د.عاصم منصور يكتب: قامات مؤجلة

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 6901
د.عاصم منصور يكتب: قامات مؤجلة
د.عاصم منصور

د.عاصم منصور

«إللي يموت يطولوا رجليه» سمعتُ هذا المثل الشعبي، الذي لا يخلو من السخرية لأول مرة على لسان أحد الأصدقاء قبل سنوات، وفاجأتني بلاغته وملامسته للواقع رغم بساطته.


ولا أدري لماذا اختار هذا المثل صفةَ الطول ليُضفيها ميزة للميت، وقد يعود ذلك إلى أن الطول في بيئتنا لا يُعد من الصفات الشائعة، فأصبح رمزا لصفة محمودة تضاف إلى الميت. ولربما لو كان هذا المثل قد نشأ في بيئة لا تشكو قصر القامة لكانوا اختاروا صفةً «حميدة» أخرى يضفونها على الميت.
تحضر مجلس عزاء أحدهم، أو تتابع نعيه على وسائل التواصل الاجتماعي، فتكتشف أنه كان أكرم أهل زمانه، وأصدقهم، وأنبلهم، وأن الدنيا قد خلت بعده من أمثاله. وتتساءل أين كان هذا المديح كله بالأمس؟ يوم مد يدا فلم تشد، وطلب اعترافا صغيرا فلم يجده؟ وما سبب هذا التحول بالمشاعر نحوه بمجرد موته؟. لا أظن أن المثل الشعبي يحتفي بهذا التحول، بل يفضح ممارستنا لاقتصاد غريب في المشاعر، نبخل فيه بالمديح على الحي الذي يحتاجه، ونغدقه على الميت الذي لا ينتفع به.
فالمديح المؤجل مديح رخيص، لأن المستفيد الوحيد منه هو المادح نفسه؛ يشتري به راحة ضمير متأخرة، ويسدد دينا بعد أن أضحى صاحبه لا يطالبه بالوفاء به، فالفضيلة حين تصير عادة بلا كلفة، تفقد معناها، فمن السهل أن ننصف من لم يعد قادرا على منافستنا ولا مزاحمتنا على أي من شؤون دنيانا.
فالحي ينافسنا على الدنيا ومكتسباتها، وقد يملك ما يجلب غيرتنا وربما حسدنا، ولديه غد في علم الغيب قد يخذلنا ويخيب ظننا فيه، أما الميت فقد اكتمل وسكن، ولم يعد لديه ما يستحق الحسرة أو الحسد، ولم يعد يخيب، ولم يعد يفاجئ، فصار نصا مغلقا نقرؤه كما نشاء، ومرآة لا ترد إلينا إلا ما نحب. فنحن لا نعلي من شأن الموتى لأنهم كانوا أرفع مقاما، بل لأنهم كفوا عن إزعاجنا بواقعهم، فأصعب المديح ما نقوله في وجه حيٍّ لا يزال قادرا على أن يتبدل ويخيّب أملنا؛ أما الرثاء فأمان تام كما تلعب الذاكرة هنا دور نحات بارع، يصقل الزوايا حتى يخرج لنا تمثالا بصورة أجمل من الأصل.
والطريف أن لهذا المثل الشعبي سندا من علم الأبدان لا من المجاز وحده، فالجسد يكتسب نحو سنتيمترين بعد الموت، حين تسترخي العضلات فتنبسط انحناءات العمود الفقري، وتتحرر الأقراص من ثقل الجاذبية فتمتلئ ماء وهي الزيادة نفسها التي نكسبها في صباح كل يوم بعد ليلة نقضيها مستلقين. لكن في هذه الحقيقة مفارقة قاسية، فالطول الذي يناله الميت يبقى طولا تشريحيا زائلا، سرعان ما يبتلعه الجفاف والانكماش؛ تماما كما هو الطول الذي نلبسه إياه بألسنتنا طلبا لراحة الضمير.
إذا كنا نملك هذا الكرم كله، فلماذا نخبئه لبعد فوات الأوان؟ ولماذا لا نقول للناس في حياتهم ما سنقوله على قبورهم؟!
وسوم:
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم