الطورة يكتب: لا تدخل واديهم المقدس .. الناجون قلة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11195
الطورة يكتب: لا تدخل واديهم المقدس ..  الناجون قلة
يوسف الطورة

يوسف الطورة

في صراع بحث الحقيقة، وفي انشغال الفلاسفة بخصام الوجود أيهما أول وأيهما ثان، لا يجوز لعلم الكلام أن يتحدث عن العدل، قبل ان يتحدث أولاً وأخيراً عن ظلم الوجود.

في عبث الوجود أربعة آلاف دين وعشرة آلاف مذهب، كل ملة تدعي أنها على صواب وما دونها محرف، وكل فرقة تدعي أنها وحدها الناجية، وكل مذهب يرى نفسه الوارث الشرعي لدين الله.

في هذا التيه تختلط الحقيقة كإبرة في كومة قش، أو كقشة في كومة إبر، والثابت أن الحقيقة التي لم تمنح كوخ الفقير باباً كيف لها أن تعطي جوعه خبزا؟.

تبدأ مشاكل الوجود حين تبدأ الأشياء تملّ أسماءها. يبدو أننا أخطأنا تقدير الكلمة، وأن الحروف أفرطت في شرب الحبر، وأخطأت ظلها على الورق.

تستحضرني مقولة الأديب والكاتب محمد الماغوط: "حين انجب طفلاً سأسميه آدم، لأن الأسامي في زماننا تهمة، وحين أسميه أعلن انتمائي".

لن أسميه محمداً، ولا عيسى، ولا علياً ولا عمر، ولا صداماً ولا حسيناً، ولا حتى زكريا أو ابراهيم، ولا حتى ديفيد أو جورج، أخاف أن يكبر عنصرياً وأن يكون له من اسمه نصيب.

فقد يكون عند الأجانب إرهابياً، وعند المتطرفين بغياً، وعند الشيعة سنياً، وعند السنة علوياً أو شيعياً، أخاف أن يصبح اسمه جواز سفره.

أريده آدم يحمل هوية كل الطوائف والديانات مسلم مسيحي لا يهم، وأن يعرف أن الدين لله، وأن الوطن للجميع، ساعلمه أن الدين ما وقر في القلب وصدقه وعمله، وليس اسمه.

سأعلمه أن العروبة والعروبيين حين تتحول إلى شعارات، "وهم"، وأن بعض التدين حين يتحول إلى سلطة على الناس وهم أيضا، وأن الإنسانية هي الأهم..

سأعلمه أن الجوع كافر، والجهل كافر، والظلم كافر، وأن الله في القلوب قبل المساجد والكنائس، وأن الله محبة قبل أن يكون مخافة.

سأعلمه ما نسي أهلنا أن يعلمونا، سأعلمه أن ما ينقصنا هو ما عندنا، وأن ما عندنا هو الذي ينقصنا، وأن الخلل والجهل باقي في مجتمعنا الشرقي.

ربما فات الماغوط أن يسأل: أي وطن سيهدي لهذا الاسم؟،
وطن يضيق بأحلام البؤساء كما ضاق بنا؟، وطن كلما حاول أن يحتضن ابنه طعنه بورقة رسمية وختم بارد؟.

الوطن ليس نشيداً نحفظه، الوطن هو الطرقات التي عرفناها ونحن أطفال ثم هربنا منها حين كبرنا، هو البيوت التي رحلنا عنها لكن ظلت تسكننا رغم كل شيء.

قد يكون الاسم تهمة تمنعك من العبور، قد يحاسبونك على اسمك، وعلى انتمائك السياسي، وعلى ملامحك على طائفة لم تختارها، وعلى جواز السفر الذي لم تختره أيضاً،

لكن لا تدعهم يصادرون وطنك منك، فالأوطان ليس ورقة وليس جواز سفر، الوطن هو أنت حين ترفض أن تصبح بلا ملامح. هو أن تبقى إنساناً حتى عندما يحاولون اختصارك في خانة.

في عبث الوجود إن كان ثمن العبور إلى واديهم المقدس خلع روحك على بواباتهم، وارتداء روح لا تشبهك فلا تدخل فالناجون قلة، وأحيانا تكون النجاة في ألا تشبه أحداً.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم