لم تعد إدارة الشؤون العامة مجرد مهام روتينية تُنفذ، بل أصبحت اختبارًا يوميًا لمدى كفاءة المسؤولين وقدرتهم على حماية استقرار المجتمعات، غير أن المشهد السائد في كثير من المؤسسات يضعنا أمام ظاهرة مقلقة ومستفزة: إصدار القرار في الصباح، والتراجع عنه في المساء! هذا التخبط اليومي ليس مجرد خطأ إداري عابر، بل هو تشخيص صريح لغياب الدراسات الاستراتيجية وزيف التخطيط ودليل قاطع على ضعف الخبرات الكافية في إدارة الأزمات وقيادة المؤسسات.
إن التراجع المستمر عن القرارات لا يُعبر عن شجاعة أو اعتراف بالخطأ كما يحاول البعض تصويره، بل ينطق بحقيقة واحدة وهي أن القرارات وُلدت ميتة لأنها صُنعت في الغرف المغلقة دون دراسة أثرها على حياة المواطن والأدهى من ذلك أنهم يتعمدون صناعة الأزمات وإرباك الشارع بقرارات هوجاء، ليتسنى لهم الخروج في النهاية بثوب الأبطال الوهميين الذين يتولون إنقاذ الموقف!.
إن التعامل مع مصالح المواطنين وقدراتهم وكأنها مساحة للتجربة والخطأ هو استخفاف غير مقبول بالمسؤولية الوطنية، وكل قرار مُتسرَّع يُسحب لاحقًا يقتطع جزءًا من هيبة الدولة، ويقطع شعرة معاوية بين المواطن ومؤسساته وهذا التسرع والارتجال الممنهج في اتخاذ القرارات المصيرية يُصنفان كأحد أخطر أنواع الفساد الإداري، لأنهما يهدران الطاقات والأوقات والأموال، ويحولان حياة الشعوب إلى مسرحية هزلية يديرها هواة.
هذه الحالة من التخبط والإرباك المؤسسي ليست وليدة المصادفة، ولن تكون مفاجئة لمن يرصد الواقع بدقة، إنها النتيجة الطبيعية والمنطقية لغياب مبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب وحين تُمنح الكراسي والمناصب عبر بوابة الواسطة والمحسوبية على حساب الكفاءة والخبرة، تصبح النتيجة الطبيعية هي عقول عاجزة عن الابتكار، وأيادٍ مرتعشة تبحث عن مصالحها الضيقة عبر صناعة الوهم والأزمات، إن استمرار الاعتماد على هذه المنهجية العقيمة في اختيار القيادات الإدارية لن ينتج عنه سوى المزيد من التقهقر، ولن نرى منه إلا قرارات هشة تنهار عند أول اختبار حقيقي في الميدان.
إن إدارة الشعوب والمجتمعات تقتضي الوعي، والرزانة، وحُسن التقدير، وليس استنزاف طاقات الناس وتخديرهم بالأزمات المصطنعة، لقد حان الوقت لربط المسؤولية بالمحاسبة، بحيث يُحاسب كل مسؤول عن القرارات العشوائية التي تتسبب في إرباك المشهد العام، مع إغلاق منافذ المحسوبية وإسناد القيادات إلى أصحاب الجدارة والخبرة الحقيقية فقط، والاعتماد على مراكز الدراسات وأصحاب الاختصاص قبل إخراج أي قرار إلى النور.
إن الكراسي والقيادة ليست وجاهة يُستعرض بها، بل هي تكليف وأمانة ومن عجز عن صناعة قرار رشيد وتحول إلى صانع أزمات وهمية، فليسحق تحت وطأة مسؤوليته، وعليه أن يترجل ويدع المجال لمن يمتلك الكفاءة والقدرة على خدمة هذا الوطن بشرف وأمانة، فالوطن وشعبه لم يعودوا موضع تجارب في أيدي من لا يدركون ثقل الأمانة ولا يحترمون كرامة المواطن.
وفي ختام هذا المشهد العبثي، وأمام هذا السقوط الإداري المروع، بات واضحًا جليًا أنه لا فرق أبدًا بين خائن يغرد خارج السرب للنيل من هذا الوطن، وبين مسؤول فاشل يعتلي كراسي القرار ليهدمه من الداخل بقراراته المدمرة فكلاهما وجهان لعملة واحدة، ويلتقيان في محطة واحدة هدفها الأوحد إبقاء هذا الشعب رهينة للقلق.
حمى اللهُ الأردنَّ، وطناً عصيّاً على الفساد والتخبط، منيعاً في وجه كل عابث ومرتزق، شامخاً بهمة شعبه الواعي، ورؤية قيادته الحكيمة التي تحفظ العهد والمسار.
الرجاء الانتظار ...
التعليقات