نائل بركات يكتب: الأردن وفلسطين: وحدة الدم والمصير في مواجهة التهديد الوجودي الإسرائيلي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 3479
نائل بركات يكتب: الأردن وفلسطين: وحدة الدم والمصير في مواجهة التهديد الوجودي الإسرائيلي
نائل بركات

نائل بركات

لا يمكن مقاربة العلاقات الأردنية الفلسطينية بالمعايير الدبلوماسية التقليدية ألتي تحكم الروابط بين الدول المتجاورة، بل هي حالة فريدة من الاندماج العضوي والتلاحم التاريخي الذي صاغته جغرافيا النهر، والتداخل العشائري، ووحدة الدم والمصير. على مدى أكثر من قرن، لم يكن الأمن القومي للمملكة الأردنية الهاشمية معزولاً يوماً عما يدور غربي النهر، بل ظل مرآة مباشرة وتأثيراً متبادلاً مع تفاصيل القضية الفلسطينية؛ معركة القدس هي معركة عمّان، وصمود الضفة الغربية هو صمام الأمان للضفة الشرقية. اليوم، ومع صعود تيارات يمينية متطرفة في إسرائيل تسعى بشكل معلن إلى تصفية القضية الفلسطينية عبر سياسات الضم الفعلي، وتكثيف الاستيطان، ومحاولات التهجير القسري، لم يعد الصراع محصوراً في الداخل الفلسطيني. إن هذه المخططات التوسعية باتت تمثل تهديداً وجودياً مباشراً واستفزازاً عسكرياً للأردن وقيادته الهاشمية، ألتي تحمل إرثاً وعقيدة دينية وتاريخية في الدفاع عن المقدسات وحقوق الشعب الفلسطيني. وفي ظل هذا المشهد القاتم، تتجاوز الدولة الأردنية لغة التحذير السياسي لترسم خطوطاً حمراء حاسمة؛ مؤكدة أن أي محاولة لتصدير الأزمة نحو الشرق أو فرض أطروحات "الوطن البديل" هي بمثابة إعلان مواجهة شاملة، ستكون فيها الآلة العسكرية الإسرائيلية — بحسابات الجغرافيا والتركيبة البشرية — هي الخاسر الأكبر في حرب قد تغير وجه المنطقة إلى الأبد. الأهمية التي يوليها الملك عبد الله الثاني للقضية الفلسطينية ليست مجرد خيار سياسي تفرضه الجغرافيا والجوار، بل هي أمانة عقائدية وإرث تاريخي متجذر في الوجدان الهاشمي ينتقل من جيل إلى جيل منذ تأسيس الدولة. يرتكز اهتمام الملك بفلسطين، والمستمد من هذا الإرث، على أبعاد استراتيجية وتاريخية واضحة: 1. إرث التضحية والشهادة على أرض فلسطين. *. يرتبط الهاشميون بدمائهم بأرض فلسطين؛ فالملك عبد الله الثاني يرى في دفاعه عن فلسطين وفاءً لشهيد الأقصى، جده الأول الملك عبد الله المؤسس، الذي اغتيل على عتبات المسجد الأقصى عام 1951 دفاعاً عن عروبته. *. كما يمثل هذا الموقف امتداداً لـ شرف الوصاية الهاشمية التي بدأت برغبة ومبايعة شعبية فلسطينية للشريف الحسين بن علي عام 1924، والذي دُفن لاحقاً في باحات الأقصى بناءً على وصيته. 2. التزام ديني وقانوني بالوصاية على المقدسات . *. يعتبر الملك عبد الله الثاني نفسه خادماً وحامياً للمقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس الشريف بصفته وصياً عليها. *. هذا الإرث يترجمه الملك يومياً عبر الإشراف المباشر على الإعمار الهاشمي وتغطية نفقات إدارة أوقاف القدس وحراس الأقصى من الميزانية الأردنية، لضمان صمود الهوية العربية للمدينة في وجه محاولات التهويد والتقسيم الزماني والمكاني. 3. التلاحم الديموغرافي والمصير المشترك . *.ينطلق الملك في مواقفه من حقيقة واضحة صاغها الأجداد. أن أمن الأردن وأمن فلسطين كلٌّ لا يتجزأ. *. العلاقات العشائرية والأسروية والتداخل البشري بين ضفتي النهر يجعل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة على خطوط 1967 وعاصمتها القدس الشرقية مصلحة وطنية أردنية عليا وأمناً قومياً مباشراً للمملكة. 4. تسخير الدبلوماسية الملكية لخدمة فلسطين. *.يواصل الملك عبد الله الثاني حمل ملف القضية الفلسطينية كأولوية أولى في كافة المحافل والمنابر الدولية (مثل الأمم المتحدة، القمم العربية والدولية، واللقاءات مع قادة الدول الكبرى). *.يستخدم الملك ثقله السياسي وعلاقاته الدولية لتعرية الانتهاكات الإسرائيلية، والتصدي لمشاريع التهجير والاستيطان، وإعادة التأكيد على أنه لا سلام ولا استقرار في منطقة الشرق الأوسط دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين. الأردن لا ينظر إلى الاستيطان والضم في الضفة الغربية كمسألة سياسية أو قانونية فحسب، بل يراه تهديداً وجودياً مباشراً لأمنه القومي قد يفجر حرباً إقليمية شاملة. الصدام الإسرائيلي لم يعد محصوراً بالداخل الفلسطيني، بل بات يمس الأردن بشكل مباشر كجزء من صراع وجودي يهدد الأمن القومي للمملكة وثوابتها الإستراتيجية. أعلن الملك عبد الله الثاني والحكومة الأردنية صراحة في عدة محافل دولية أن أي محاولة لتهجير الفلسطينيين من الضفة الغربية باتجاه الأردن هي بمثابة "إعلان حرب" ستتصدى له المملكة بكل إمكانياتها العسكرية والسياسية. التوسع الاستيطاني المنفلت واعتداءات المستوطنين تهدف بالأساس إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين لدفعهم نحو الشرق (عبر نهر الأردن)، وهو ما يعتبره الأردن خطاً أحمر تدميرياً لبنيته الديموغرافية والسياسية. تتجلى خطوط هذا الصدام والتهديد في عدة ملفات محورية. 1. تقويض الوصاية الهاشمية في القدس تتعمد التيارات اليمينية المتطرفة في الحكومة الإسرائيلية محاولة فرض واقع جديد في المسجد الأقصى عبر السماح بالاقتحامات الكبرى، ومحاولات التقسيم الزماني والمكاني. هذا السلوك لا يمثل اعتداءً على الفلسطينيين وحدهم، بل هو اصطدام مباشر ومقصود بشرعية الوصاية التاريخية والدينية للهاشميين، ومحاولة لتهميش دور عمّان المعترف به دولياً في إدارة المقدسات الإسلامية والمسيحية. 2. خطر الضّم الفعلي للضفة الغربية وسيناريو "الوطن البديل"مع تسارع مشاريع مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات الجديدة (مثل الإعلانات الأخيرة عن مستوطنات في الخليل وجنين)، يرى الأردن أن الاحتلال يسعى للقضاء نهائياً على "حل الدولتين". هذا التوسع، والحديث المتزايد في أروقة اليمين الإسرائيلي عن تهجير الفلسطينيين، ينعكس مباشرة على الأردن كخطر وجودي؛ إذ تُدرك القيادة الأردنية أن الهدف النهائي لهذه السياسة هو إحياء أطروحة "الوطن البديل" وتصدير الأزمة السكانية والسياسية إلى شرق النهر. 3. عسكرة الأغوار (وادي الأردن) وجدار الفصل الشرقي تمثل منطقة وادي الأردن خط الدفاع الوجودي الأول للمملكة. الخطط الإسرائيلية التوسعية وبناء بنى تحتية عسكرية وحواجز جديدة تفصل الأغوار عن بقية الضفة الغربية، تُعدّ في العُرف العسكري الأردني خطوة تهدف إلى خنق الحدود المشتركة وتغيير الترتيبات الأمنية الحساسة التي استقرت لعقود، مما دفع الجيش الأردني لاتخاذ احتياطات دفاعية قصوى على طول الحدود لمواجهة كافة السيناريوهات المحتملة. 4. تصفية "حل الدولتين" وتصدير الأزمة.تدرك الدولة الأردنية أن قضم أراضي الضفة الغربية وبناء البؤر الاستيطانية (مثل مشروع E1 الذي يهدف لتقسيم الضفة إلى جزأين) يقتل نهائياً فرصة إقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة. غياب الدولة الفلسطينية يعني تلقائياً محاولة اليمين الإسرائيلي إحياء فكرة "الوطن البديل" على حساب الأردن، وهو مشروع تصفية يرفضه الهاشميون والجيش الأردني بشكل مطلق ومستعدون لردعه عسكرياً. 5. الاستهداف السياسي المباشر للموقف الأردني. تواجه الدبلوماسية الأردنية، بقيادة الملك عبد الله الثاني والحكومة الأردنية ، هجوماً وتحريضاً سياسياً وإعلامياً مستمراً من قِبل مسؤولين إسرائيليين بسبب صلابة الموقف الأردني في المحافل الدولية، وإصرار المملكة على كشف الجرائم الإسرائيلية والمطالبة بفرض عقوبات على المستوطنين ووقف إمدادات السلاح. وتنظر إسرائيل إلى هذا الموقف باعتباره حجر عثرة أمام تسويق سياساتها عالمياً وتوسيع اتفاقيات التطبيع بلا أثمان سياسية. اليمين المتطرف في اسرائيل يجر اسرائيل إلى حرب مدمرة. الأردن لا يبحث عن الحرب ويتمسك بالحلول السياسية العادلة، لكن في حال فُرضت المواجهة، فإن الحسابات العسكرية الدقيقة تؤكد أن إسرائيل ستواجه مستنقعاً جغرافياً وبشرياً يستحيل الخروج منه، مما يجعلها الخاسر الأكبر في حرب ستغير وجه المنطقة إلى الأبد. القراءة العسكرية والجيوسياسية تؤكد أن أي مواجهة مسلحة مباشرة بين الأردن وإسرائيل لن تكون مجرد حرب تقليدية محصورة بين جيشين، بل ستتحول إلى معادلة "الخاسر الأكبر فيها هي إسرائيل" لاعتبارات استراتيجية وجغرافية وعقائدية بالغة التعقيد. يرتكز هذا المنظور التحليلي على عدة عوامل تجعل إسرائيل عاجزة عن تحقيق نصر حقيقي، وتجعل كلفة الحرب عليها كارثية ومستحيلة التحمّل: 1. جغرافيا الانتحار العسكري (أطول خط حدودي)تمتد الحدود الأردنية مع فلسطين المحتلة على طول يزيد عن 300 كيلومتر؛ وهي الحدود الأطول والأكثر حساسية جغرافياً لإسرائيل.هذه المساحة المفتوحة تجعل العمق الإسرائيلي الضيق (والذي لا يتعدى عرضه في بعض المناطق 15 كيلومتراً بين الضفة والبحر) مكشوفاً بالكامل وساقطاً عسكرياً تحت نيران المدفعية والقدرات الصاروخية الأردنية. الجغرافيا الجبلية للضفة الغربية المشرفة على الساحل تجعل من الصعب على إسرائيل تأمين جبهتها الداخلية إذا تحولت الجبهة الشرقية إلى واجهة حرب نشطة. 2. عقيدة الجيش العربي.يمتلك الجيش الأردني (الجيش العربي) إرثاً وعقيدة قتالية متجذرة في مواجهة التوسع الإسرائيلي. الاحتكاك التاريخي تاريخياً، كانت معارك القدس عام 1948 ومعركة الكرامة عام 1968 شواهد على قدرة الجندي الأردني على كسر هيبة التفوق التكنولوجي الإسرائيلي في حروب الالتحام المباشر. يتمتع الجيش الأردني اليوم بمستوى تدريبي وتنظيمي رفيع جداً (لا سيما القوات الخاصة وسلاح الدروع)، ولديه معرفة دقيقة بكافة تضاريس المسرح العملياتي الغربي. 3. الجبهة الداخلية الإسرائيلية الهشة والمنهكة . ستدخل إسرائيل مواجهة جديدة وهي تعاني من استنزاف عسكري، واقتصادي، ونفسي غير مسبوق نتيجة الحروب المتواصلة والمتعددة الجبهات. فتح جبهة شرقية ممتدة يعني: * شل الحركة الاقتصادية بالكامل في المستوطنات والمدن الإسرائيلية. * استحالة تأمين الملاجئ لخطوط الاشتباك الجديدة والممتدة من شمالي البلاد إلى أقصى جنوبها في العقبة وإيلات. * انهيار نظرية "الأمن الإقليمي" التي حاولت تل أبيب بناءها عبر الاتفاقيات السياسية. 4. اشتعال الضفة الغربية والداخل الفلسطيني اندلاع حرب مع الأردن سيعمل كصاعق تفجير فوري وشامل لمليونين ونصف المليون فلسطيني في الضفة الغربية، والذين تربطهم بالأردن روابط دم، وقرابة، ومصير مشترك. هذا يعني تحول الحرب فوراً إلى مواجهة من نقطة الصفر داخل كل مدينة ومستوطنة، وهو كابوس أمني وعسكري تعجز الآلة العسكرية الإسرائيلية عن السيطرة عليه أو إدارته، نظراً لتداخل الديموغرافيا والجغرافيا. 5. العزلة الدولية الوجودية لإسرائيل. يمثل الأردن بالنسبة للمجتمع الدولي ركيزة الاستقرار الأساسية وصمام الأمان في الشرق الأوسط. أي عدوان إسرائيلي مباشر يصطدم بالأردن سيؤدي إلى: * خسارة إسرائيل لآخر خطوط دعمها السياسي الغربي ألتي لن تقبل بتهديد وجود المملكة الهاشمية. 6. تحشيد عربي وإسلامي جارف يضع إسرائيل في مواجهة طوق إقليمي شامل لا يمكنها الصمود أمامه على المدى المتوسط أو الطويل. ستكون مواجهة تتغير فيها خارطة الشرق الأوسط. الأردن وفلسطين ليسا طرفين منفصلين في مواجهة الاحتلال، بل هما جسد واحد؛ إذا أصيبت الضفة الغربية بالضم والتصفية، اهتزت الضفة الشرقية بالتبعات. ستبقى الصخرة الأردنية، بجيشها وشعبها وإرث قادتها الهاشميين، العائق التاريخي والجيوسياسي الأكبر الذي تتكسر عليه أوهام التوسع الإسرائيلي. نائل بركات. كاتب ومحلل سياسي مختص بالشأن الفلسطيني الإسرائيلي وقضايا الصراع في الشرق الأوسط.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم