خضر تكتب: حين يصبح الفساد حقا والكفاءة جريمة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 19905
خضر تكتب: حين يصبح الفساد حقا والكفاءة جريمة
أمل خضر

أمل خضر

أخطر ما يفعله الظلم بالإنسان أنه لا يكتفي بسلب حقه بل يحاول إقناعه بأن حقه لم يكن حقًا أصلًا. يُقصى ثم يُطلب منه أن يفهم الظروف يُهمَّش ثم يُقال له إن الأمر مجرد إدارة يُحارب في تميزه ثم يُتهم بأنه لا يجيد التكيف. وفي لحظة عبثية يصبح السؤال ليس لماذا ظُلِم؟ بل لماذا لم يتعلم كيف يعيش مع الظلم؟

هنا تبدأ الكارثة الحقيقية.
حين تدخل الواسطة والمحسوبية إلى المؤسسة لا تفسدان قرارًا واحدًا فقط إنهما تعبثان بمعيار القيمة نفسه. يصبح القرب من صاحب القرار رصيدًا والصمت فضيلة والولاء الشخصي مؤهلًا بينما تتحول النزاهة إلى سذاجة والاستقلالية إلى تمرد، والكفاءة إلى مصدر قلق وعندما يحدث ذلك،لا يعود الفساد مخالفة للقانون فقط بل يصبح ثقافة تعيد ترتيب المجتمع من الداخل.

والأكثر خطورة أن من يمسك بالكرسي قد يتحول إذا غابت المحاسبة من مسؤول إلى خصم ومن خصم إلى قاض، ومن قاضٍ إلى جلاد يضع القاعدة ثم يفسرها يصدر القرار ثم يبرر صوابه، ويستخدم السلطة التي مُنحت له لحماية المؤسسة أحيانًا لحماية موقعه ومصالح من حوله.

وهنا تتشكل أخطر ظاهرة تحالف المصالح.

قد لا يجمع المنتفعين فكر واحد ولا أخلاق واحدة لكن يجمعهم خوف واحد أن يظهر من يقول لا عندها تتقارب الأيدي التي لا يجمعها إلا المنفعة يتبادل أصحابها الحماية،وتُصنع الروايات ويُحاصر المختلف ويُقدَّم صاحب الحق باعتباره مصدر المشكلة بدل أن يُبحث عن مصدر الظلم.

إنها ليست قوة حقيقية إنها جماعة مصالح تخاف من فرد يملك ما لا تملكه القدرة على كشف الحقيقة.

ولهذا قد يتكالب الفاسدين على افتراس أسد لا لأنه فقد قوته بل لأنهم يعرفون أن بقاءه واقفًا يفضح هشاشتهم جميعًا.

لكن القضية أعمق من ظلم موظف حين يصبح النفوذ أقوى من القاعدة،تفقد السلطة معناها المؤسسي وتتحول من أداة لخدمة الصالح العام إلى أداة لإدارة الولاءات وعندما تتراجع المساءلة تصبح القرارات عرضة لأن تُبنى على من يملك التأثير لا على ما يخدم الدولة.

لا يوجد فساد بلا فاتورة فكل كفاءة تُهمَّش هي إنتاج ضائع وكل منصب يُمنح بغير جدارة هو قرار أقل كفاءةوكل مشروع أو مورد أو فرصة تُدار بمنطق المحسوبية هي تكلفة يدفعها الاقتصاد، ولو لم تظهر في رقم واضح داخل الموازنة والاقتصاد لا ينمو فقط برأس المال ينمو أيضًا بالثقة والجدارة وحسن إدارة الموارد البشرية. حين يرى الناس أن الطريق لا يُفتح بالاستحقاق بل بالعلاقات تتغير سلوكياتهم. يقل الإيمان بالعمل ويزداد البحث عن الواسطة ويصبح النجاح الشخصي أحيانًا أهم من الاستحقاق العام. وهكذا يعيد المجتمع إنتاج المشكلة التي كان يشتكي منها.

حيث تكمن الخسارة الأشد في تبدل المفاهيم: يصبح الذكي هو من يعرف «من يعرف»، والقوي هو من يملك ظهرًا، والناجح هو من وصل، لا من استحق الوصول. وحين تتغير هذه المعايير، لا يعود الفساد مجرد سلوك؛ يصبح تعليمًا اجتماعيًا غير معلن للأجيال القادمة.

وهنا يموت شيء أكبر من الوظيفة: تموت فكرة الجدارة
يموت الحافز لدى المجتهد ويصمت الصريح وينسحب الموهوب ويتعلم النزيه أن حماية نفسه قد تتطلب ألا يرى كثيرًا وألا يقول كثيرًا. ثم نتساءل بعد ذلك لماذا تهاجر الكفاءات؟ لماذا تنخفض الإنتاجية؟ لماذا يضعف الانتماء؟ ولماذا لا يشعر الإنسان أن المؤسسة التي خدمها تمثله؟

لأن الانتماء لا يُفرض بالخطابات الانتماء يُبنى بالعدل.

ومن الخطأ اختزال العدالة في معاقبة فاسد أو إنصاف موظف. العدالة الحقيقية هي أن يعرف الجميع أن القاعدة واحدة وأن المنصب مسؤولية لا حصانة وأن الثقة العامة ليست ملكًا شخصيًا لمن مُنحت له وأن القانون لا يتغير بحسب اسم الشخص الذي يقف أمامه.

إنصاف المظلوم ليس مجاملة ومحاسبة المتجاوز ليست انتقامًا وحماية الكفاءة ليست ترفًا إداريًا إنها استثمار في الدولة نفسها.
فالكرسي مؤقت،والسلطة عابرة وشبكات المصالح التي تبدو اليوم منيعة قد تتفكك غدًا عندما تتغير موازين القوة. أما المؤسسة فتبقى والوطن يبقى والنتائج تبقى في ذاكرة الناس.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس من ربح معركة الكرسي اليوم؟
بل كم خسر الوطن لأن كفؤًا عوقب على كفاءته ونزيهًا دُفع ثمن نزاهته وصاحب حق أُجبر على الصمت بينما ارتفع أصحاب النفوذ فوق معيار الاستحقاق؟
فالوطن الذي يعرف قيمة نفسه لا يستهلك أبناءه الشرفاء ثم يبحث عن الكفاءات بعد فوات الأوان.
الوطن القوي لا يحمي الكرسي من الإنسان؛
يحمي الإنسان والمؤسسة من سوء استخدام الكرسي.
ولا يجعل الواسطة أقصر طريق إلى النجاح،ولا النزاهة أطول طريق إليه.
وفي النهاية يستطيع الظلم أن يؤخر الحق لكنه لا يغير حقيقته. وتستطيع الكراسي أن تحجب الكفاءة لكنها لا تلغيهاويستطيع الفساد أن يصنع حول نفسه جدارًا من المصالح لكنه لا يستطيع أن يمنح الباطل شرعية أخلاقية.
فأخطر لحظة على أي وطن ليست حين يظهر الفاسد بل حين يصبح الشريف مضطرًا إلى تقليده كي ينجو.
وعندها لا يكون الفساد قد سرق المال أو المنصب فقط
بل يكون قد بدأ بسرقة معنى الوطن من نفوس أبنائه.
ولهذا إلى كل من يظن أن الكرسي يحميه
تذكّر أن السلطة تمنحك قدرة على اتخاذ القرار لكنها لا تمنحك حق امتلاك الحقيقة. وأن الكرسي الذي تستخدمه اليوم لإسكات المظلوم، قد يصبح غدًا أول شاهد على ظلمك.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم