د.مارسيل جوينات تكنب: حين يهرب الحاضر إلى الثمانينات: ماذا يقول الترند عنّا؟ ولماذا تعود الثمانينات الآن؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10092
د.مارسيل جوينات تكنب: حين يهرب الحاضر إلى الثمانينات: ماذا يقول الترند عنّا؟ ولماذا تعود الثمانينات الآن؟
د. مارسيل جوينات

د. مارسيل جوينات

السؤال يبدو للوهلة الأولى بسيط، أمام موجة الصور التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، حيث يظهر الناس بملابس الثمانينات، وتسريحاتها، وألوانها، وديكوراتها، وكأن الزمن قرر أن يدور إلى الخلف. لكن خلف هذه الصور التي تبدو للوهلة الأولى مجرد لعبة رقمية، تختبئ ظاهرة أكثر عمق: إنسان يعيش في عصر شديد السرعة، لكنه يبحث عن ملاذه النفسي في زمن أكثر بطئ.

ترند "ماذا لو كنت في الثمانينات؟"ليس مجرد استعادة لملابس قديمة أو تقليد لصور الأجداد والآباء. إنه إعادة تصنيع للماضي بواسطة أدوات المستقبل. بضغطة واحدة، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل ملامح الإنسان، ويضعه في زمن لم يعشه، أو يعيد إليه زمنًا عاشه لكنه أصبح جزءًا من الذاكرة.

وهنا تكمن المفارقة. نحن نستخدم أكثر تقنيات المستقبل تطور كي نهرب، ولو بشكل بصري من حاضرنا.

الصورة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي لا توثق الماضي؛ إنها تخترعه من جديد. فهي لا تقول لنا كيف كانت الثمانينات فعل، وإنما كيف نريد نحن أن نتذكرها. ولهذا تبدو الصور جميلة، دافئة، ملونة، ومليئة بالتفاصيل التي تمنح الماضي هالة من الرومانسية. لكن الماضي الحقيقي لم يكن بهذه المثالية.

الثمانينات كانت زمن له أزماته وتحولاته وصراعاته، مثل أي مرحلة تاريخية. غير أن الذاكرة الإنسانية لا تحتفظ بكل شيء بالتساوي؛ فهي تنتقي ما يمنحها المعنى والحنين، وتترك في الظل ما كان مؤلم أو ثقيل. وهكذا يتحول الماضي من حقيقة تاريخية إلى سردية عاطفية.

وهذه هي قوة الترند وخطورته في الوقت نفسه. إنه لا يعيد إنتاج الملابس فقط، بل يعيد إنتاج تصور كامل عن الحياة. الثمانينات في المخيال الرقمي تعني التلفزيون العائلي، الأغاني القديمة، الصور المطبوعة، اللقاءات المباشرة، الجيران الذين يعرف بعضهم بعض والوقت الذي لم يكن مقسّم إلى إشعارات ورسائل ومقاطع قصيرة لا تنتهي.

في المقابل، يعيش الإنسان اليوم في زمن مختلف بالتمام؛ زمن يمكن أن يكون فيه متصل بالعالم كله، لكنه يشعر أحيانًا بأنه أكثر عزلة. يستطيع أن يتحدث مع مئات الأشخاص، لكنه قد يفتقد محادثة واحدة عميقة. يستطيع أن يصنع صورة مثالية لنفسه، لكنه قد يعجز عن الإجابة عن سؤال بسيط: هل أنا راضي عن حياتي الحقيقية؟

من هنا يصبح الحنين إلى الثمانينات نوع من الاحتجاج الصامت على الحاضر. ليس بالضرورة أن يريد الناس العودة إلى الماضي بالفعل، وإنما يريدون استعادة بعض ما يعتقدون أنه فقد في الطريق: البطء، الخصوصية، البساطة، العلاقات المباشرة، والقدرة على أن يعيش الإنسان لحظة لا تحتاج إلى أن تنشر كي تكون ذات قيمة.

واللافت أن منصات التواصل الاجتماعي نفسها، التي صنعت عالم السرعة والتحديث المستمر، أصبحت المصنع الأكبر للحنين.

الخوارزمية لا تكتفي بأن تعرض لنا الماضي؛ إنها تكتشف أن الماضي قابل للتحويل إلى محتوى جذاب، ثم تدفعه إلى ملايين المستخدمين. وما يبدأ كصورة فردية يتحول إلى موجة جماعية، وما يبدأ كتجربة شخصية يتحول إلى ثقافة مشتركة.

وهنا يظهر الإعلام الرقمي ومنصات ووسائل الاتصال في أكثر صوره تأثير: لم يعد الإعلام ينقل الذاكرة فقط، بل أصبح شريك في صناعتها.

فالصور التي نراها اليوم قد تصبح جزءًا من ذاكرة جيل كامل، حتى وإن كانت مصنوعة بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها السؤال التاريخي أكثر تعقيد: هل نتذكر الماضي كما كان، أم كما أعادت الخوارزميات تصويره لنا؟

هذه النقطة تحديد تستحق التوقف. فالذكاء الاصطناعي يمنح الإنسان قدرة غير مسبوقة على إعادة بناء ماضيه بصوره بصريه، لكنه في الوقت نفسه يطمس الحدود بين التوثيق والتخييل. صورة تبدو قديمة قد تكون جديدة بالكامل، وشخص يبدو وكأنه التقطت له صورة في الثمانينات قد يكون لم يولد في الأصل في ذلك الزمن.

وهنا لا تعود المسألة تقنية فقط؛ بل تصبح مسألة وعي إعلامي. علينا أن نعرف أن الصورة لم تعد دليل كافي على الحقيقة، وأن جمال الصورة لا يعني صدقها، وأن إحساسنا بالحنين قد يكون أحيانًا نتيجة لصناعة رقمية ذكية تعرف أي الألوان والملابس والموسيقى قادرة على استدعاء عواطفنا.

لكن ربما تكون الرسالة الأعمق للترند مختلفة. ربما لا نشتاق إلى الثمانينات بقدر ما نشتاق إلى أنفسنا قبل أن يصبح كل شيء قابل للتصوير والنشر والقياس والتعليق.

نشتاق إلى زمن كانت فيه اللحظة لحظة، لا محتوى. والصداقة علاقة، لا عدد متابعين. والصورة ذكرى، لا مادة للخوارزمية. والإنسان يعيش حياته أولًا، ثم يتذكرها، بدل أن يعيشها من أجل أن يصنع منها صورة.

لذلك فإن ترند الثمانينات، مهما بدا خفيف وممتع، يحمل سؤال ثقيل: إذا كان الحاضر هو أكثر العصور تقدم في التكنولوجيا، فلماذا نبحث عن سعادتنا في صورة الماضي؟

ربما لأن المشكلة لم تكن في يوم من الأيام في نقص التكنولوجيا، وإنما في فائضها.

وربما لأن الإنسان، مهما تغيرت أدواته، يظل يبحث عن الشيء نفسه: زمن يشعر فيه أنه يعيش، لا زمن يكتفي فيه بأنه متصل.
الثمانينات لم تعد إلينا.
نحن الذين ذهبنا إليها… ولو عبر شاشة.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم