فيصل تايه يكتب: التخصص المشبع أم الشهادة الفارغة؟ أين تكمن المشكلة؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 10132
فيصل تايه يكتب: التخصص المشبع أم الشهادة الفارغة؟ أين تكمن المشكلة؟
فيصل تايه

فيصل تايه

في كل موسم للقبول الجامعي تتجدد العبارة ذاتها: هذا التخصص مشبع، وذاك فرصه محدودة، وهذا المجال لم يعد يحتمل مزيداً من الخريجين. ومع تكرارها، تحولت أحياناً من توصيف لواقع سوق العمل إلى حكم مسبق على مستقبل الطالب، وكأن اسم التخصص وحده قادر على تحديد مصير صاحبه.

ولست هنا في وارد إنكار واقع السوق، أو التقليل من أهمية التخطيط لأعداد الطلبة وتخصصاتهم، لكنني أعتقد أن السؤال يحتاج إلى أن يكون أعمق: هل المشكلة فعلاً في التخصص الذي يدرسه الطالب، أم في مضمون الشهادة التي يحملها عندما يتخرج؟

فالتخصص الجامعي مهم، وحاجات سوق العمل يجب أن تكون حاضرة في قرار الاختيار، لكن قيمة الخريج لا تتحدد باسم التخصص وحده.

فقد يتخرج طالبان من التخصص نفسه، وفي الجامعة نفسها، ويحملان الشهادة ذاتها، ثم يدخل كل منهما سوق العمل بقدرة مختلفة تماماً. أحدهما يمتلك معرفة ومهارات وخبرة وقدرة على التعلم والتطور والتكيف مع متطلبات العمل، فيما يخرج الآخر بشهادة لا تسندها الكفاءة الكافية لصناعة فرصة أو المنافسة عليها.

وهنا تحديداً يبدأ السؤال الحقيقي.

فالطب والهندسة والصيدلة والتاريخ والعلوم الإنسانية وغيرها ليست مجرد أسماء على قوائم القبول، كما أن ارتفاع الطلب على تخصص معين لا يعني أن كل من يدرسه سيجد وظيفة تلقائياً.

نعم، هناك تخصصات قد يكون عدد خريجيها أكبر من قدرة السوق المحلي على استيعابهم، وهذه حقيقة يجب أن تدخل في حسابات الطالب والجامعة وصانع القرار.

لكن التشبع لا يعني أن التخصص فقد قيمته، ولا أن كل خريج فيه محكوم عليه بالبطالة. فالتخصص المزدحم قد يكون مساحة للمتميزين، كما أن التخصص المطلوب قد يضم خريجاً لا يمتلك ما يكفي من المهارة.

السوق لا يشتري اسم التخصص، بل يبحث عن القيمة والجاهزية التي يستطيع الخريج أن يقدمها.

ومن هنا تبدأ مسؤولية الجامعة.

فالجامعة التي تريد أن تنافس في عالم سريع التغير لا تستطيع أن تكتفي بمناهج تقليدية أو تدريب عملي شكلي.

نحن بحاجة إلى خريج يمتلك المعرفة والمهارات العلمية والتطبيقية والمسلكية، ويعرف كيف يفكر ويبحث ويحلل، ويستخدم التكنولوجيا، ويتواصل ويعمل مع الآخرين، والأهم أن يعرف كيف يتعلم من جديد عندما تتغير المهنة وأدواتها.

وقد لا تكون مشكلة بعض التخصصات في التخصص نفسه، وإنما في الطريقة التي ندرّسه بها. فالتخصص الذي كان يقود إلى وظيفة محددة قبل سنوات يمكن أن يفتح مجالات جديدة إذا تطورت مناهجه وارتبط بالتكنولوجيا والبيانات وريادة الأعمال والبحث والابتكار.

فالجامعة لا ينبغي أن تلاحق وظائف اليوم فقط، وإنما أن تهيئ خريجاً قادراً على التعامل مع مهن الغد.

لكن مسؤولية الطالب لا تقل أهمية.

فالذي يختار تخصصاً يعرف أن المنافسة فيه مرتفعة، عليه أن يسأل نفسه مبكراً: ماذا سأضيف إلى تخصصي؟ وما المهارة التي ستجعلني مختلفاً ومطلوباً؟ وهل أستطيع توظيف معرفتي في أكثر من مجال؟

نحن لا نريد أن نختار للطالب، ولا أن نتركه يختار في غياب المعلومات؛ بل نريده أن يعرف واقع تخصصه، وطبيعة المنافسة فيه، والفرص والبدائل الممكنة.

ومن وحي تجربة شخصية قريبة مع خريجين من تخصصات مختلفة، ازداد اقتناعي بأن الشهادة لا تكفي وحدها لصناعة الفرصة. فالخريج الذي يواصل التعلم، ويضيف إلى تخصصه مهارات وخبرات عملية، يوسع خياراته ويزيد قدرته على المنافسة، بصرف النظر عن اسم التخصص.

التخصص يفتح الباب، لكن المهارة والكفاءة هما ما يمنحان الخريج القدرة على العبور وإثبات نفسه في سوق العمل.

وهذا هو جوهر التحدي في المرحلة المقبلة. فالتعلم لم يعد مرحلة تنتهي بالحصول على الشهادة، وإنما أصبح مساراً مهنياً مستمراً؛ لأن المعرفة تتغير، والتكنولوجيا تتقدم، والمهن نفسها يعاد تشكيلها.

وهنا يصبح التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من الصورة. فهما لا يغيران أسماء المهن فقط، بل يغيران طبيعة العمل داخل المهنة نفسها. فالطبيب والمهندس والمعلم والصحفي والمحاسب والباحث وسائر المهن سيحتاجون إلى تطوير أدواتهم باستمرار.

وهذا يعيدنا إلى مسؤولية الدولة في التخطيط والسياسات العامة.

إن الاستمرار في إدارة ملف التعليم العالي بآليات تقليدية يتسبب في كلفة باهظة؛ تتجاوز هدر الموارد إلى توسيع الفجوة بين المخرجات واحتياجات الدولة وسوق العمل.

نحتاج إلى بيانات دقيقة عن أعداد الخريجين وفرص العمل واتجاهات السوق، وإلى مراجعة دورية للبرامج الجامعية، وتكامل حقيقي بين سياسات التعليم العالي والقطاعات الاقتصادية والتنموية وشركاء الميدان.

فقد يكون تخصص ما محدود الفرص داخل الأردن، لكنه يفتح أبواباً في الخارج، وقد يكون تخصص آخر مطلوباً اليوم ثم تتراجع الحاجة إليه بعد سنوات. نحن لا نريد أن ننتج خريجاً مناسباً لسوق اليوم فقط، وإنما خريجاً قادراً على التعامل مع سوق الغد.

ومن هنا فإن المواءمة بين التعليم وسوق العمل ضرورة، لكنها لا تعني أن تتحول الجامعة إلى مؤسسة تستجيب للطلب الحالي فقط؛ فالجامعة مسؤولة أيضاً عن إنتاج المعرفة، وحماية التخصصات العلمية والإنسانية، وفتح مجالات البحث والتفكير، وبناء شخصية قادرة على فهم التحولات المقبلة والمشاركة في صناعتها.

وفي تقديري، فإن الخطر الحقيقي ليس في كثرة الخريجين وحدها، وإنما في أن نخرج أعداداً كبيرة بشهادات لا تسندها معرفة ومهارة حقيقية.

فزيادة أعداد المقبولين ليست إنجازاً إذا خرجوا إلى سوق العمل من دون كفاءة، وتقليل أعداد المقبولين ليس نجاحاً إذا بقيت جودة التعليم على حالها.

ولهذا أميل إلى تغيير السؤال الذي اعتدنا طرحه. بدلاً من أن نسأل فقط: "هل هذا التخصص مشبع؟"، لنسأل: "هل هذا البرنامج يخرج إنساناً قادراً على المنافسة والابتكار؟".

وبدل أن نقول للطالب: "لا تدرس هذا التخصص لأنه مشبع"، فلنقل له: اعرف الواقع، ثم اختر، وكن مستعداً لأن تضيف إلى تخصصك ما يجعلك مختلفاً.

فقد يكون التخصص مزدحماً، لكن الخريج الكفؤ لا يكون فائضاً. وقد يكون التخصص مطلوباً، لكن الشهادة التي لا تسندها الكفاءة لا تصنع فرصة.

وهنا يجب أن يتجه النقاش الحقيقي حول التعليم العالي إلى بناء منظومة متكاملة تجعل الطالب يعرف، والجامعة تطور، والدولة تخطط بمؤشرات واضحة ومساءلة حقيقية، وسوق العمل يشارك بفعالية.

فالجامعة ليست مصنعاً لإنتاج الشهادات، والشهادة ليست ورقة تثبت مرور السنوات؛ إنها وعد بالمعرفة والكفاءة، والخريج هو الذي يثبت قيمة هذا الوعد.
ولذلك ربما آن الأوان أن ننتقل من سؤال:

"كم خريجاً نُخرج؟"

إلى سؤال أكثر أهمية:

"أي خريج نُخرج؟"

فاستثمارنا الحقيقي ليس في عدد المقاعد التي نفتحها، بل في العقول التي تعبر منها؛ لأن المستقبل لن يقيس نجاحنا بعدد الشهادات التي أصدرناها، وإنما بقيمة الخريجين الذين حملوها، وبقدرتهم على أن يكونوا جزءاً من صناعة المستقبل لا مجرد باحثين عن مكان فيه.
والله الموفق.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم