مركز الثقل يتجه شرقاً: قمة «منظمة شنغهاي» تعيد رسم خريطة التوازنات الدولية

منذ 47 دقيقة
المشاهدات : 7502
مركز الثقل يتجه شرقاً: قمة «منظمة شنغهاي» تعيد رسم خريطة التوازنات الدولية
أ.د. حسن عبدالله الدعجه

أ.د. حسن عبدالله الدعجه

أستاذ الدراسات الاستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال


لم تكن اللقاءات التي شهدتها العاصمة القرغيزية بيشكيك، أمس الاثنين، مجرد تمهيد بروتوكولي لقمة منظمة شنغهاي للتعاون، بقدر ما شكلت عرضاً سياسياً مكثفاً لحجم التحول الجاري في بنية النظام الدولي. فقد اجتمع قادة الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان ودول آسيا الوسطى، إلى جانب عدد من قادة الدول الشريكة، تحت شعار «25 عاماً من منظمة شنغهاي: معاً نحو السلام والتنمية والازدهار المستدام»، في وقت تتصاعد فيه النزاعات العسكرية والحروب التجارية والعقوبات الاقتصادية.
وتسبق لقاءات أمس الاجتماع الرسمي لمجلس رؤساء الدول المقرر انعقاده اليوم، الأول من سبتمبر، والذي ينتظر أن يعتمد «إعلان بيشكيك» بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيس المنظمة. غير أن الدلالة الأهم ظهرت بالفعل في الاجتماعات الثنائية، خصوصاً بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، وفي حضور رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ما جعل بيشكيك منصة للحوار بين قوى تمثل ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً يصعب تجاهله.
لم تعد منظمة شنغهاي، التي تأسست عام 2001، إطاراً إقليمياً محدوداً لمواجهة «التهديدات الثلاثة»: الإرهاب والانفصال والتطرف. فبعد انضمام الهند وباكستان، ثم إيران وبيلاروسيا، أصبح عدد أعضائها الكاملين عشر دول، تمتد من شرق آسيا إلى أوروبا الشرقية، وتغطي مساحة تتجاوز 36 مليون كيلومتر مربع، أي نحو ربع مساحة اليابسة وأكثر من 65% من القارة الأوراسية.
ويعيش داخل دول المنظمة أكثر من 3.4 مليار نسمة، بما يعادل نحو 42% من سكان العالم. ولا تمثل هذه الكتلة رقماً ديمغرافياً فحسب، بل أكبر سوق بشرية وقوة عمل محتملة، تضم الاقتصاد الصيني، أحد أكبر اقتصادين في العالم، والهند التي تعد من أسرع الاقتصادات الكبرى نمواً، إضافة إلى روسيا وإيران بما تمتلكانه من موارد طاقة هائلة.
اقتصادياً، يقترب الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لدول المنظمة مجتمعة من 27 تريليون دولار، أي نحو ربع الاقتصاد العالمي، بينما ترتفع حصتها إلى أكثر من ثلث الناتج العالمي عند احتساب تعادل القوة الشرائية. كما تساهم دولها بما يراوح بين 15% و20% من التجارة الدولية، وتمتلك قرابة خُمس الاحتياطيات النفطية العالمية ونحو نصف احتياطيات الغاز الطبيعي، ما يمنحها وزناً حاسماً في أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والأسواق الدولية.
لكن الأهمية الحقيقية للقمة لا تكمن في تجميع هذه الأرقام، وإنما في محاولة تحويلها إلى قوة مؤسسية. فالنقاشات تتجه نحو توسيع استخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية، وتطوير آليات تمويل مستقلة للمشروعات المشتركة، ومواصلة التشاور بشأن إنشاء بنك وصندوق للتنمية تابعين للمنظمة. ولا يعني ذلك أن الدولار سيفقد موقعه سريعاً، لكنه يكشف عن مسار تدريجي لتقليل تعرض اقتصادات الدول الأعضاء للعقوبات والضغوط المالية الغربية.
وفي مجال النقل، تسعى المنظمة إلى ربط مبادرة «الحزام والطريق» الصينية بممر «شمال–جنوب» الذي يصل روسيا بآسيا الوسطى وإيران والمحيط الهندي. وإذا نجحت هذه المشروعات في تجاوز مشكلات التمويل والعقوبات والحدود، فإنها ستعيد تشكيل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا، وتمنح الدول الحبيسة في آسيا الوسطى منافذ جديدة إلى الأسواق والموانئ الدولية.
أما أمنياً، فتضم المنظمة أربع قوى نووية هي الصين وروسيا والهند وباكستان، إلى جانب إيران التي تحتل موقعاً مركزياً في معادلات الطاقة والأمن والملاحة. ولذلك حضرت في أجواء القمة ملفات الحرب في أوكرانيا، والتصعيد الأميركي–الإيراني، وأمن مضيق هرمز، وأفغانستان، ومكافحة الإرهاب. ودعا مودي، خلال لقائه بوتين، إلى إنهاء الحرب الأوكرانية، بينما أكدت بكين وموسكو ضرورة الدفع نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب وإصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية. رويترز
ومع ذلك، سيكون من المبالغة النظر إلى منظمة شنغهاي باعتبارها «ناتو شرقياً» أو تحالفاً متجانساً في مواجهة الغرب. فبين الصين والهند تنافس حدودي واقتصادي، وبين الهند وباكستان خلافات تاريخية عميقة، كما تختلف مواقف الأعضاء من الحرب الأوكرانية والعلاقات مع الولايات المتحدة. وتبقى آلية اتخاذ القرار بالتوافق عاملاً يحد أحياناً من سرعة انتقال المنظمة من البيانات السياسية إلى التنفيذ العملي.
ومع هذا، ترسل قمة بيشكيك رسالة واضحة: مركز الثقل الدولي يتحرك تدريجياً نحو الشرق، ليس بسبب تراجع الغرب وحده، بل نتيجة صعود دول تمتلك السكان والموارد والأسواق والإرادة السياسية لتوسيع هامش استقلالها. ولن تقلب منظمة شنغهاي النظام العالمي دفعة واحدة، لكنها تتحول بثبات إلى إحدى المنصات التي ستُصاغ داخلها قواعد التوازن الدولي الجديد.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم