

س: وأخيرًا، لو طلبنا منكم اختصار فلسفة الدراسة في جملة واحدة، ماذا تقولون؟

العطيات: أقول: السلالة التي نحميها اليوم قد تكون إجابةً لسؤال غذائي لا يزال المستقبل يحتفظ به.

ولذلك فإن "القائمة الحمراء" ليست قائمة بما فقدناه فقط، بل دعوة إلى أن نعرف ما تبقى، ونحميه، قبل أن يتحول التنوع الوراثي من مورد حي إلى ذكرى في سجل التاريخ.

 

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم