د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نبوءة الحسين .. وتحذير عبدالله الثاني

منذ 1 شهر
المشاهدات : 36325
د. زيد إحسان الخوالدة يكتب: نبوءة الحسين ..  وتحذير عبدالله الثاني
د. زيد إحسان الخوالدة

د. زيد إحسان الخوالدة

هل تستطيع جملة واحدة أن تنتظر قرابة أربعين عامًا حتى تشرح نفسها؟

ربما.

في عام 1987، والحرب العراقية الإيرانية تأكل من أعمار الرجال وموارد الدول، وقف الحسين بن طلال أمام إخوانه من القادة العرب، وفي رأسه ما هو أبعد من أخبار الجبهات وحسابات النصر والهزيمة، وقال كلمته التي بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية العربية:

«قُم ستحكم العالم العربي إذا استمرت فرقتنا».

لم تكن نبوءة بالمعنى الغيبي، بقدر ما كانت قراءة رجل دولة يعرف أن الفراغ لا يبقى فارغًا، وأن الانقسام حين يطول يصبح دعوة مفتوحة للآخرين كي يتقدموا.

والأهم في عبارة الحسين لم يكن «قُم» وحدها.

كان الأهم: «فرقتنا».

كان الأردن يومها يعيش جغرافيا صعبة. إلى الشمال نظام حافظ الأسد، بتاريخ ثقيل في حماة وتدمر، واصطفاف واضح إلى جانب إيران في حربها مع العراق. وإلى الشرق عراق يخوض حربًا طويلة مع دولة أكبر منه مساحة وسكانًا وموارد.

اختار الأردن الوقوف إلى جانب العراق.

لا لأن الدول العاقلة تقيم سياستها على الحب والكراهية، ولا لأن العراق كان بلا أخطاء، بل لأن العراق يومها كان ميزانًا.

دولة عربية كبيرة في قلب المشرق، تقابل دولة أكبر منها مساحة وسكانًا وموارد، وكان غياب ذلك الوزن يعني أن ميزانًا آخر سيتشكل في المنطقة.

وهكذا أصبحت العقبة، الميناء الأردني الصغير على البحر الأحمر، بوابة كبيرة للعراق.

ازدحمت السفن، وتحركت الشاحنات، وأصبح الميناء واحدًا من أهم شرايين التجارة العراقية بعدما تعطلت موانئ العراق الخليجية بفعل الحرب.

وكأن الجغرافيا تقول هي الأخرى كلمتها:

هذا الأردن الصغير مساحةً يقف في قلب حسابات إقليم أكبر منه كثيرًا.

ثم انتهت الحرب عام 1988.

تنفس الناس قليلًا.

وليتهم أطالوا التنفس.

فبعد عامين فقط، استيقظ العرب على الثاني من آب 1990، ودخل الجيش العراقي الكويت.

وهنا لا يجوز أن نكتب التاريخ بنصف ذاكرة.

الكويت الحبيبة لم تكن عدوًا للعراق.

كانت قد وقفت معه في سنوات الحرب، وقدمت الغالي والنفيس من المال والمواقف، كحال دول خليجية عربية رأت آنذاك أن العراق يقف في مواجهة خطر يتجاوز حدوده.

ثم جاءها الأذى من حيث لم تنتظر.

كانت هناك خلافات مالية ونفطية وسياسية، نعم، لكن ما من خلاف يجعل احتلال دولة عربية مستقلة أمرًا يمكن تبريره.

لقد غابت الحكمة عن القرار العراقي في لحظة كان العراق فيها بأمس الحاجة إليها.

ويا لها من مفارقة.

دولة خرجت لتوها من ثماني سنوات من الحرب، متعبة ومثقلة بالديون والخسائر، لكنها ما تزال تملك جيشًا ووزنًا وموقعًا يجعلها أحد أعمدة التوازن الإقليمي، فإذا بقرار واحد يبدل موقعها من المعادلة كلها.

لم تخسر الكويت وحدها يومها.

خسر العراق.

وخسر العرب.

وخسر ميزان المنطقة.

وحاول الحسين أن يوقف التدحرج.

تنقل، وتحدث، وفاوض، وبحث عن مخرج يعيد للكويت سيادتها ويجنب العراق والمنطقة حربًا أخرى.

لم يكن الأردن يرى احتلال الكويت حلًا، لكنه كان يخشى أن يصبح علاج الأزمة جرحًا أوسع في جسد المنطقة.

ووقع ما خشيه.

الحرب، ثم العقوبات، ثم استنزاف العراق عامًا بعد عام.

والمفارقة أن العقبة التي كانت قبل سنوات شريان حياة للعراق أصبحت ضمن منظومة تجارة شديدة الرقابة في ظل العقوبات الدولية.

ودفع الأردن من اقتصاده ومواقفه الكثير.

ومرت الأعوام.

وجاء عبدالله الثاني ليقف أمام الخطر نفسه، ولكن في زمن آخر.

في آذار عام 2002، قبل حرب العراق بنحو عام، كان الملك عبدالله الثاني يحذر من العمل العسكري ضد العراق، ويرى أن الحرب يمكن أن تفتح أبوابًا لا يعرف أحد أين تنتهي.

ثم جاء عام 2003.

وللأمانة والتاريخ، لم يكن الموقف السعودي يومها موقف المتفرج.

كانت السعودية في قلب الجهد العربي الذي حاول إيجاد مخرج يمنع الحرب ويحفظ العراق من مواجهة مدمرة، وكان الإدراك العربي في تلك المرحلة واضحًا بأن الحرب، إذا وقعت، لن تقف آثارها عند حدود العراق.

لكن المساحة كانت تضيق.

وفي واشنطن كان خيار الحرب يتقدم، بينما كان على النظام العراقي أن يقرأ اللحظة بقدر أكبر من الحكمة السياسية، وأن يوسع كل نافذة ممكنة للدبلوماسية، وأن يدرك أن حماية الدولة تسبق كل حساب آخر.

وهنا واحدة من أقسى دروس السياسة:

ليست القوة أن تتمسك بالموقف حتى النهاية دائمًا.

القوة أيضًا أن تعرف كيف تحمي بلدك حين تختل موازين القوى من حولك.

ثم وقعت الحرب.

وسقط النظام العراقي.

لكن المشكلة أن السقوط لم يتوقف عند أبواب القصر.

تفكك الجيش، واهتزت مؤسسات الدولة، واتسع الفراغ.

وهنا نعود إلى الحسين.

الفراغ.

ذلك الشيء الذي لا يبقى فارغًا أبدًا.

بعد سقوط بغداد بدأ نفوذ إيران يتسع في عراق منهك، ثم جاءت تحولات المنطقة، وامتدت دوائر الصراع إلى ساحات أخرى.

وفي أواخر عام 2004 ظهر تحذير الملك عبدالله الثاني مما أصبح يعرف بـ«الهلال الشيعي».

وأُخذ المصطلح يومها إلى أماكن مذهبية لم يكن المقصود الوصول إليها.

فجوهر التحذير لم يكن من مذهب، ولا خصومة، وإنما من تحويل الانقسامات المذهبية إلى أدوات سياسية، ومن انتقال النفوذ الإقليمي عبر دول ضعفت فيها مؤسسات الدولة.

وهنا تتصل الجملة بالجملة.

الحسين يقول: احذروا الفرقة، فسيتقدم الآخرون.

وعبدالله يحذر بعد سنوات من أن الفراغ حين يتسع قد يعيد رسم موازين الإقليم كلها.

وبين الجملتين عراق تغير، وسوريا تغيرت، ولبنان عانى، واليمن احترق، والمنطقة دفعت كثيرًا من دمها ومالها واستقرارها.

فهل المشكلة كلها في إيران؟

لا.

وهنا يجب أن نكون أكثر شجاعة في مواجهة أنفسنا.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الدولة العربية أضعف من الجماعة، والوطن أضعف من الطائفة، والمؤسسات أضعف من القوى الموازية لها، والمواطنة أضعف من الولاءات العابرة للحدود.

هناك فقط يصبح الطريق ممهدًا للآخرين.

والدول من حولنا تبحث عن مصالحها.

وهكذا تفعل الدول.

لكن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس دائمًا:

ماذا يريد الآخرون منا؟

بل أيضًا:

لماذا يجد الآخرون لدينا كل هذه المساحات كي يحققوا ما يريدون؟

ومن هنا تصل الحكاية إلى المواطن العربي نفسه.

ذلك المواطن الذي أصبح يستقبل كل صباح حربًا كاملة على شاشة هاتفه: خبرًا من هنا، ومقطعًا من هناك، وطائفة تشتم أخرى، وحزبًا يخون خصمه، وحسابًا مجهولًا يوزع صكوك الوطنية والدين والمقاومة.

هو أيضًا يحتاج إلى سلاح.

لا بندقية.

بل حصافة في القراءة، وحصانة معرفية، ومنعة اجتماعية وثقافية.

أن يعرف أن ليس كل اختلاف نعمة.

فالاختلاف الذي يثري الفكر شيء، والتنازع الذي يهدم المجتمع شيء آخر.

«وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46].»

تذهب الريح أولًا.

ثم يدخل الآخرون.

وليس على المواطن أن يسأل فقط: من يرفع أجمل شعار؟

بل ليسأل:

من يحفظ الدولة؟

من يحفظ قرارها؟

من يحفظ مؤسساتها؟

ومن يريد لي أن أكره جاري وشريكي في الوطن حتى يصبح الغريب أقرب إليّ منه؟

تلك هي الحصانة التي نحتاجها.

ولعل الأردن فهم شيئًا من ذلك باكرًا.

دولة ليست الأكبر مساحة، ولا الأكثر سكانًا، ولا الأغنى موارد، ومع ذلك ظلت واقفة وسط الزلازل.

ليس لأن الرياح لم تضربها.

بل لأنها تعلمت أن السياسة ليست استعراض عضلات، وأن الاعتدال ليس ضعفًا، وأن التحالف ليس ارتهانًا، وأن الجيش القوي والمؤسسة المستقرة والجبهة الداخلية المتماسكة قد تعوض كثيرًا مما لا تمنحه الجغرافيا والموارد.

وهكذا نعود، بعد كل هذه الرحلة، إلى عام 1987.

إلى رجل وقف أمام القادة العرب وقال:

«قُم ستحكم العالم العربي إذا استمرت فرقتنا».

وأظن أننا، بعد كل ما جرى، ربما كنا ننظر طويلًا إلى أول العبارة وننسى آخرها.

المشكلة لم تكن في «قُم» وحدها.

الحسين أخبرنا أين يبدأ الخطر:

«فرقتنا».

وهناك، تحديدًا، كانت النبوءة.

ومن هناك أيضًا تبدأ حكمة عبدالله الثاني:

أن نحمي الدولة قبل أن نضطر للدفاع عن بقاياها، وأن نقرأ الخطر قبل أن يصبح واقعًا، وأن ندرك أن منعة الأوطان لا تبدأ عند الحدود فقط...

بل تبدأ من وعي مواطن، وتماسك مجتمع، وحكمة قرار.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم