د.م. أمجد عودة الشباطات يكتب: ما بعد زيارة الصين: كيف تتحول أطر التعاون إلى محفظة استثمارية؟

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 6738
د.م. أمجد عودة الشباطات يكتب: ما بعد زيارة الصين: كيف تتحول أطر التعاون إلى محفظة استثمارية؟
د.م. أمجد عودة الشباطات

د.م. أمجد عودة الشباطات

تمثل زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين تطورًا مهمًا في الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، في ظل الحاجة إلى تنويع العلاقات الاقتصادية الأردنية وتوسيعها باتجاه قوى إنتاجية وتكنولوجية كبرى. وللزيارة أبعاد سياسية وإقليمية مهمة، إلا أن هذه القراءة تركز على بعدها الاقتصادي والتنموي، وعلى المتطلبات المؤسسية اللازمة للبناء على مخرجاتها.

شملت المخرجات المعلنة اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاقتصاد الرقمي، والتجارة الإلكترونية، والطاقة، والمعادن، والصناعة وسلاسل التوريد، والطيران، والسياحة، والعلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى منحة تنموية بقيمة تقارب 14.7 مليون دولار و800 فرصة تدريب للحكومة الأردنية.

وبحسب المعلومات المنشورة، لم تتضمن المخرجات حتى الآن استثمارات جديدة محددة بقيم رأسمالية ومواقع ومصادر تمويل وجداول تنفيذ وأهداف تشغيلية. وهذا لا ينتقص من أهمية الزيارة، لكنه يحدد بدقة المرحلة التي وصل إليها التعاون: بناء الأطر المؤسسية وفتح مجالات العمل، وليس بعدُ تشكيل محفظة مشروعات استثمارية قابلة للتنفيذ.

الانتقال بين المرحلتين لا يحدث تلقائيًا. فمذكرات التفاهم تحدد مجالات التعاون، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي تسبق القرار الاستثماري: ما المشروع المقترح؟ أين سينفذ؟ ما حجم الطلب المتوقع؟ ما وضع الأرض والبنية التحتية؟ ما المتطلبات التنظيمية؟ ما مصدر التمويل؟ وما العائد المتوقع للمستثمر وللاقتصاد الوطني؟

لذلك، أرى أن التعامل مع مخرجات الزيارة يتطلب مسارين متكاملين.

المسار الأول هو إدارة تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، من خلال تحديد جهة مسؤولة عن كل وثيقة، ومخرجات مطلوبة، ومواعيد محددة، ومؤشرات تقدم، وآلية دورية لمعالجة التعثر. والهدف هنا ألا تبقى المتابعة عند مستوى الاجتماعات وتبادل الزيارات، بل تنتقل إلى نتائج قابلة للقياس، مثل فتح خط جوي، أو تسهيل نفاذ منتج أردني إلى السوق الصينية، أو إطلاق برنامج لنقل التكنولوجيا، أو تطوير مشروع استثماري محدد.

أما المسار الثاني، وهو الأكثر ارتباطًا بالتنمية، فيتمثل في بناء خط متكامل للفرص الاستثمارية القابلة للتطوير Investment Pipeline. فالشركات الصينية التي التقاها جلالة الملك تعمل في مجالات متعددة، لكن تحويل اهتمامها العام بالأردن إلى قرار استثماري يتطلب تقديم فرص مدروسة ومهيأة، وليس قوائم واسعة من الأفكار أو القطاعات.

ويتطلب ذلك إخضاع كل فرصة لثلاثة اختبارات مترابطة:

أولًا: اختبار الجاهزية الاستثمارية.
ويشمل وضع الأرض، والتراخيص، والطاقة، والمياه، والنقل، والاتصالات، والعمالة، والموردين، والقدرة المؤسسية على خدمة المستثمر. ولا يكفي أن تكون الموارد متوافرة؛ المطلوب معرفة ما إذا كان من الممكن تحويلها إلى مشروع ضمن وقت وكلفة ومستوى مخاطر مقبول.

ثانيًا: اختبار ملاءمة المستثمر.
فليس كل مستثمر مناسبًا لكل فرصة. يجب تحديد نوع الشركات المستهدفة، وقدراتها التقنية والمالية، والأسواق التي تخدمها، وما إذا كانت تبحث عن الإنتاج المحلي أو التصدير أو الوصول إلى أسواق إقليمية. وبذلك يصبح الترويج موجهًا إلى شركات محددة بدل الاكتفاء بعرض عام للفرص.

ثالثًا: اختبار صافي المنفعة الوطنية.
لا ينبغي تقييم الاستثمار بحجمه الرأسمالي فقط. المطلوب احتساب الوظائف الأردنية ونوعيتها، والصادرات، والمشتريات المحلية، والقيمة المضافة، والضرائب الفعلية، ونقل التكنولوجيا والمهارات، مقابل الإعفاءات، وكلفة البنية التحتية، والضمانات، والالتزامات المحتملة على الخزينة، والآثار البيئية واستهلاك المياه والطاقة.

هذا الاختبار مهم عند تصميم الحوافز؛ إذ يفترض أن ترتبط الحوافز بالنتائج التي يحققها المشروع، لا بمجرد تسجيل الاستثمار أو الإعلان عن قيمته. ويمكن أن ترتبط بمؤشرات مثل عدد الوظائف ونوعية الأجور، وحجم الصادرات، ونسبة المشتريات المحلية، وبرامج التدريب، ونقل المعرفة، والإنفاق على البحث والتطوير.

وفي هذا الإطار، يصبح للإدارات والقيادات التنفيذية في المحافظات دور أساسي. فالجهات المركزية مسؤولة عن العلاقات الدولية، والسياسات الاستثمارية، والتشريعات، والتفاوض على الأطر العامة، بينما يفترض أن تتولى الجهات المحلية بناء المعرفة التفصيلية بالمكان وموارده واحتياجاته وفجواته.

المطلوب من كل محافظة إعداد ملف استثماري تنفيذي يتضمن عددًا محدودًا من الفرص ذات الأولوية، وأساس اختيارها، والمواقع المقترحة، وحالة البنية التحتية والتراخيص، والعمالة المتاحة، والقطاعات المساندة، والفجوات التي يجب إغلاقها قبل الترويج. كما يتطلب الأمر آلية تنسيق تجمع المحافظة والبلديات ومجلس المحافظة وشركات التطوير والجامعات وغرف الصناعة والتجارة والقطاع الخاص.

ولا يعني ذلك نقل صلاحيات الحكومة المركزية إلى المحافظات، بل بناء مستوى محلي قادر على إعداد الفرص، وتوفير البيانات، وتنسيق الجهات، ومتابعة تجربة المستثمر على الأرض. ومن دون هذا المستوى ستبقى معظم المحافظات في موقع انتظار توزيع المشروعات، بدل المشاركة في صناعتها وتطوير مبرراتها الاقتصادية.

وينطبق ذلك بصورة خاصة على محافظات الجنوب. فمعان والطفيلة والكرك والعقبة لا تشكل سوقًا أو بيئة استثمارية متجانسة، ولا ينبغي تقديمها للمستثمر ضمن خطاب تنموي عام. لكل محافظة مواردها وقيودها وقدراتها المؤسسية، ولذلك يجب تحديد الأنشطة التي تمتلك فيها ميزة حقيقية مقارنة بالمواقع المنافسة.

وفي الوقت نفسه، يمكن التعامل مع الجنوب بوصفه سلسلة قيمة مترابطة: الموارد والطاقة والإنتاج والتدريب في معان والطفيلة والكرك، والتصنيع والخدمات اللوجستية والتصدير عبر العقبة. لكن هذا التصور يحتاج إلى دراسات لسلاسل القيمة، وربط البنية التحتية والمهارات والموردين بالفرص المستهدفة، وليس مجرد توزيع جغرافي للمشروعات.

ومن الناحية المؤسسية، يمكن إنشاء آلية تنفيذ صغيرة ومرنة لمتابعة مخرجات الزيارة، تتولى تحويل مجالات التعاون إلى فرص ومشروعات، وتضم الجهات المركزية والمحلية والقطاع الخاص وفق طبيعة كل فرصة. وتكون مهمتها الأساسية إدارة خط المشروعات، وتحديد المسؤوليات، وقياس الجاهزية، ومتابعة القرارات، وإصدار تقرير دوري يميز بوضوح بين مذكرة التفاهم، والفرصة قيد التطوير، والمشروع قيد التفاوض، والمشروع الذي وصل إلى الإغلاق المالي، والمشروع الذي بدأ التنفيذ والتشغيل.

المعيار الاقتصادي الأهم في المرحلة المقبلة ليس عدد الوثائق الموقعة، بل معدل انتقالها من أطر تعاون عامة إلى مشروعات قابلة للتمويل والتنفيذ، ثم مقدار القيمة التي تضيفها تلك المشروعات إلى الاقتصاد الأردني بعد احتساب كلفتها ومخاطرها.

وبهذا تصبح زيارة الصين نقطة انطلاق لعمل مؤسسي يجمع بين إدارة الاتفاقيات، وتقييم جاهزية المحافظات، وتطوير الفرص، واختيار المستثمر المناسب، وقياس صافي المنفعة الوطنية.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم