مالك مصطفى علاونه يكتب: التعليم في الأردن بين القرارات الارتجالية والحاجة إلى الاستقرار المؤسسي

منذ 35 دقيقة
المشاهدات : 6859
مالك مصطفى علاونه يكتب: التعليم في الأردن بين القرارات الارتجالية والحاجة إلى الاستقرار المؤسسي
مالك مصطفى علاونه

مالك مصطفى علاونه

لا يختلف اثنان على أن إصلاح التعليم في الأردن ضرورة وطنية، وأن تطوير المنظومة التعليمية يجب أن يكون هدفاً مستمراً، لكن الإصلاح الحقيقي لا يتحقق من خلال القرارات المتسرعة أو تغيير الأنظمة والتعليمات مع كل وزير جديد. فالتعليم مشروع وطني طويل الأمد، يحتاج إلى رؤية واضحة ودراسات علمية عميقة واستقرار في التشريعات والسياسات، لا إلى اجتهادات فردية وقرارات ارتجالية يتم اكتشاف أخطائها بعد تطبيقها. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التغييرات المتكررة في نظام الثانوية العامة، وتحويل النظام من سنة إلى سنتين، وما نتج عن ذلك من إشكالات في توزيع الطلبة على المسارات التعليمية. فقد أدى الإقبال الكبير على المسار الصحي، مقابل محدودية أعداد الطلبة في المسار الهندسي، إلى اختلال في أعداد الطلبة مقارنة بالطاقة الاستيعابية للتخصصات الجامعية، الأمر الذي كان يمكن تفاديه لو تمت دراسة القرار ونتائجه المتوقعة بصورة أكثر دقة قبل تطبيقه. والمشكلة لا تتوقف عند الثانوية العامة، بل تمتد إلى أسس القبول الجامعي ومعادلة الشهادات الأجنبية. فالتعديلات المتكررة على هذه الأسس تضع الطالب وولي الأمر أمام حالة من عدم اليقين، خصوصاً الطلبة الأردنيين المغتربين الذين يدرسون مناهج أمريكية أو بريطانية خارج الأردن، ولا يعرفون بصورة ثابتة ما الذي سيُطلب منهم عند العودة إلى الأردن والالتحاق بالجامعات. ومن الأمثلة التي تستحق المراجعة أيضاً أسس معادلة الثانوية الأمريكية. فهناك اختلاف في المتطلبات بين بعض الطلبة الدارسين في المدارس الأمريكية داخل الأردن والطلبة الأردنيين الدارسين في المدارس الأمريكية خارج الأردن. وقد يؤدي ذلك إلى تفاوت في عدد المواد المطلوبة للمعادلة(بالاردن ٣ مواد كافيه للمعادله خارجالاردن وبالعالم اجمع الحد الادنى لعدد المواد ٥ مواد علميه) فأين العداله بالمعادله، رغم أن الهدف في النهاية هو تقييم مستوى الطالب وتأهيله للمرحلة الجامعية. ومن هنا تبرز ضرورة مراجعة هذه الأسس بما يحقق العدالة وتكافؤ الفرص بين جميع الطلبة، بصرف النظر عن مكان دراستهم. فالطالب الأردني المغترب الذي درس في مدرسة أمريكية خارج الأردن يجب ألا يجد نفسه في وضع مختلف عن طالب درس المنهاج الأمريكي داخل الأردن، ما دام الاثنان يحققان المستوى الأكاديمي المطلوب. العدالة في التعليم تعني أن تكون المعايير واضحة وموحدة ومنصفة للجميع. كما أن هناك قضية أخرى تستحق التوقف عندها، وهي سياسات القبول التي تمنح بعض المقاعد ضمن برامج مخصصة للطلبة الدوليين، في الوقت الذي يوجد فيه طلبة أردنيون، وخاصة أبناء المغتربين، قادرون على المنافسة ودفع الرسوم نفسها وربما أكثر، ومع ذلك يجدون أنفسهم محرومين من هذه المقاعد. ومن حق الطالب الأردني أن يحصل على فرصة عادلة، خصوصاً إذا كان مستوفياً للشروط وقادراً على تحمل الرسوم الدراسية. إن وظيفة وزير التربية والتعليم يجب ألا تختزل في تغيير نظام الثانوية العامة كل فترة. فالدور الحقيقي للوزير يجب أن يتمثل في تطوير المناهج وفق المعايير العالمية، وتطوير أساليب التدريس، ورفع كفاءة المعلمين، وتحسين البيئة المدرسية، والاهتمام بالجوانب الفنية والإدارية، وبناء علاقة أفضل بين الطالب والمعلم، ووضع رؤية شاملة لتطوير التعليم. أما أن يصبح التغيير في نظام الثانوية العامة هو المشروع الأساسي لكل وزير، مرة سنة واحدة، ومرة سنتين، وربما مستقبلاً ثلاث سنوات، ومرة تغيير عدد المواد المطلوبة لمعادلة الشهادات، فإن ذلك يخلق حالة من البلبلة وعدم الاستقرار، ويجعل الطالب والأسرة غير قادرين على التخطيط للمستقبل. تخيل أن لديك طفلاً في مرحلة KG1 أو الروضة، وتريد منذ اليوم أن تخطط لمستقبله الجامعي. إذا كان هدفك أن يدرس في جامعة مثل هارفارد أو أكسفورد، تستطيع الأسرة معرفة متطلبات تلك الجامعات، وما المهارات والإنجازات الأكاديمية التي يحتاج إليها الطالب، وتبدأ التخطيط منذ سنوات مبكرة وفق مسار واضح. أما في الأردن، فقد يصل الطالب إلى أبواب الجامعة وهو لا يعرف بشكل مؤكد ما هي المتطلبات التي ستطبق عليه عند تخرجه، لأن الأنظمة والتعليمات قد تكون تغيرت أكثر من مرة خلال سنوات دراسته. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: عدم الاستقرار أصبح جزءاً من المشكلة التعليمية نفسها. والأمر لا ينعكس على الطلبة فقط، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الوطني. فالطالب الأردني المقيم في الخارج قد يقرر عدم العودة للدراسة في الأردن بسبب عدم وضوح أنظمة القبول ومعادلة الشهادات. ومع خروج آلاف الطلبة للدراسة خارج الأردن، يخسر الاقتصاد الأردني مبالغ كبيرة كان من الممكن أن تُنفق داخل الجامعات الأردنية، كما أن عدم استقرار القوانين والتعليمات لا يشجع على الاستثمار طويل الأمد. لذلك، فإن الحل لا يكمن في انتظار وزير جديد ليضع تعليمات جديدة، ثم يأتي وزير آخر ليلغيها ويضع تعليمات مختلفة. الحل هو الانتقال من إدارة التعليم بعقلية الأشخاص إلى إدارة التعليم بعقلية المؤسسات. ومن هنا أقترح إلغاء مركزية القرار الفردي في وزارة التربية والتعليم، وإنشاء مجلس أعلى للتعليم يضم خبراء ومتخصصين في التربية والتعليم والاقتصاد وسوق العمل والجامعات، على أن تكون قراراته مبنية على الدراسات والبيانات، وتتخذ بالأغلبية، وتكون هناك رؤية وطنية طويلة الأمد لا تتغير بتغير الوزراء. كما يجب أن تكون أسس الثانوية العامة ومعادلة الشهادات الأجنبية مستقرة وثابتة، ولا يتم تعديلها إلا بعد دراسات عميقة وحاجة حقيقية، وبفترات زمنية طويلة، لا أن تتغير كل عام أو مع كل تغيير إداري. نحن لا نحتاج إلى وزير يترك بصمته من خلال تغيير نظام التوجيهي، بل نحتاج إلى منظومة تعليمية تترك بصمتها في مستقبل الأردن. التعليم ليس ساحة للتجارب، والطلاب ليسوا حقلاً لاختبار القرارات. مستقبل أبنائنا أكبر من أن يخضع للاجتهادات الفردية والقرارات الارتجالية. وإذا أردنا فعلاً بناء الأردن الحديث، فعلينا أن نبدأ بإصلاح التعليم على أساس العلم والتخطيط والاستقرار، وأن نجعل القرار التعليمي قرار دولة ومؤسسة، لا قرار شخص يتغير بتغير الوزير.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم