د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: من كوريا إلى أميركا .. درس القيادة الذي يغيب عن التعليم الأردني

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 9534
د.عبدالله سرور الزعبي يكتب: من كوريا إلى أميركا ..  درس القيادة الذي يغيب عن التعليم الأردني
د.عبدالله سرور الزعبي

د.عبدالله سرور الزعبي

كانت اليابان بعد الحرب العالمية الثانية أرضاً محروقة اقتصادياً، وكوريا الجنوبية من أفقر دول العالم، وسنغافورة جزيرة صغيرة بلا موارد، وتايوان محدودة الإمكانات، والصين خارجة أواخر السبعينيات من عقود اضطراب. خمس تجارب بدأت من الصفر تقريباً، لكنها لم تُترك للصدفة؛ فلم تتعامل هذه الدول مع التعليم كملف إداري يتغير مع كل وزير، بل كمشروع لبناء الدولة نفسها. خلال عقود قليلة، أصبحت من الأكثر تقدماً في التعليم والتكنولوجيا: اليابان ركّزت على جودة المعلم والانضباط، وكوريا ربطت التعليم بالصناعة الناشئة عبر قيادات ذات رؤية، وسنغافورة جعلت اختيار المعلمين وتأهيلهم أولوية ولم تُعمّم القرارات قبل اختبارها، وتايوان ربطت التعليم التقني مبكراً بصناعة أشباه الموصلات وطبّقت خططها بصرامة، أما الصين فتعاملت مع التعليم والعلم كأدوات نهوض إستراتيجي منذ 1978، ووظفت لاحقاً الذكاء الاصطناعي في استشراف احتياجات سوق العمل. وحتى فنلندا، رغم اختلاف أسلوبها، قامت تجربتها على توافق سياسي حزبي، وتجريب محسوب قبل التعميم، فأصبحت رؤيتها أكبر من أن تتأثر بتغيّر حكومة.


فما الذي صنع الفارق؟ لم تكن معجزة، بل قرار وطني واضح، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وقيادات تعليمية تمتلك رؤية طويلة المدى وشجاعة الصمود خلف قراراتها. فهمت هذه الدول أن الإصلاح لا يبدأ بتغيير المناهج أو أسماء المسارات، بل بسؤال أعمق: أي إنسان نريد أن نُخرج إلى المستقبل؟ ثم بنت سياساتها على الإجابة لا العكس.
وبعد سلسلة مقالات تناولت مسيرة التعليم الأردني وأزمة الحقول وفلسفة التعليم الغائبة، نصل إلى السؤال الأهم: من يقود الإصلاح أصلاً؟
فالأردن لا يعاني نقصاً في التشخيص أو الخطط؛ الأرقام موجودة: تراجع 11 مرتبة في اختبار PISA بين 2018 و2022، وثاني أعلى تراجع بعد ألبانيا، فيما تجاوزت نسبة "فقر التعلّم" بين طلبة الرابع 57 %، ولم يبلغ المستوى الأساسي في الرياضيات سوى 17 % من الطلبة. هذه ليست أرقاماً عابرة، بل مؤشر إلى نظام قد ينجح فيه الطالب على الورق بينما يخرج دون مهارات أساسية. والجذر فلسفي قبل أن يكون فنياً: تعليم يقوم على التلقين أكثر من بناء التفكير، وطالب يدرس لاجتياز الامتحان لا للفهم. وهي نتائج تراكمية لسنوات من القرارات؛ لذا فالسؤال ليس فقط ماذا نصلح في المناهج والحقول والامتحان، بل من يقود القطاع وكيف تُتخذ قراراته؟
ما جرى مؤخراً في ملف توزيع الطلبة على الحقول، ثم التراجع عنه خلال جلسة واحدة، يكشف أزمة أعمق في صناعة القرار؛ فحتى لو كان التراجع استجابة مسؤولة، يبقى السؤال: كيف أُعلن قرار بهذا الحجم قبل اكتمال تفاصيله؟ القرار الجيد يولد ومعه إجابات الأسئلة المتوقعة، لا أن يُترك للاختبار بعد إعلانه. وهذا التخبط ينعكس على الثقة بالشهادة الأردنية، التي لا تُبنى بامتحان صعب فقط بل باستقرار المعايير ووضوحها؛ وكثرة التعديلات قد تضعف قدرتها على أن تكون عملة تعليمية موحدة تثق بها الجامعات الخارجية دون شروط إضافية. وفي المقابل، تتزايد على وسائل التواصل إعلانات جامعات ومدارس إقليمية غير معروفة تستهدف الأسر الأردنية، وأصبحت رسوم بعض برامج الطب وطب الأسنان في جامعات إقليمية أقل من رسوم مدارس خاصة محلية متوسطة التصنيف، وكأنها تدعوها للهروب من عدم اليقين المحلي، وكل أسرة تضطر لهذا الخيار تعني أموالاً طائلة تغادر الاقتصاد الوطني دون قاعدة بيانات دقيقة تقيس حجم هذا النزيف البشري والمالي. ولسنا أمام سابقة جديدة؛ فقد اختبر الأردن جدلاً مشابهاً حول شهادات مدارس إقليمية قبل اكتشاف شهادات مزورة، وهذا يذكّرنا بأن عدم استقرار النظام المحلي قد يتحول إلى سوق تستثمر فيها جهات خارجية غموضنا الداخلي.
ولم يكن التعليم يوماً خارج الرؤية الملكية، وصولاً إلى الخطة الإستراتيجية للتعليم 2026-2030، لكن هذا الطموح يقودنا إلى السؤال الأصعب: من يقود السياسة التعليمية فعلاً؟ وهل يمتلك من يتولى القرار السجل الأكاديمي والخبرة والجرأة التي تؤهله لاتخاذه والدفاع عنه أمام المجتمع؟ هنا تظهر مشكلة بنيوية أعمق: شبكات مصالح قد تجعل الولاء لمواقع التأثير في صنع القرار أقوى من الكفاءة، وحين يُهمَّش الكفؤ ويُصعَّد غير المؤهل، تخسر المؤسسة أهم عناصر قوتها. كما أن تداول معلومات عبر وسائل التواصل بشأن مؤهلات وترقيات شاغلي بعض المواقع القيادية العليا، دون توضيحات حاسمة، يترك أثراً سلبياً على الثقة، والمؤسسة التي لا تكافئ الكفاءة قد تنتج قيادات تجيد تنفيذ التعليمات لكنها تعجز عن الاعتراض حين يصبح ذلك واجباً وطنياً.
والسؤال الأكثر إلحاحاً من أي تعديل في الحقول أو المسارات أو المناهج: ماذا عن الذين ظلوا، على امتداد عقدين تقريباً، يدورون في المواقع القيادية نفسها التي شاركوا في رسم سياساتها، بينما تتراجع المؤشرات؟ المشكلة ليست في تغيّر المواقع، بل في استمرار الأشخاص والأفكار ذاتها ثم توقع نتائج مختلفة؛ لا يمكن إعادة إنتاج الماضي بتغيير امتحان الثانوية أو أسماء الحقول، بل نحتاج إلى مراجعة شجاعة: ماذا نجح؟ ماذا فشل؟ من يتحمل المسؤولية؟ ومن يمتلك الاستقلالية لقيادة المرحلة المقبلة؟ فإذا كانت المؤشرات تقول إن مخرجات التعليم لا تتحسن، فهل الصورة فعلاً واضحة لنا إلى أين نحن ذاهبون، أم أننا نواصل السير بخطط جديدة على الطريق نفسه، ثم ننتظر نتيجة مختلفة؟
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن بعض القيادات الأكاديمية التقطت الإشارات الملكية مبكراً وحاولت الإصلاح ورفضت ضغوط أصحاب المصالح وبعض أصحاب القرار، لكن بعضها واجه بدل الحماية المؤسسية حملات تشويه وإقصاء، ما يعني أن المشكلة ليست غياب الكفاءات فقط، بل ضعف الحوكمة التي تحميها.
وتتصل بذلك حاكمية مجالس رسم السياسة التعليمية؛ فإذا تغيّر قرار ترخيص جامعات بتغيّر رئيس المجلس، ثم وُصف قرار قبولات كليات الطب عام 2022 بأنه كارثي من مسؤول كان الشخص الثاني في المجلس نفسه، فالسؤال المشروع: هل تعمل هذه المجالس بوصفها مجالس تداول ومساءلة، أم امتداداً لرأي رئيسها بينما يصمت الأعضاء؟ وأين كانت الرقابة وضمان الجودة عندما اتُّخذت تلك القرارات التي وضعت القطاع الطبي في أزمة معترف بها اليوم؟ فالرقابة يجب أن تكون خط الدفاع الأول، لا شاهداً صامتاً بعد وقوع المشكلة.
والتجارب العالمية تقدم الإجابة بوضوح: مصير الجامعات يُصنع إلى حد كبير على طاولة رئيسها ومجلس أمنائها، لا في أدراج خطتها الإستراتيجية. فكم من جامعة امتلكت خططاً مثالية على الورق، لكنها دخلت أزمات عميقة لأن القيادة لم تمتلك الرؤية أو اتخذت قرارات متسرعة أو أخفقت في مواجهة الخلل في وقته. ستانفورد مثال واضح؛ فقد لعب فريدريك تيرمان دوراً محورياً في تحويلها إلى قوة علمية بربط الجامعة بالصناعة، فتحولت الجامعة خلال عقدين إلى واحدة من أرقى الجامعات في العالم، وبما مهّد لولادة وادي السيليكون. وفي جامعة أريزونا الحكومية، قاد مايكل كرو منذ 2002 تحولاً كبيراً في الابتكار والحضور العالمي. وفي كوريا الجنوبية، جامعات مثل المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتكنولوجيا "KAIST" وجامعة بوهانغ للعلوم والتكنولوجيا (POSTECH)، أسسها تايجون بارك عام 1986 برؤية مستوحاة من معهد كاليفورنيا للتقنية، فتحولت جامعة حديثة النشأة إلى واحدة من أبرز جامعات آسيا. لم تصنع هذه الجامعات مكانتهما بحجمهما أو تاريخهما، بل بقرارات قيادية جعلت البحث العلمي والابتكار محوراً للمؤسسة.
وفي الاتجاه المعاكس، تقدم كوبر يونيون العريقة، المرتبطة لأكثر من قرن بالتعليم النخبوي، مثالاً على كيف تتحول أزمة مالية إلى أزمة ثقة وحوكمة؛ فالمشكلة لم تكن في غياب الخطط، بل في القرارات التي اتخذتها القيادة في مواجهة أزمة مسّ ثمنها هوية الجامعة نفسها. وكشفت تجربة جامعة ويلز مخاطر ضعف الحوكمة والرقابة، ما دفعها لوقف اعتماد برامج خارجية وإعادة تشكيل قيادتها. وأظهرت أزمة جامعة لندن متروبوليتان عام 2012 كيف يتحول الإخفاق الإداري والرقابي إلى أزمة دولية بعد اكتشاف مخالفات منهجية في إدارة ملفات الطلاب. أما جامعة ولاية بنسلفانيا، فكشفت أن أخطر أزمات القيادة هي تلك التي تضع حماية السمعة فوق الحقيقة، كما في قضية اعتداءات جيري ساندوسكي، حين أخفق مجلس الأمناء في المساءلة. فالمشكلة لم تكن في غياب التاريخ أو المكانة، بل في قدرة قيادة منظومة الحوكمة والرقابة على مواكبتها. وفي 2015، بدت سويت برايار كوليدج على طريق الإغلاق بسبب أزمة مالية، لكن تحرك المجتمع الأكاديمي غيّر القيادة وأنقذ المؤسسة، لتتحول إلى مثال على قدرة قيادة جديدة على إعادة البناء والابتكار، والسؤال هنا: هل كان الإغلاق حتمياً، أم أن المؤسسة كانت تحتاج قيادة مختلفة؟ وتقدم جامعة غوتنغن الألمانية درساً مؤلماً؛ فقد كانت مركزاً عالمياً للرياضيات والفيزياء، ارتبط بها علماء مثل هيلبرت ونويثر وأكثر من 40 حائزاً على نوبل، لكن قرارات معينة أدت لهجرة عدد من عقولها حتى قال هيلبرت إن رياضيات غوتنغن لم تعد موجودة؛ فلم تفقد الجامعة مبانيها، بل فقدت جزءاً من قيادتها وبيئتها العلمية.
وتبلغ المسألة ذروتها حين تنتقل الأزمة إلى النزاهة العلمية؛ فالجامعة قد تبني سمعتها خلال عقود، لكن فضيحة بحثية واحدة قد تهزها إذا فشلت قيادتها في التعامل بشفافية مع التزوير أو السرقة العلمية، أو تتساهل في التحقيق في هذه الممارسات. فالعالم الأكاديمي لا يحاسب الجامعة فقط على عدد أبحاثها وبراءات اختراعها وترتيبها الدولي، بل على سؤال أكثر جوهرية: هل يمكن الوثوق بما تنتجه؟ ولهذا بنت جامعات مثل هلسنكي أنظمة مؤسسية للإبلاغ والتحقيق في سوء السلوك البحثي بقنوات مستقلة، فالجامعة القوية لا تسأل كيف تخفي المشكلة، بل كيف تكتشفها مبكراً وتحاسب المسؤول. وخلصت دراسة أوروبية شملت فنلندا وفرنسا وهولندا والنرويج وإستونيا إلى أن القيادة الفاعلة في النزاهة البحثية تتطلب قادة قدوة، وبيئة يستطيع فيها الباحثون الإبلاغ دون خوف من الانتقام. فالجامعة لا تحميها مكانتها السابقة إذا فقد المجتمع الأكاديمي ثقته في نزاهة قراراتها أو استقلال مؤسساتها.
والدرس العالمي واحد: الأزمات التعليمية لم تبدأ بالضرورة من غياب الرؤية أو الخطة؛ فقد كانت لدى هذه المؤسسات أنظمة وخطط ومجالس، لكن الخلل ظهر حين اتخذت القيادة قراراً خاطئاً، أو غابت عن الرؤية والكفاءة في اتخاذ القرار أو تأخرت في الاعتراف بالمشكلة، أو فشلت في الرقابة، أو وضعت حماية السمعة فوق الحقيقة. والدرس الأهم: الخطة الإستراتيجية قد ترسم الطريق، لكنها لا تسير بالجامعة؛ الذي يسير بها هو القيادة التي تمتلك شجاعة القرار، والقدرة على تحول جامعة محدودة الموارد إلى مؤسسة عالمية خلال أقل من جيل واحد، وبناء الشراكات الدولية واستقلالية الحكم، والقدرة على الاعتراف بالخطأ، والأهم من ذلك كله: القدرة على وضع الحقيقة والنزاهة الأكاديمية فوق مصالح الأشخاص ومصالح أصحاب القرار.
ومن هنا يصبح السؤال الأردني أكثر إلحاحاً: ماذا فعلنا بالقيادات ومجالس الحاكمية التي أخفقت في أكثر من موقع، ثم ظل بعضها ينتقل من مكان إلى مكان، ومن مجلس إلى آخر؟ والمشكلة ليست في الأشخاص بأسمائهم، بل في معايير الاختيار والتقييم والمساءلة؛ فالقيادة لا تُقاس بعدد المناصب، بل بما تتركه خلفها، جامعة أقوى في جودة التعليم، والبحث، والاعتماد، والتخصصات المطلوبة، والشراكات الدولية، والابتكار، وكفاءة الإنفاق ومكانة الجامعة. والأخطر أن استمرار تدوير القيادات وتكرارها ذات النتائج المتواضعة يصنع بيئة مؤسسية لا تشجع على الإنجاز، وتتحول المؤسسة من البحث عن الأفضل إلى البحث عن الأكثر توافقاً مع المنظومة القائمة.
وفي 30 آب/أغسطس 2026، ظهرت أسماء التشكيلات الجديدة لمجالس أمناء الجامعات الرسمية. والمهم ليس الأسماء بعينها، بل المنهج الذي أنتج الاختيارات: هل خضعت الملفات لتدقيق أكاديمي وبحثي ومهني مستقل وموثق؟ وهل فُحص الإنتاج العلمي وسجل النزاهة والخبرة الإدارية وتجربة من سبق لهم شغل مواقع قيادية أو في الجسم الأكاديمي؟ أم أن عوامل أخرى كانت أكثر تأثيراً في الاختيار؟ وهل سيبقى الرأي العام الذي تتداوله مواقع التواصل الاجتماعي، لا يعرف على أي أساس جرى الاختيار؟ أم نطبق المثل "تحدثوا بما تشاؤون ونفعل ما نشاء"؟ وإذا كانت الدولة تدقق في ملف الطالب قبل منحه مقعداً جامعياً، أفلا يستحق من سيجلس في مجلس الأمناء تدقيقاً أكثر صرامة؟ فمجلس الأمناء ليس موقعاً بروتوكولياً، بل جزء أساسي من الحاكمية الجامعية، ومسؤوليته تتصل بالسياسة العامة والخطط الإستراتيجية ومتابعة الأداء. والسؤال عن مؤهلات أعضائه حق للمجتمع الذي تمثل له الجامعات الرسمية مالاً عاماً ومستقبلاً للأجيال.
إن كان الهدف إصلاح التعليم فعلاً، فأول خطوة هي إصلاح طريقة اختيار من يشرف على الإصلاح نفسه: معايير وطنية شفافة، وتدقيق مستقل للملفات والترقيات، ولجان تعيين مستقلة، وتقييم دوري مرتبط بالنتائج، وحماية المتميزين، وآليات تظلّم مستقلة، وتجريب القرارات الكبرى على نطاق محدود قبل تعميمها، ومجلس حكماء مستقل لمراجعة القرارات الإستراتيجية قبل إقرارها. وبالتوازي، نحتاج إصلاحاً فنياً حقيقياً: تشخيص فجوات القراءة والحساب، وبرامج تعويضية للطلبة الأضعف، ومناهج تركز على الفهم، وتدريبا حقيقيا للمعلمين، وتقليل الاكتظاظ، وربط التعليم المهني بسوق العمل، واستخدام الذكاء الاصطناعي لدعم المعلم لا لاستبداله، وربط الإنفاق بمؤشرات الأداء، ونشر نتائج الاختبارات الدولية والوطنية بشفافية، وإنشاء مؤشر وطني سنوي يقيس "هجرة الثقة التعليمية" وحجم الأموال المغادرة للاقتصاد بسبب انتقال الطلبة للخارج.
فالتعليم الذي نطمح أن ينافس تعليم دول مثل كوريا وأوروبا، لا يحتاج فقط إلى مبانٍ ومناهج جديدة وتصنيفات أفضل؛ وإنما إلى نظام قيادة يكافئ الإنجاز، ويحمي الاستقلال الأكاديمي، ويحاسب على الفشل، ويمنع تدوير الإخفاق، ويمنح الناجح فرصة للاستمرار بدل أن يتحول نجاحه إلى سبب لاستبعاده، وتطبيق قاعدة بسيطة لا تحتمل التأويل: لا يُكافأ الفشل بالتدوير، ولا يُعاقب النجاح بالإبعاد. وإلا فسنظل نغير الخطط، ونستحدث المسارات، ونبدل أسماء البرامج، بينما تبقى الحلقة الأهم في المنظومة كما هي: الأشخاص أنفسهم، والآليات نفسها، والنتائج نفسها.
وهناك حراك رسمي يستحق المتابعة، في مقدمته الخطة الإستراتيجية للتعليم 2026-2030 بالتعاون مع اليونسكو، والإستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي حتى 2027، لكن نجاحها سيبقى مرتبطاً بمن ينفذها؛ فلا فائدة من خطة ممتازة إذا بقي تنفيذها بيد الآليات نفسها التي أنتجت التراجع. فالرؤية الملكية للوصول إلى اقتصاد المعرفة لن تتحقق بإصلاحات جزئية أو قرارات تُعلن بارتباك ثم تُسحب بارتباك أكبر؛ والتحدي الحقيقي ليس كتابة خطة جديدة، بل امتلاك الشجاعة لمراجعة ما سبق، وتفكيك شبكات المصالح، وحماية الكفاءة، وإعادة التعليم إلى قاعدة بسيطة: أن يقوده من يستحق قيادته بالكفاءة لا بالعلاقة.
وفي النهاية، نبقى واثقين بحكمة جلالة الملك، وبمتابعة ولي العهد لهذا الملف المصيري، في أن يستعيد التعليم الأردني مكانته، لا ليعود فقط إلى ما كان عليه قبل عقود، بل ليتقدم إلى ما يجب أن يكون عليه في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول التكنولوجي؛ فمستقبل الدول لم يعد يُقاس بما تمتلك من موارد، بل بما تستطيع أن تبنيه من عقول وقيادات ونظام تعليمي قادر على صناعة المستقبل.
*مركز عبر المتوسط للدراسات الإستراتيجية
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم