باكستان وصناعة السلام: قوة إقليمية تفرض حضورها في السياسة الدولية

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 8139
باكستان وصناعة السلام: قوة إقليمية تفرض حضورها في السياسة الدولية
أ.د. حسن عبدالله الدعجه

أ.د. حسن عبدالله الدعجه


في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وما تحمله من مخاطر على أمن الشرق الأوسط واستقرار الاقتصاد العالمي، برزت باكستان بوصفها إحدى أهم القوى القادرة على فتح قنوات الاتصال بين الطرفين والدفع باتجاه التهدئة. ولم يكن هذا الدور مجرد تحرك دبلوماسي عابر، بل مثّل تحولًا نوعيًا في مكانة إسلام آباد، التي تجاوزت حدودها الإقليمية لتصبح لاعبًا مؤثرًا في معالجة واحدة من أعقد الأزمات الدولية.
لقد أدركت القيادة الباكستانية المدنية والعسكرية منذ بداية التصعيد أن استمرار المواجهة لن يحقق انتصارًا حاسمًا لأي طرف، وأن اتساع العمليات العسكرية سيهدد أمن الخليج وجنوب آسيا، ويؤثر في الملاحة والطاقة والتجارة العالمية. لذلك اتجهت إلى ممارسة دبلوماسية هادئة ومتوازنة، تقوم على التواصل مع واشنطن وطهران، وتشجيعهما على ضبط النفس، وإعادة الخلافات إلى طاولة التفاوض.
وتستمد باكستان قدرتها على أداء هذا الدور من موقع جغرافي واستراتيجي استثنائي؛ فهي دولة مجاورة لإيران، وقوة نووية إسلامية، وذات علاقات مهمة مع الولايات المتحدة والصين ودول الخليج. كما ترتبط مع إيران بحدود طويلة ومصالح أمنية واقتصادية مشتركة، وفي الوقت نفسه تمتلك قنوات مؤثرة مع المؤسسات السياسية والعسكرية الأميركية. وهذا التوازن منحها درجة مرتفعة من القبول لدى الطرفين، ومكّنها من التحرك دون أن تُصنف باعتبارها جزءًا مباشرًا من أحد المعسكرين.
وقد أصبحت إسلام آباد بالفعل محطة رئيسية في الاتصالات الهادفة إلى وقف التصعيد؛ إذ أسهمت، إلى جانب قطر، في الوساطة التي أفضت في يونيو/حزيران 2026 إلى توقيع مذكرة تفاهم أميركية–إيرانية، أتاحت نافذة زمنية للمفاوضات بشأن تسوية دائمة. وعلى الرغم من تعثر المحادثات وعودة المواجهة، فإن مجرد نجاح الوساطة في إنتاج إطار مكتوب أكد أن باكستان باتت تمتلك القدرة على نقل الطرفين من ميادين القتال إلى مسارات التفاوض، حتى في أكثر المراحل تعقيدًا. رويترز
كما واصلت باكستان جهودها بعد انهيار التهدئة، مؤكدة أن تجدد الصراع لا يخدم مصالح أي طرف، وأن الحل الدبلوماسي يظل الطريق الأكثر واقعية لحماية أمن المنطقة. وهذه الاستمرارية تكشف أن دورها لا يقوم على استثمار إعلامي مؤقت، بل على رؤية استراتيجية تعتبر الاستقرار الإقليمي جزءًا من أمنها الوطني ومسؤوليتها الدولية. وقد عبّرت الخارجية الباكستانية بوضوح عن استعداد إسلام آباد لمواصلة جهود خفض التصعيد وإعادة الأطراف إلى الحوار. الجزيرة الإنجليزية
ويدل انخراط المستويات العليا في الدولة، بما فيها القيادة السياسية والعسكرية والدبلوماسية، على أن الوساطة أصبحت سياسة دولة متكاملة. فقد شاركت شخصيات باكستانية رفيعة في الاتصالات المباشرة والزيارات المتبادلة، ووصل رئيس أركان الجيش الباكستاني إلى طهران في مايو/أيار 2026 لدعم جهود الوساطة، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية منسقة مع أطراف إقليمية أخرى. رويترز
ويعكس هذا الدور امتلاك باكستان عددًا من أدوات القوة المؤثرة. فهي من أكبر الدول الإسلامية من حيث السكان، وتمتلك جيشًا قويًا وقدرات نووية، إلى جانب موقع يتحكم في نقطة الاتصال بين جنوب آسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط وبحر العرب. كما تمثل الممرات الاقتصادية والموانئ الباكستانية عنصرًا مهمًا في مشاريع الربط الإقليمي والتجارة الدولية، ولا سيما في إطار الشراكة الاستراتيجية مع الصين.
إلا أن القوة الباكستانية لا تستند إلى القدرات العسكرية وحدها، بل إلى قدرتها على تحويل هذه الإمكانات إلى نفوذ دبلوماسي. فالدولة المؤثرة ليست التي تملك القوة فقط، وإنما التي تستطيع استخدامها لبناء الثقة وتقريب المواقف ومنع الأزمات من الانفجار. ومن هذا المنظور، تقدم باكستان نموذجًا لدولة تجمع بين الردع العسكري والمرونة السياسية والدبلوماسية الوقائية.
وقد أسهم تعاون إسلام آباد مع قطر والصين ودول إقليمية أخرى في تعزيز فعالية الوساطة، من دون أن تفقد باكستان استقلالية حركتها. فقد دعمت بكين الجهود الباكستانية، بينما احتفظت إسلام آباد بعلاقاتها الخاصة مع طهران وواشنطن. ويُظهر ذلك أن باكستان لا تسعى إلى منافسة الوسطاء الآخرين، بل إلى قيادة دبلوماسية تشاركية تجمع الطاقات الإقليمية والدولية حول هدف منع الحرب الشاملة.
كما تحمل الوساطة رسالة مهمة بشأن التحول الجاري في بنية النظام الدولي. فمعالجة الأزمات الكبرى لم تعد حكرًا على القوى الغربية التقليدية؛ إذ باتت دول آسيوية وإسلامية، وفي مقدمتها باكستان، قادرة على المشاركة في إدارة الأمن الدولي. وقد أشارت تحليلات إلى أن استضافة باكستان المحتملة للمحادثات يمكن أن ترفع مكانتها العالمية إلى مستوى لم تشهده منذ إسهامها في تهيئة الانفتاح الأميركي التاريخي على الصين في سبعينيات القرن الماضي. رويترز
إن نجاح إسلام آباد في المحافظة على ثقة الأطراف المتعارضة يمثل بحد ذاته إنجازًا سياسيًا كبيرًا. فالوسيط الفاعل لا يفرض حلولًا جاهزة، بل يوفر الضمانات وقنوات الاتصال والمساحات الآمنة للتفاوض، ويمنع سوء التقدير من التحول إلى حرب أوسع. ومن هنا، فإن قيمة الدور الباكستاني لا تُقاس فقط بالتوصل الفوري إلى اتفاق نهائي، وإنما أيضًا بقدرته على إبقاء باب الدبلوماسية مفتوحًا.
لقد أصبحت باكستان اليوم أكثر من قوة إقليمية بالمعنى التقليدي؛ إنها دولة فرضت نفسها بقوة على مسرح السياسة الدولية، وأثبتت أنها قادرة على الإسهام في صناعة السلام وإدارة التوازنات الكبرى. وإذا واصلت هذا النهج المتزن، فإنها مرشحة لأن تتحول إلى مركز دبلوماسي دولي يصل بين الشرق والغرب، ويمنح العالم الإسلامي صوتًا أكثر حضورًا وتأثيرًا في صياغة مستقبل الأمن العالمي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم