د شادية خريسات تكتب: الحياة فيها متّسع للجميع

منذ 32 دقيقة
المشاهدات : 6382
د شادية خريسات تكتب: الحياة فيها متّسع للجميع
د. شادية خريسات

د. شادية خريسات

من خلال عملي في المجال النفسي، ألاحظ أن كثيرًا من المشاعر التي تظهر على شكل انتقاد للآخرين أو انزعاج من نجاحهم، تكون في أصلها مرتبطة بشيء أعمق داخل الإنسان: مقارنة، أو شعور بعدم الكفاية، أو خوف من أن يكون الآخر أفضل منه. أحيانًا لا يكون الشخص غاضبًا من نجاح غيره بحد ذاته، بقدر ما يذكّره هذا النجاح بشيء يشعر أنه لم يحققه في حياته. عندما يرى شخصًا حصل على فرصة، أو ترقية، أو تقدير، أو علاقة ناجحة، قد يبدأ عقله تلقائيًا بالمقارنة: “لماذا هو؟” “ماذا لديه وليس لدي؟” “أنا أستحق أكثر.” وإذا لم يكن الإنسان قادرًا على التعامل مع هذا الشعور، قد يتحول إلى انتقاد، أو تقليل من إنجاز الآخر، أو مراقبة مستمرة لحياته، أو حتى الشعور بالراحة عندما يتعثر. وهنا لا يكون الموضوع عن الشخص الآخر فقط، بل عن علاقة الإنسان بنفسه. الشخص الذي يشعر بقيمته من الداخل لا يحتاج عادةً إلى التقليل من الآخرين حتى يشعر بأنه أفضل. أما عندما تكون قيمة الإنسان مرتبطة بالمقارنة، فإن نجاح الآخرين قد يبدو له كأنه تهديد مباشر. وهذا يفسر لماذا نجد أحيانًا شخصًا ينزعج من نجاح قريب أو زميل أو صديق، رغم أنه لم يأخذ منه شيئًا. فالنجاح ليس موردًا محدودًا. نجاح زميلك لا يعني أنك أقل كفاءة. جمال شخص آخر لا يلغي جمالك. زواج صديقتك لا يعني أن فرصتك انتهت. ترقية شخص آخر لا تعني أنك لن تتقدم. واستقرار شخص لا يعني أن حياتك فاشلة. لكن المقارنة تجعلنا نتصرف وكأن الحياة مسابقة، وكأن هناك عددًا محدودًا من الأماكن، وإذا وصل إليها غيرنا فقد انتهت فرصتنا. ومن الناحية النفسية، من المهم أن نتعلم أن نلاحظ مشاعرنا بدل أن ننقلها إلى الآخرين. إذا شعرت بالغيرة، اسأل نفسك: ماذا يكشف لي هذا الشعور عن احتياجي؟ ربما أحتاج إلى التقدير. ربما أشعر أنني متأخر. ربما لدي هدف لم أحققه بعد. وربما هناك جزء مني يحتاج إلى أن أتصالح مع نفسي ومع المرحلة التي أعيشها. هذه الأسئلة أكثر فائدة من سؤال: “كيف أقلل من قيمة الشخص الآخر؟” فالغيرة يمكن أن تكون إشارة نفهم من خلالها أنفسنا، لكنها تصبح مؤذية عندما تتحول إلى أذى للآخرين. وفي المقابل، ليس كل شخص يراقب الآخرين أو يقارن نفسه بهم شخصًا سيئًا. نحن جميعًا نقارن أنفسنا أحيانًا، ونشعر بالغيرة في مواقف معينة. الفرق الحقيقي يكمن في طريقة التعامل مع هذه المشاعر. هل أستخدمها لفهم نفسي والتطور؟ أم أستخدمها لأؤذي شخصًا لمجرد أنه يمتلك شيئًا أتمناه؟ الحياة فيها متّسع للجميع. لا نحتاج أن نقلل من نجاح أحد حتى نشعر بقيمتنا، ولا أن نثبت أننا أفضل من غيرنا حتى نكون راضين عن أنفسنا. لكل شخص ظروفه، وتوقيته، وطريقه، وما نراه من حياة الآخرين ليس القصة كاملة. لذلك، بدل أن نقضي وقتنا في مراقبة ما لدى الآخرين، ربما نحتاج أن نعود إلى أنفسنا ونسأل: ماذا أريد أنا؟ ما الذي ينقصني فعلًا؟ وما الخطوة التي أستطيع أن أبدأ بها بدل أن أبقى منشغلًا بما وصل إليه غيري؟ لأن السلام النفسي يبدأ عندما نتوقف عن اعتبار حياة الآخرين مقياسًا لقيمتنا. الحياة ليست منافسة بيننا. الحياة مساحة واسعة، ويمكن أن ينجح فيها الجميع بطريقته وفي وقته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم