فيصل تايه يكتب: هيكلة وزارة التربية .. من إعادة التنظيم إلى بناء وزارة جديدة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 9827
فيصل تايه يكتب: هيكلة وزارة التربية  ..  من إعادة التنظيم إلى بناء وزارة جديدة
فيصل تايه

فيصل تايه

التحولات المؤسسية الكبرى التي تشهدها وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، والتي تتجسد في هيكلها التنظيمي الجديد، لا تكمن قيمتها في عدد الإدارات والمديريات التي تضمها، ولا في المسميات التي تتغير، وإنما فيما ستحدثه في طريقة عمل الوزارة، ووضوح المسؤوليات، وسرعة اتخاذ القرار، وطبيعة العلاقة بين المركز والميدان. ولهذا أرى أن الهيكلة الجديدة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها فرصة لإعادة النظر في طريقة عمل الوزارة نفسها، لا مجرد إعادة رسم لخريطتها التنظيمية.

فقد يتغير الهيكل، وتُعاد صياغة الاختصاصات، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تتغير طريقة العمل بالقدر نفسه. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل ستعيد الهيكلة ترتيب العمل فعلاً، أم ستكتفي بإعادة ترتيب المواقع؟

وعندما نتحدث عن عشر إدارات مركزية وعشرين مديرية للتربية والتعليم، ضمن ثلاثة مسارات قيادية تخصصية يقودها ثلاثة أمناء عامين، فنحن أمام تغيير يتجاوز شكل الهيكل؛ إذ يعيد ترتيب العلاقة بين المركز والميدان، وبين الاختصاص والقيادة، وبين من يضع السياسة ومن يتولى تنفيذها. ولذلك فإن وضوح هذه العلاقة سيكون أهم من شكل الهيكل نفسه؛ فهو الذي سيحدد ما إذا كانت الهيكلة ستخفف التداخل وتسرّع القرار، أم ستعيد إنتاج التعقيد بصورة مختلفة.

ومن هنا يأتي السؤال الأهم: كيف سيعمل هذا الهيكل بعد دخوله حيز التنفيذ؟ كيف ستصل أولويات الوزارة إلى المديريات والمدارس، وكيف ستعود صورة الميدان، بما فيها من نجاحات ومشكلات وفجوات، إلى مركز القرار؟ المطلوب اتصال حقيقي في الاتجاهين؛ مركز يضع السياسة ويوفر الدعم، وميدان ينقل الواقع ويساعد على تصحيح المسار.

ولهذا أرى أن اختيار القيادات سيكون أول اختبار حقيقي للهيكلة الجديدة. فالمديرية التي أصبحت أمام نطاق أوسع من المسؤوليات، وتتقاطع فيها مسارات تخصصية متعددة، تحتاج إلى قيادة ترى الصورة كاملة، وتجمع هذه المسارات في عمل واحد يخدم الميدان والمدرسة. التخصص مهم، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى تعدد في مراكز القرار. مدير التربية يحتاج إلى مرجعية واضحة، وصلاحيات محددة، وقدرة حقيقية على تحمل مسؤولية ما يقرر.

ومن هذه الزاوية، فإن المدة التي أتاحها النظام لاستكمال التشكيلات ليست مجرد وقت لملء الشواغر، بل فرصة أمام الوزير لقراءة احتياجات المرحلة واختيار القيادات المركزية والميدانية وفق الكفاءة والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية. وهنا يجب أن تكون معايير الاختيار واضحة، وألا تصبح الأقدمية والتدرج الوظيفي وحدهما طريقًا إلى المواقع القيادية.

فالهيكلة الجديدة تحتاج إلى قيادات تستطيع تشغيلها، لا مجرد شغل المواقع التي أفرزتها. نحتاج إلى من يعرف الميدان، ويفهم التربية، ويجيد الإدارة، ويتخذ القرار في وقته، ويعمل مع فريق، ويتحمل نتيجة ما يقرره ، فالقيادة ليست مجرد شغل موقع؛ قيمتها في أن تجعل الموقع أكثر قدرة على العمل.

لكن اختيار القيادات وحده لا يكفي. فالعمل في هيكل جديد يحتاج إلى فهم مشترك للاختصاصات والصلاحيات وآليات التنسيق والمتابعة والمساءلة. ولذلك فإن تهيئة القيادات وتأهيلها للعمل في النموذج الجديد يمكن أن تكون خطوة أساسية، حتى لا تبدأ القيادات الجديدة عملها بأدوات المرحلة السابقة، بينما تغيرت أمامها الخريطة التنظيمية ومسارات العمل.

وتبقى الصلاحيات من أكثر الملفات حساسية. فلا يصح أن نحاسب قائداً على نتيجة لا يملك أدوات الوصول إليها، ولا أن يكون التفويض مجرد نقل للمسؤولية من مستوى إلى آخر. يجب أن يعرف كل مستوى إداري ما الذي يقرره، وما الذي يحتاج فيه إلى التنسيق، وما الذي يتطلب الرجوع إلى مستوى أعلى. وعندما تكون هذه الحدود واضحة، يصبح القرار أسرع، والمساءلة أكثر عدلًا، وتقييم الأداء مرتبطًا بالنتيجة لا بمجرد الإجراءات.

وهنا يمكن للهيكلة أن تغير شيئاً أعمق من الشكل الإداري: أن تنتقل الوزارة من ثقافة تنتظر التعليمات إلى ثقافة تتحرك ضمن الصلاحية، ومن التردد في اتخاذ القرار إلى تحمل مسؤوليته. وهذه نقلة لا تصنعها النصوص وحدها، بل بيئة تمنح القائد مساحة للحركة، ثم تحاسبه على ما أنجزه ضمن تلك المساحة.

أما الإدارات المركزية، فأمامها فرصة لإعادة تعريف دورها. فالمركز القوي ليس الذي يتدخل في كل التفاصيل، وإنما الذي يضع السياسة والمعايير، ويوفر البيانات والخبرة والدعم، ويقرأ الفجوات، ويعرف متى يتدخل ومتى يترك القرار للمستوى الأقرب إلى المشكلة، ثم يتابع النتيجة ويصحح المسار عند الحاجة.

وبالمقابل، لا ينبغي أن تبقى مديرية التربية مجرد حلقة تمر عبرها التعليمات إلى المدرسة. المديرية الجديدة يفترض أن تكون قيادة تربوية للميدان؛ تعرف مدارسها واحتياجاتها، وتملك مساحة لمعالجة ما يقع ضمن مسؤوليتها، وتعرف متى تحتاج إلى دعم الوزارة. وكلما كانت الصلاحيات وقنوات الاتصال أكثر وضوحًا، أصبحت المديرية أكثر قدرة على القيام بهذا الدور.

لكن كل ذلك سيبقى اختباراً إدارياً ما لم يصل أثره إلى المدرسة. هناك تحديداً ستظهر قيمة الهيكلة بعيداً عن الأوراق والمسميات. مدير المدرسة سيعرف إن أصبح القرار أقرب، والمعلم سيشعر إن أصبحت الإدارة أكثر دعمًا، والطالب هو الذي ينبغي أن يرى في النهاية أثر التغيير في جودة تعليمه وفرصه ومستقبله.

ولهذا فإن الحكم على الهيكلة لا يبدأ من عدد الإدارات والمديريات، بل من أثرها في سلوك الوزارة: هل أصبح القرار أوضح؟ هل أصبحت الاستجابة أسرع؟ هل أصبح القائد قادراً على المبادرة؟ هل أصبح المركز أكثر تركيزاً على السياسة والنتائج؟ وهل شعرت المدرسة أن شيئاً تغير فعلاً؟

إذا كانت الإجابة نعم، فنحن لا نكون قد أعدنا تنظيم الوزارة فقط، بل بدأنا بالفعل في بناء وزارة جديدة. أما إذا تغيرت الأسماء وبقيت الممارسات كما هي، فنكون قد أعدنا رسم الخريطة دون أن نغير الطريق.

ومن هنا أرى أن الفرصة التي تتيحها الهيكلة الحالية أكبر من مجرد توزيع جديد للمسؤوليات. إنها فرصة لإعادة بناء ثقافة العمل نفسها؛ ثقافة يكون فيها الاختيار قائماً على الكفاءة، والصلاحية متناسبة مع المسؤولية، والمعلومة أساساً للقرار، والميدان شريكاً في فهم المشكلة وصناعة الحل، والنتيجة معياراً للحكم على الأداء، والمدرسة المقياس الأول لأي إصلاح.

وسأعود في مقال لاحق إلى قراءة وحدات الوزارة وإداراتها من الداخل، وما يمكن أن تؤديه في ظل الهيكل الجديد، وكيف يمكن أن تتكامل أدوارها مع الأمناء العامين والمديريات والميدان؛ لأن نجاح الهيكلة لا يكتمل برسم الخريطة التنظيمية، وإنما بما يجري داخلها من عمل واضح وتكامل حقيقي.

فالهيكل يرسم المسار، والقيادة تحركه، والصلاحية تمنحه القدرة، والمساءلة تضبط اتجاهه، والميدان يكشف حقيقته. وعندما تتكامل هذه العناصر، تصبح الهيكلة أكثر من تغيير إداري؛ تصبح بداية فعلية لبناء وزارة جديدة.
والله الموفق
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم