د. دانييلا القرعان تكتب: هل يصبح الأردني أمريكيًا عندما يُلاحقه القانون الأردني؟

منذ 55 دقيقة
المشاهدات : 11651
د. دانييلا القرعان تكتب: هل يصبح الأردني أمريكيًا عندما يُلاحقه القانون الأردني؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

في زمن ازدواج الجنسية، ظهرت لدى البعض فكرة غريبة: أن يحمل الأردني جوازاً أجنبياً، ويدخل به وطنه، فإذا واجه القانون أخرج جوازه الآخر وقال: أنا أمريكي، أو بريطاني، أو كندي، وأريد حماية سفارتي! لكن هل يستطيع الجواز أن يغيّر حقيقة الإنسان القانونية؟ الأمر ليس بهذه البساطة. فالأردني الذي يحمل جنسية أخرى لا يصبح، بمجرد حصوله على جواز جديد، أجنبياً داخل الأردن، وإذا كانت جنسيته الأردنية ما تزال قائمة، فحمله للجنسية الثانية لا يلغي الأولى، ولا يمنحه حصانة من القوانين الأردنية.

وإذا كان مطلوباً أمام القضاء الأردني أو متهماً في قضية ما، فإن دخوله بجواز أمريكي، مثلاً، لا يعني أن القضاء الأردني يفقد اختصاصه أو أن مذكرة القبض تصبح بلا قيمة، وقد يقول سأطلب السفارة الأمريكية، وله أن يطلب الاتصال بها، فهذا أمر مختلف، وقد تستطيع السفارة تقديم مساعدة قنصلية ضمن الحدود التي يسمح بها القانون، والاطمئنان إلى معاملته أو إرشاده إلى محامٍ، لكن السفارة ليست جهة قضائية لا تستطيع أن تلغي قراراً قضائياً أردنياً أو تمنح صاحبها حصانة من القانون الأردني. اللافت أن هذا ليس موقفاً أردنياً استثنائياً؛ فأمريكا نفسها تحذر مواطنيها مزدوجي الجنسية من أن الدولة الأخرى التي يحملون جنسيتها قد تعتبرهم مواطنين لها، وأن قدرة الولايات المتحدة على تقديم الحماية القنصلية لهم في تلك الدولة قد تكون محدودة.

وهنا يجب أن نكون واضحين: هذه المقالة لا تدافع عن توقيف أحد خارج القانون، ولا تعطي الدولة حقاً مفتوحاً في ملاحقة مواطنيها دون ضمانات. فالعدالة تقتضي أن تكون التهمة محددة، والإجراء قانونياً، وللمتهم كامل حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة، لكنها في الوقت نفسه ترفض فكرة أن يتحول الجواز الأجنبي إلى درع دبلوماسي في وجه الوطن، فلا يمكن أن يكون الإنسان أردنياً عندما يريد حقوق الأردني، وأمريكياً عندما يريد الإفلات من مسؤولية قضائية، لذلك، إذا كان مواطن أردني يحمل جنسية أمريكية، ودخل الأردن بجوازه الأمريكي، ثم تبين أنه مطلوب للقضاء الأردني، فالسؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس هل تحميه السفارة؟ وإنما: هل الإجراءات الأردنية بحقه قانونية أم لا؟ إن كانت قانونية، فلا جواز أجنبي يوقفها، وإن كانت غير قانونية، فله أن يواجهها عبر القضاء ووسائل الطعن التي يكفلها القانون، أما السفارة الأجنبية، فدورها قنصلي، لا قضائي.

بإختصار، فمن حقك تحمل جوازين، لكن ليس من حقك أن تختار، عند كل أزمة، أي قانون تريد أن تكون مواطناً في ظله، فالوطن ليس مطاراً نبدّل عند بوابته هويتنا القانونية حسب الظروف، والقانون ليس قائمة طعام نختار منها ما يناسبنا، إحمل جنسية ثانية إن شئت، لكن لا تتوهم أن الثانية تستطيع أن تمنحك حصانة من وطنك الأول.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم