ماهر البطوش يكتب: الذم والقدح والتحقير الإلكتروني

منذ 37 دقيقة
المشاهدات : 13948
ماهر البطوش يكتب: الذم والقدح والتحقير الإلكتروني
ماهر البطوش

ماهر البطوش

قد تُكتب كلمة في لحظة غضب، أو تُنشر عبارة بدافع السخرية، أو يُعاد تداول تعليق دون التفكير في أثره، ثم تتسع دائرة انتشاره خلال دقائق لتصل إلى أشخاص لم يكن الكاتب يتوقع أن يروها. فما يقال في مجلس محدود قد يبقى في نطاقه، أما عندما ينتقل إلى الهاتف ومنصات التواصل، فقد يتحول إلى إساءة علنية واسعة الانتشار تمس شرف الإنسان وكرامته واعتباره. ومن هنا لم تعد الوسيلة الإلكترونية مجرد طريق لنقل الكلام، بل أصبحت وسيلة قد ترتب مسؤولية جزائية عندما تُستخدم في الذم أو القدح أو التحقير، وهو ما نظمه المشرع الأردني في المادة (15/أ) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023.

ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي.

وتكشف المادة (15/أ) بوضوح أن الفضاء الإلكتروني ليس بمنأى عن المسؤولية الجزائية، وأن الكلمة المسيئة لا تفقد أثرها القانوني لمجرد أنها قيلت خلف شاشة؛ فقد جرّم المشرع الأردني إرسال أو إعادة إرسال أو نشر البيانات أو المعلومات التي تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير بحق أي شخص، متى ارتكبت عبر الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو الموقع الإلكتروني أو منصات التواصل الاجتماعي.

وتبرز خطورة النص في أنه لا يحصر المسؤولية في صاحب المحتوى المسيء أو من أنشأه، بل تمتد إلى من يختار إعادة إرساله أو نشره، متى اكتملت في فعله العناصر التي يتطلبها القانون. فكون الشخص ليس مصدر هذا المحتوى فإن ذلك لا يمنحه حصانة من المسؤولية، لأن إعادة نشر الإساءة قد تجعل منه طرف في الفعل المجرّم متى توافرت شروطه القانونية.

ويأخذ الذم والقدح والتحقير صور قانونية مختلفة، وإن كانت جميعها تمس كرامة الإنسان واعتباره. فالذم يتحقق عندما يُسند إلى شخص أمر أو واقعة محددة من شأنها النيل من شرفه وكرامته أو تعريضه للبغض والاحتقار، حتى لو جاء هذا الإسناد في صورة شك أو استفهام. أما القدح فيتحقق عندما تنال الإساءة من كرامة الشخص أو شرفه أو اعتباره دون أن تتضمن إسناد واقعة أو مادة معينة إليه. أما التحقير فيشمل صور أخرى من الإهانة والإساءة التي لا تدخل في نطاق الذم أو القدح، وذلك ضمن الحدود التي رسمها قانون العقوبات.

ولا يشترط أن تصل الإساءة إلى جمهور واسع حتى تدخل في نطاق التجريم؛ فالمشرع لم يربط المسؤولية بمدى انتشار المحتوى، وإنما ساوى بين إرساله وإعادة إرساله ونشره. وبذلك قد تبدأ الجريمة برسالة تُرسل إلى شخص واحد، أو بمحتوى يُعاد تداوله بين عدد محدود من الأشخاص، كما قد تتحقق من خلال نشره على موقع إلكتروني أو منصة من منصات التواصل الاجتماعي، متى توافرت في الفعل باقي الشروط القانونية.

أما من حيث القصد الجرمي، فهذه الجريمة لا تقوم بمجرد وقوع الإرسال أو إعادة الإرسال أو النشر، وإنما اشترط المشرع أن يكون الفعل قد ارتُكب قصداً. ويقتضي ذلك أن يكون الجاني عالماً بطبيعة المحتوى الذي يتعامل معه، ومدركاً لما يتضمنه من إساءة، وأن تتجه إرادته رغم هذا العلم إلى إرساله أو إعادة إرساله أو نشره بحق المجني عليه.
وقد قرر المشرع لهذه الجريمة العقوبة ذاتها الواردة في المادة (15/أ) وهي الحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو الغرامة التي لا تقل عن (5000) دينار ولا تزيد على (20000) دينار أو بكلتا هاتين العقوبتين.

وتكمن خطورة الذم والقدح والتحقير الإلكتروني في سرعة انتشار المحتوى وصعوبة السيطرة عليه بعد تداوله؛ فقد تنتقل الإساءة من شخص إلى آخر خلال لحظات، وقد تبقى منشورة أو محفوظة وقابلة لإعادة التداول، بما يؤدي إلى اتساع نطاق الضرر الواقع على سمعة الشخص واعتباره، ويجعل أثر الإساءة يتجاوز اللحظة التي صدرت فيها.

وفي النهاية فإن ما يُنشر عبر الفضاء الإلكتروني لا يبقى دائماً في حدود اللحظة التي كُتب فيها؛ فالإساءة قد تنتقل من حساب إلى آخر ومن شخص إلى آخر، وقد يصبح من الصعب احتواء آثارها بعد انتشارها. ولهذا فإن المسؤولية لا تتعلق فقط بمن بدأ الإساءة، وإنما قد تمتد إلى من يشارك في إيصالها إلى الآخرين متى توافرت شروط التجريم. فالكلمة الإلكترونية قد تكون قصيرة في حجمها، لكنها قد تكون عميقة في أثرها، والشاشة قد تكون وسيلة لنقل الإساءة، لكنها لا تغيّر من حقيقتها ولا من آثارها على كرامة الإنسان وسمعته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم