ماجد الفاعوري يكتب: عبدالله الثاني .. عرّاب السياسة الصلبة الهادئة

منذ 21 دقيقة
المشاهدات : 8345
ماجد الفاعوري يكتب: عبدالله الثاني ..  عرّاب السياسة الصلبة الهادئة
ماجد الفاعوري

ماجد الفاعوري

حين يسأل الآخرون أين الملك تكون الإجابة في ما فعله لا في مقدار ظهوره

هناك مقالات تطرح سؤالًا لأنها لا تعرف الإجابة

وهناك مقالات تطرح السؤال لأنها تنظر إلى المشهد من زاوية واحدة

وهناك مقالات تظن أن حضور القائد يقاس بعدد الصور التي يظهر فيها وعدد التصريحات التي يدلي بها

ومن هنا جاء السؤال الذي طرحته مجلة Foreign Policy تحت عنوان «أين الملك عبدالله؟»

السؤال في ظاهره مشروع

لكن المشكلة ليست في السؤال

المشكلة في الافتراض الذي يقف خلفه

فالملك عبدالله الثاني ليس سياسيًا يبحث عن الكاميرا حتى يثبت أنه موجود

وليس قائدًا يثبت حضوره بكثرة التصريحات

إنه يدير دولة تقع في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطرابًا

ويعرف أن بعض القرارات التي تحمي الأردن لا تُعلن على شاشات التلفزة

وأن بعض المعارك السياسية لا تبدأ ببيان

وأن بعض أقوى الرسائل قد تكون في اجتماع مغلق أو اتصال هاتفي أو تحرك دبلوماسي أو قرار أمني لا يظهر للجمهور إلا بعد أن تنتهي الأزمة

لهذا فإن السؤال الصحيح ليس أين الملك عبدالله

بل ماذا يفعل الملك عبدالله

وهنا تتغير الصورة بالكامل

فالملك كان في الصين عندما كان السؤال يُطرح عن مكانه

وكان وجوده هناك جزءًا من السياسة وليس غيابًا عنها

ففي زيارته الرسمية إلى الصين بين 18 و24 أغسطس 2026 لم يكن يتحرك بعيدًا عن أزمات المنطقة

بل كان يناقش مع القيادة الصينية الحرب الإقليمية وسبل خفض التصعيد وغزة وضرورة استعادة الملاحة الطبيعية في مضيق هرمز

وهذا يعني أن وجود الملك في بكين لم يكن خروجًا من المشهد

بل كان تحركًا داخل المشهد من زاوية مختلفة

وقد أكد البيان الأردني الصيني ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة واستعادة الملاحة في مضيق هرمز والتمسك بحل الدولتين

إذن أين الملك

الملك كان حيث يجب أن يكون

في المكان الذي تستطيع فيه الدبلوماسية الأردنية أن تضيف شيئًا

وهنا تحديدًا تظهر مدرسة عبدالله الثاني

السياسة الصلبة لا تحتاج إلى ضجيج

السياسة الصلبة ليست أن يخرج القائد كل ساعة ليعلن موقفًا

وليست أن يرفع صوته حتى يسمعه الجميع

السياسة الصلبة هي أن يعرف القائد حدود بلاده وحدود خصومه وحدود حلفائه

وأن يعرف قبل ذلك كله حدود المخاطر التي يستطيع الأردن تحملها

الأردن ليس دولة عظمى

وهذه حقيقة لا يجوز تجاهلها

لكنه أيضًا ليس دولة هامشية

فالمملكة تقع في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها فلسطين وسورية والعراق والخليج وإسرائيل

ولهذا فإن أي اضطراب كبير في المنطقة يمكن أن يصل إلى الأردن بصورة مباشرة

ومن هنا نشأت معادلة عبدالله الثاني

لا تدخل كل حرب

لكن لا تسمح لأحد بأن يجعل الأردن جزءًا من حربه

لا تبحث عن المواجهة

لكن لا تسمح بتحويل الحدود أو الأجواء أو القرار الوطني إلى مساحة مفتوحة للآخرين

لا تقطع الجسور مع العالم

لكن لا تجعل التحالفات تتحول إلى وصاية

هذه هي السياسة الصلبة الهادئة

الرد على سؤال أين الملك

إذا كان المقصود أن الملك لم يكن ظاهرًا بما يكفي في الإعلام فهذا يمكن مناقشته

أما إذا كان المقصود أنه غاب عن صناعة القرار أو ترك الأردن بلا قيادة سياسية في أخطر مرحلة إقليمية فهذا الاستنتاج لا تصمد أمامه الوقائع

ففي الأول من أغسطس 2026 كان الملك يجري اتصالًا مع رئيس الوزراء البريطاني حول التصعيد في الشرق الأوسط وغزة والضفة الغربية والعلاقات الدفاعية والأمنية بين البلدين

وفي الشهر نفسه كان الأردن يتحرك دبلوماسيًا باتجاه خفض التصعيد وحماية المملكة من تداعيات الحرب

ثم جاء التحرك إلى الصين في توقيت بالغ الحساسية

فهل هذا غياب

أم أن المشكلة في أن البعض يريد رؤية السياسة في شكل واحد فقط

حتى التحرك الملكي في الصين يحمل رسالة سياسية تتجاوز العلاقة الثنائية

الصين قوة دولية كبرى

ووجود الملك هناك في هذه اللحظة يعني أن الأردن لا يريد أن تكون خياراته الدولية محصورة في مسار واحد

إنها سياسة تنويع للمسارات

والدولة الصغيرة التي تنجح في تنويع مساراتها تكون أكثر قدرة على حماية قرارها

عبدالله الثاني لا يحكم من خلف الكاميرا

هناك فارق بين القائد الذي يختفي عن المشهد والقائد الذي لا يحتاج إلى أن يجعل كل حركة له مشهدًا إعلاميًا

الأردن خلال العقود الماضية واجه أزمات كان يمكن أن تسقط دولًا أكبر منه

الحرب على العراق

الحرب السورية

صعود الجماعات المسلحة

الإرهاب

أزمة اللاجئين

الحروب في غزة

التوتر مع إيران

التصعيد الإسرائيلي

الأزمات الاقتصادية العالمية

ومع ذلك بقي الأردن دولة متماسكة

وهذه ليست نتيجة خطاب إعلامي

إنها نتيجة مؤسسة دولة وتحالفات وأجهزة أمنية ودبلوماسية وجيش وسياسة خارجية يقودها رأس الدولة

ولهذا فإن السؤال عن مكان الملك يجب أن يُطرح بطريقة أكثر عمقًا

أين كان الأردن عندما انهارت دول

أين كان الجيش عندما اقترب الإرهاب من الحدود

أين كانت الدولة عندما أصبحت المنطقة ساحات مفتوحة للجماعات المسلحة

وأين بقي القرار الأردني عندما حاولت قوى إقليمية ودولية دفع المنطقة كلها إلى الاصطفاف

الإجابة عن هذه الأسئلة هي الإجابة عن سؤال أين الملك

الملك الذي جعل الهدوء استراتيجية

ربما لم يفهم البعض أن الهدوء الأردني ليس ضعفًا

الأردن لا يستطيع أن يعيش بمنطق الصراخ السياسي

لأن أي كلمة غير محسوبة قد تتحول إلى أزمة

وأي قرار متسرع قد يفتح حدودًا لا يمكن إغلاقها بسهولة

وأي اصطفاف كامل مع طرف واحد قد يجعل الأردن يدفع ثمن صراع لا يملك قرار بدايته ولا نهايته

ولهذا فإن الهدوء أصبح أداة من أدوات القوة

الملك لا يحتاج إلى إعلان كل ما يعرفه

ولا يحتاج إلى الكشف عن كل الاتصالات

ولا يحتاج إلى إخبار الجمهور بكل ما يجري خلف الأبواب

الدول المحترفة لا تكشف كل أوراقها

والقيادة التي تفهم الأمن القومي تعرف أن بعض المعلومات إذا خرجت إلى العلن فقدت قيمتها

من غزة إلى هرمز

الذين يبحثون عن الملك في غزة فقط قد لا يرونه في الصورة الكاملة

والذين يبحثون عنه في مواجهة إيران فقط قد لا يرون الحساب الاستراتيجي الأوسع

والذين يريدون منه موقفًا صاخبًا في كل أزمة قد لا يدركون أن الأردن يحاول منع انتقال الأزمة إليه

في زيارته للصين كان الموقف الأردني واضحًا

وقف إطلاق النار في غزة

حل الدولتين

استعادة الملاحة في مضيق هرمز

خفض التصعيد

وهذه الملفات ليست منفصلة

فالأردن يتعامل مع المنطقة باعتبارها منظومة أمنية واحدة

غزة تؤثر في الضفة

والضفة تؤثر في الأردن

والحرب مع إيران تؤثر في الخليج

ومضيق هرمز يؤثر في الطاقة والتجارة

والاضطراب في سورية والعراق يمكن أن يصل إلى الحدود الأردنية

إذن ما يبدو في الظاهر ملفات منفصلة هو في الحساب الأردني ملف واحد عنوانه أمن الدولة واستقرار الإقليم

القوة الأردنية ليست في حجم الأردن

القوة ليست دائمًا في المساحة

وليست في عدد السكان

وليست في حجم الاقتصاد

أحيانًا تكون القوة في أن يصبح استقرار الدولة مصلحة لعدد كبير من القوى

وهذا ما نجح الأردن في بنائه

علاقته بالولايات المتحدة

علاقته بأوروبا

علاقاته العربية

علاقته بالعراق

انفتاحه على الصين

وموقعه الجغرافي

ودوره في القضية الفلسطينية

كل ذلك صنع للأردن وزنًا أكبر من حجمه الجغرافي

وهنا تحديدًا تظهر براعة عبدالله الثاني

فهو لم يحاول أن يجعل الأردن قوة عظمى

بل جعل الأردن دولة يصعب تجاوزها

وهذه واحدة من أهم قواعد السياسة الواقعية

لا أحد يريد حربًا على الأردن

لكن الأردن لا يستطيع أن يتعامل مع أمنه باعتباره مضمونًا

فالاعتداءات الإيرانية على الأردن خلال التصعيد الإقليمي وضعت المملكة في موقف بالغ الحساسية

وقد أكد رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز أن الأردن تعرض لاستهداف مباشر وأن المملكة لن تسمح باستخدام أراضيها وأجوائها ساحة لأي صراع إقليمي

هنا يظهر الفرق بين السياسة الهادئة والسياسة الضعيفة

الضعف يعني أن الدولة لا تستطيع الرد

أما الهدوء فيعني أن الدولة تستطيع الرد لكنها تختار توقيت الرد وطبيعته بما يخدم مصالحها

وهذا هو الفارق الذي يجب أن يُفهم عند قراءة شخصية عبدالله الثاني

الملك ليس بحاجة إلى أن يثبت أنه موجود

من السهل أن يظهر القائد

لكن من الصعب أن يحافظ على دولة

من السهل أن يلقي خطابًا حماسيًا

لكن الأصعب أن يمنع الحرب من الوصول إلى بلاده

من السهل أن يتخذ موقفًا شعبويًا

لكن الأصعب أن يوازن بين أمن الدولة والقضية الفلسطينية والعلاقات الدولية والاقتصاد والحدود والأمن الوطني في الوقت نفسه

لهذا فإن الحضور الحقيقي لا يقاس بمدة ظهور الملك على الشاشة

الحضور يقاس بقدرة الدولة على البقاء

وبقدرة القيادة على منع الآخرين من رسم مستقبلها

وبقدرة الأردن على أن يقول لا عندما تصبح كلمة نعم خطرًا على وجوده

عبدالله الثاني والقاعدة الذهبية

هناك قاعدة سياسية يمكن أن تلخص تجربة الملك عبدالله الثاني

لا تجعل خصمك يعتقد أنك ضعيف

ولا تجعل حليفك يعتقد أنك تابع

ولا تجعل شعبك يدفع ثمن مغامرة لا ضرورة لها

ولا تجعل الآخرين يقررون نيابة عنك ما هو أمنك القومي

هذه هي السياسة الصلبة الهادئة

وهي ليست سياسة انعزال

بل سياسة حضور محسوب

إلى من كتب أين الملك

إذا كان السؤال بحثًا عن صورة الملك في المشهد فالصورة موجودة

وإذا كان السؤال بحثًا عن صوته فصوته موجود

وإذا كان السؤال بحثًا عن موقفه من غزة فموقفه معلن

وإذا كان السؤال بحثًا عن موقفه من حل الدولتين فهو ثابت

وإذا كان السؤال بحثًا عن أمن الأردن فهو أوضح من أن يحتاج إلى تفسير

وإذا كان السؤال بحثًا عن تحركاته الدولية فزيارته إلى الصين وحدها كافية لتقول إن الأردن لم يكن خارج المشهد

لكن إذا كان السؤال مبنيًا على فكرة أن القائد يجب أن يكون حاضرًا أمام الكاميرا في كل لحظة حتى يكون حاضرًا سياسيًا

فهنا يجب أن نختلف

لأن هذه ليست طريقة قراءة الدول

ولا طريقة قراءة الملوك

ولا طريقة قراءة الأمن القومي

الملك عبدالله الثاني لا يحتاج إلى أن يكون أعلى صوت في الغرفة

يكفي أن يكون صاحب القرار الذي يعرف متى يتكلم ومتى يصمت ومتى يفاوض ومتى يرفض ومتى يرفع كلفة الاقتراب من الأردن

عبدالله الثاني عرّاب السياسة الصلبة الهادئة

ربما لهذا السبب تحديدًا يستحق عبدالله الثاني وصفًا مختلفًا

ليس عرّاب السياسة القاسية بمعنى عاشق المواجهة

ولا عرّاب القوة الصاخبة

بل عرّاب السياسة الصلبة الهادئة

سياسة تعرف أن الأردن لا يستطيع أن يربح كل الحروب

لكن يستطيع أن يمنع كثيرًا من الحروب من الوصول إليه

سياسة تعرف أن القضية الفلسطينية قضية مركزية

لكنها تعرف أيضًا أن الأردن ليس وطنًا بديلًا لأحد

سياسة تعرف قيمة التحالف مع واشنطن

لكنها لا تغلق أبوابها أمام بكين

سياسة تحافظ على علاقاتها العربية

ولا تسمح بأن تتحول هذه العلاقات إلى تنازل عن القرار الوطني

سياسة تتعامل مع سورية والعراق والخليج وفلسطين وإيران وإسرائيل باعتبارها ملفات متصلة بالأمن الأردني

لا باعتبارها عناوين منفصلة في نشرات الأخبار

ولهذا فإن الإجابة الأقوى عن سؤال «أين الملك عبدالله؟» ليست جملة انفعالية

الإجابة هي الأردن نفسه

في استقراره

في حدوده

في جيشه

في دبلوماسيته

في قدرته على التواصل مع العواصم الكبرى

في تمسكه بالقدس والقضية الفلسطينية

وفي رفضه أن يتحول إلى ساحة حرب بالوكالة عن أحد

الملك موجود

لكن حضوره لا يُقاس بعدسة الكاميرا

بل بوزن الأردن عندما تتصارع القوى الكبرى حوله

وهنا تكمن المفارقة

كلما ازدادت الفوضى من حول الأردن أصبح الهدوء الأردني أكثر قيمة

وكلما ارتفع صوت المنطقة أصبح صوت عمّان أكثر أهمية

لأن الدولة التي تبقى واقفة وسط العاصفة لا تحتاج إلى أن تصرخ بأنها موجودة

وجودها هو الدليل

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس

أين الملك عبدالله؟

بل

كيف استطاع عبدالله الثاني أن يبقي الأردن حاضرًا دون أن يحوله إلى طرف في كل حرب؟

وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية

وهنا تحديدًا نفهم معنى السياسة الصلبة الهادئة
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم