محمد مطلب المجالي يكتب: الأردن .. حين تصبح الواسطة نظاماً غير مكتوب

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 20118
محمد مطلب المجالي يكتب: الأردن ..  حين تصبح الواسطة نظاماً غير مكتوب
محمد مطلب المجالي

محمد مطلب المجالي

لدينا حكاية طريفة ومؤلمة في آنٍ واحد: نختلف على كل شيء، ثم نتفق أن المشكلة في الظروف! فإذا ارتفعت الأسعار قلنا أزمة عالمية، وإذا تعثرت المشاريع قلنا التمويل، وإذا غابت الوظيفة قيل: اصبر، وإذا سأل المواطن عن الواسطة قيل له: «لا واسطة»... ثم تظهر الواسطة فجأة وكأنها اكتشاف نفطي جديد!
لكن الحكاية لا تتوقف عند الوظائف والمناصب؛ حتى المقالات لم تسلم من الواسطة!
فإذا كان المحرر يعرفك، وجد مقالك طريقه إلى زاوية مقروءة، وربما حظي بمكان يليق به؛ أما إذا كان لا يعرفك، فقد ينتهي به المطاف في زاوية «رسائل إلى المحرر»... دحشاً ورفع عتب!
وهنا يحق لنا أن نسأل: هل قيمة المقال في فكرته، أم في اسم كاتبه وعلاقته بالمحرر؟
القلم لا يحتاج واسطة، والفكرة لا تحتاج معرفة شخصية؛ تحتاج فقط إلى محرر يحترم الكلمة، ويؤمن أن المقال الجيد يفرض نفسه، لا صاحبه.
والمشكلة ذاتها تمتد إلى الوظائف والمناصب. فالمواطن لا يريد المستحيل؛ يريد فرصة عادلة، وخدمة محترمة، ودولة لا يحتاج فيها حقه إلى «معرفة فلان».
لا وظيفة إلا للكفاءة، ولا منصب إلا للجدارة، ولا مسؤولية إلا لمن يستطيع حملها.
أما أن تصبح المناصب جوائز ترضية، أو أن نبحث عن الشخص المناسب بعد أن نحدد اسم الشخص أولاً، فهذه ليست إدارة دولة... هذه إدارة مضافة!
والواسطة حين تدخل من الباب، تخرج الكفاءة من النافذة.
نريد اقتصاداً ينتج فرص العمل، لا اقتصاداً يشرح لنا لماذا لا توجد فرص. ونريد استثماراً لا يموت بين المكاتب والأختام وعبارة «راجعنا الأسبوع القادم».
ونريد إعلاماً يفتح أبوابه للفكرة، لا للاسم؛ فالصحافة التي تقيس قيمة المقال بعلاقة كاتبه، تظلم القارئ قبل أن تظلم الكاتب.
وفي السياسة، نريد أحزاباً ببرامج، ونواباً يحملون همّ الناس، ومساءلة لا تتوقف عند حدود الخطابات.
لكن علينا أن نفرق بين الوطن والمسؤول؛ فالدفاع عن الأردن لا يعني التصفيق لكل مسؤول، ونقد المسؤول لا يعني معاداة الوطن.
نحن مع الدولة، لكن ضد الترهل.
مع الإصلاح، لكن نريد إصلاحاً يصل إلى المواطن.
مع الاستثمار، لكن نريد بيئة تحترم المستثمر.
ومع المسؤول، إذا كان كفؤاً، وضده إذا أخطأ.
الأردن لا يحتاج إلى مزيد من الكلام؛ يحتاج إلى شجاعة القرار.
يحتاج مسؤولاً يقول: هذا الرجل كفؤ ولو لم أعرفه، وهذا المشروع فاشل ولو كان وراءه أصحاب نفوذ، وهذا المقصر يجب أن يحاسب ولو كان من المقربين.
فالأوطان لا تتعب دائماً بسبب أعدائها؛ أحياناً تتعبها أخطاؤها الصغيرة حين تتراكم، ويصبح الخطأ عرفاً، والواسطة نظاماً غير مكتوب، والتقصير وجهة نظر.
وأخطر ما في الواسطة أنها لا تقتل العدالة فقط، بل تقتل الأمل أيضاً؛ تجعل المجتهد يسأل: لماذا أتعب إذا كان غيري يصل قبلي لأنه يعرف شخصاً يعرف شخصاً؟
الأردن أكبر من ذلك، ويستحق إدارة وإعلاماً ومؤسسات بحجم تضحيات أبنائه.
فالبلد الذي نحبه لا يحتاج إلى مجاملاتنا... يحتاج إلى صدقنا.
والحقيقة، مهما كانت قاسية، أرحم من مجاملةٍ تُبقي الخطأ حتى يصبح أزمة.
أما المقال الذي يُدحش في آخر الصف لأن صاحبه «غير معروف»، فليكن السؤال الأخير:
هل نريد صحافة تُنصف الكلمة، أم صحافة تُنصف المعرفة؟
دعوا المقال يتقدم بفكرته، واتركوا اسم صاحبه خلفه؛ فالكلمة الحرة لا تحتاج واسطة، والمقال الجيد لا يحتاج "معرفة المحرر.". محمد مطلب المجالي.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم