د. دانييلا القرعان تكتب: التوجيهي الجديد: إصلاح أم تجربة مستوردة لم تكتمل شروطها؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13267
د. دانييلا القرعان تكتب: التوجيهي الجديد: إصلاح أم تجربة مستوردة لم تكتمل شروطها؟
د. دانييلا القرعان

د. دانييلا القرعان

لم تعد قضية التوجيهي الأردني مجرد نقاش حول صعوبة الأسئلة أو نتائج الطلبة، ما يجري أعمق من ذلك؛ فالأردن يعيش ومنذ عام 2024 انتقالًا من نموذج الثانوية التقليدي الذي ظل مستقراً لعقود إلى نموذج يقوم على توزيع التقييم على مرحلتين وإدخال حقول ومسارات، وتقليل تركيز مستقبل الطالب في امتحان واحد ولذلك فإن الضجة الحالية وخصوصاً الاعتراضات النيابية ليست ضروري اعتراض على فكرة التطوير نفسها، بقدر بأنها اعتراض على طريقة الانتقال، وتعدد التعديلات، وعدم وضوح القواعد واستقرار الحالة بالنسبة للطلبة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل اخترع الأردن هذا النموذج من الصفر، أم أنه استعار أفكاراً من تجارب تعليمية دولية؟ الحقيقة أن النظام الجديد ليس اختراعاً أردنياً خالصاً، وبالوقت نفسه هو ليس نسخة طبق أصل عن نظام دولة أخرى بل أقرب إلى نموذج أردني هجين استلهم اتجاهات موجودة في أنظمة تعليمية مختلفة ثم حاول دمجها داخل خصوصية التوجيهي الأردني، هنا برأيي تبدأ المشكلة الحقيقية، فكرة ألا يكون مستقبل الطالب متعلقاً بامتحان نهائي واحد ليست جديدة، فكرة أن تمتد المرحلة الثانوية لعامين وأن يختار الطالب مواد أكثر ارتباطاً بميوله وتوجهه، موجودة في أنظمة دولية منذ سنوات طويلة.

خذ مثلًا النموذج البريطاني A-Level؛ فالطالب في هذه المرحلة يركز على عدد محدد من المواد الأكاديمية وتوجد ترتيبات رسمية مستقلة لكل مادة وامتحاناتها ومتطلباتها. أما البكالوريا الدولية IB فهي أوضح في هذا الجانب؛ هي برنامج مدته عامان للفئة العمرية 16–19 عاماً يختار الطالب 6 مجالات دراسية إلى جانب مواد أساسية، ويجمع التقييم بين الامتحان الخارجي وأعمال التقييم الداخلي في عدد من المواد، لكن هنا يجب الانتباه لفرق جوهري: الأردن لم يستنسخ A-Level ولا IB.

في بريطانيا الطالب يدخل أصلًا منظومة تعليمية مختلفة، والمواد التي يختارها جزء من فلسفة تعليمية كاملة تمتد إلى الجامعات وآليات القبول، وفي البكالوريا الدولية، لا يتوقف الأمر عند تقسيم الدراسة أو اختيار المواد؛ لأن هناك فلسفة متكاملة وتشمل البحث المستقل ونظرية المعرفة ومهارات التفكير والعمل المجتمعي، مع التقييم الداخلي والخارجي، هذا يقودنا إلى النموذج الثالث فنلندا التي لديها أيضاً امتحان شهادة ثانوية، لكن الثانوية العليا هناك تمتد عادة 3 سنوات، ويمكن للطالب إنجاز متطلبات البرنامج في فترة بين سنتين وأربع سنوات، ثم يتقدم في نهاية التعليم الثانوي لامتحان الثانوية المعروف بـ Matriculation Examination.

إذن إذا أردنا أن نضع التجربة الأردنية على الخريطة الدولية يمكن القول إن الأردن أخذ من الفلسفة العالمية الحديثة عدة أفكار: هي تخفيف مركزية الامتحان الواحد، وتوزيع التقييم، وإعطاء الطالب قدراً أكبر من الاختيار والتخصص، وربط التعليم الثانوي بمساره المستقبلي، حاول الأردن أن يفعل ذلك مع الإبقاء على شيء شديد الخصوصية وهو التوجيهي الأردني بوصفه شهادة وطنية موحدة وبوصف علامته مدخلاً رئيسياً إلى القبول الجامعي.

وهنا تحديداً تظهر المعضلة، ففي بريطانيا أو البكالوريا الدولية، ليست الفكرة مجرد "تغيير الامتحان"، فهناك منظومة كاملة من المناهج والتقييم والتوجيه المدرسي والقبول الجامعي مبنية حول النموذج أما في الأردن فقد تغير شكل الثانوية بسرعة بينما بقيت لدى المجتمع والجامعات والأسرة ثقافة قديمة راسخة، "كم جبت في التوجيهي؟" و"أي تخصص تستطيع أن تدخل؟" لذا فإن الطالب الأردني يجد نفسه في منطقة وسطى: نظام ثانوي جديد، لكن ضغط القبول الجامعي ومكانة العلامة ما زالا قريبين جداً من النموذج القديم. من هنا نفهم لماذا لا يكفي أن نقول: إن "النظام الجديد مأخوذ من تجارب ناجحة"، فإذا أخذنا من نظام أجنبي فكرة تقسيم التقييم، علينا أن نسأل: هل لدينا المعلم المدرب على التقييم المستمر؟ هل لدينا بنية مدرسية قادرة على توجيه الطالب لاختيار مساره؟ هل يستطيع الطالب تغيير مساره إذا اكتشف أن اختياره الأول لم يكن مناسباً؟ هل الجامعات مستعدة لاستيعاب الطريقة الجديدة بإحتساب النتائج؟ هل الأهل والطلبة يعرفون القواعد قبل بدء المرحلة، لا أثناءها؟ وهذه الأسئلة هي التي تجعل الاعتراض النيابي مفهوماً، فمجلس النواب لا يملك أن يعترض على كل تغيير لمجرد أنه تغيير؛ الإصلاح التربوي ضرورة، لكن من حق النواب أن يسألوا: هل جرى اختبار النموذج الأردني قبل تطبيقه على نطاق واسع؟ وهل أُعلنت قواعده بصورة نهائية ومستقرة؟ وهل التعديلات اللاحقة تعني أن النظام كان مدروساً بالكامل أم أنه ما زال قيد التجربة؟ الأخطر في امتحان مصيري كالتوجيهي هو أن يكون الطالب هو الذي يتحمل كلفة التجربة، فالطالب الذي بدأ المرحلة الثانوية على قاعدة معينة يريد أن يعرف منذ البداية: ما المواد التي سأدرسها؟ ما الذي سيمتحن؟ كم وزن كل سنة؟ كيف يحسب المعدل؟ ما الحقل الذي أختاره؟ وما التخصصات التي يمكن أن أصل إليها؟ فإذا تغيرت الإجابات أثناء الطريق، فإن المشكلة لا تعود تربوية فقط، بل تصبح مسألة عدالة واستقرار تشريعي وإداري، وهنا يمكن فهم سبب ارتفاع صوت النواب والأهالي، فالاعتراض الحقيقي ليس بالضرورة: "أعيدوا التوجيهي القديم"، قد يكون الاعتراض الأكثر عمقاً: إذا أردتم تغيير التوجيهي، فغيروه على أساس علمي واضح، وأعلنوا قواعد اللعبة مسبقاً ثم اتركوا أبناءنا يلعبون بها دون تغيير أثناء المباراة. ومن الإنصاف أيضاً ألا نحكم على التجربة الجديدة بالفشل لمجرد أن انتقالها أحدث ارتباكاً، فالنظام القديم يعاني مشكلات حقيقية: الضغط النفسي الشديد، مركزية العلامة، ثقافة دروس الخصوصي وتحويل مستقبل الطالب إلى أسابيع قليلة من الامتحانات، كما أن الاتجاه نحو تقييم أكثر تنوعاً ليس بدعة أردنية؛ حتى البكالوريا الدولية، رغم اعتمادها الكبير على الامتحانات الخارجية، تستخدم إلى جانبها أعمال تقييمات داخلية ومشروعات وتحقيقات وأشكالاً متعددة من قياس المهارات لكن الإصلاح التربوي لا يقاس بحداثة المصطلحات التي يحملها، وإنما بقدرته على العمل في البيئة التي طُبق فيها، لهذا السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم في الأردن: هل التوجيهي الجديد أفضل أم القديم أفضل؟ للإجابة علينا أن نصبر على الإصلاح ونقيمه علمياً لا انفعالاً ونعتبر اعتراض النواب مجرد اعتراض سياسي، وفي تقديري، فإن الأردن لا يحتاج إلى العودة إلى التوجيهي القديم، كما أنه لا يحتاج إلى تقليد بريطانيا أو فنلندا أو البكالوريا الدولية، كل ما يحتاجه هو نظام أردني مستقر، واضح القواعد، مبني على تجارب دولية لكن غير تابع لها، والأهم أن يُعلن للطالب قبل أن يبدأ رحلته، لا أن تتغير الخريطة وهو في منتصف الطريق، ربما هذه هي العقدة الأساس في الضجة الحالية لأن الناس لا تخاف من الإصلاح بقدر ما تخاف من عدم استقراره.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم