م. نضال الرفايعة يكتب: قيادة استثنائية ترسم للأردن مكانته في عالم متغير

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 8070
م. نضال الرفايعة يكتب: قيادة استثنائية ترسم للأردن مكانته في عالم متغير
م. نضال الرفايعة

م. نضال الرفايعة

في لحظة إقليمية ودولية تتسارع فيها التحولات، وتتبدل فيها موازين القوى، ويصبح الحفاظ على مصالح الدول وأمنها واستقرارها أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، يواصل جلالة الملك عبدالله الثاني قيادة الأردن بمنهج استثنائي يقوم على الحضور الفاعل، والدبلوماسية الهادئة، والقدرة على بناء الشراكات، والدفاع بثبات عن مصالح الأردن وقضاياه وقضايا أمته.

وتأتي الزيارة الملكية إلى جمهورية الصين الشعبية، وما صدر عنها من بيان مشترك، لتؤكد أن السياسة الخارجية الأردنية ليست مجرد رد فعل على الأحداث، وإنما رؤية متقدمة تستشرف المستقبل وتبحث للأردن عن مساحات أوسع من التعاون والشراكة والتأثير.

إن أهمية هذه الزيارة لا تكمن فقط في لقاء جلالة الملك بالرئيس الصيني شي جينبينغ، ولا في حجم الاتفاقيات ومذكرات التعاون التي تم توقيعها، وإنما في الرسالة السياسية والاقتصادية والاستراتيجية الأعمق التي حملتها: الأردن بقيادته يسعى إلى بناء شبكة واسعة ومتوازنة من العلاقات الدولية، تفتح أمام شعبه أبواباً جديدة للتنمية والاستثمار والتكنولوجيا والطاقة والصناعة والسياحة.

الملك… حين تتحول الدبلوماسية إلى قوة للأردن

لقد أثبت جلالة الملك عبدالله الثاني، على مدى سنوات، أن الدبلوماسية الأردنية يمكن أن تكون أداة حقيقية لحماية مصالح الدولة وتعزيز مكانتها.

فالأردن، بحجمه الجغرافي والسكاني وإمكاناته الاقتصادية المحدودة مقارنة بدول كبرى، استطاع أن يحجز لنفسه مكانة مؤثرة في الملفات الإقليمية والدولية، وأن يكون حاضراً في أصعب الأزمات، وصوتاً عقلانياً يدعو إلى السلام والحوار واحترام القانون الدولي.

وهذه المكانة لم تأتِ من فراغ.

إنها ثمرة قيادة تعرف متى تتحدث، وماذا تقول، وكيف تبني جسور التواصل مع القوى الدولية المختلفة دون أن تتخلى عن ثوابتها أو مصالحها الوطنية.

وفي العلاقة مع الصين تحديداً، نشهد اليوم ثمرة سنوات من العمل السياسي والدبلوماسي الذي انتقل بالعلاقات الأردنية الصينية من علاقات صداقة وتعاون إلى شراكة استراتيجية قادرة على إنتاج فرص جديدة للأردن.

من السياسة إلى الاقتصاد… رؤية تتجاوز اللحظة

الأكثر أهمية في البيان الأردني الصيني هو أن التعاون لم يعد محصوراً في الإطار السياسي التقليدي.

هناك توجه واضح نحو الاقتصاد الأخضر، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والطاقة والمعادن، والزراعة، والسياحة، والتعليم، والصحة، وتنمية الموارد البشرية.

وهنا تظهر الرؤية الملكية بصورة أكثر وضوحاً.

فالعالم الذي ندخله اليوم ليس عالم اقتصاد الأمس.

القوة الاقتصادية في المستقبل ستكون للدول التي تمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على الابتكار، والتي تستطيع أن تربط مواردها البشرية بأسواق العالم وسلاسل الإنتاج العالمية.

والأردن يمتلك عناصر مهمة تؤهله لذلك: الإنسان، والموقع الجغرافي، والاستقرار، والكفاءات، والجامعات، والقدرة على بناء الشراكات.

وما تحتاجه هذه العناصر هو فتح الأبواب أمام الاستثمار والتكنولوجيا والأسواق العالمية.

وهذا تحديداً ما تسعى إليه التحركات الملكية.

الصين ليست مجرد شريك تجاري

النظر إلى العلاقة الأردنية الصينية باعتبارها علاقة اقتصادية فقط سيكون تقليلاً من حجمها الحقيقي.

الصين اليوم واحدة من أهم القوى الاقتصادية والتكنولوجية والصناعية في العالم، والتعاون معها يمكن أن يفتح للأردن آفاقاً واسعة في مجالات تتجاوز التجارة التقليدية إلى نقل التكنولوجيا، والتصنيع، والطاقة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية، والتعليم والتدريب.

ومن هنا فإن تعميق الشراكة مع بكين يمثل فرصة استراتيجية للأردن لكي ينتقل من مجرد الاستفادة من المنتجات والخدمات إلى استقطاب المعرفة والاستثمار والخبرة والتكنولوجيا.

والأهم أن هذا التعاون يأتي ضمن سياسة أردنية تقوم على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، وبناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية بما يخدم المصلحة الوطنية.

الملك يحمل قضية فلسطين إلى كل عاصمة

وفي الوقت الذي يفتح فيه الأردن أبواب التعاون الاقتصادي والتنمية، لا يغيب جوهر الموقف الأردني عن التحركات الملكية: فلسطين.

البيان المشترك مع الصين أعاد التأكيد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في غزة، وإدخال المساعدات الإنسانية، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، ودعم وكالة الأونروا، ورفض الإجراءات التي تستهدف الضفة الغربية والقدس الشرقية، والتمسك بحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة الملكية:

أن التنمية لا تعني التخلي عن القضايا الوطنية والقومية، وأن الانفتاح على العالم لا يعني التنازل عن الثوابت.

بل على العكس، كلما توسعت شبكة علاقات الأردن الدولية، ازدادت قدرته على إيصال صوته والدفاع عن مواقفه وبناء الدعم لقضاياه.

الوصاية الهاشمية… حضور تاريخي يتجدد

ومن أبرز ما حمله البيان تأكيد الجانب الصيني دعمه للوصاية الهاشمية التاريخية التي يتولاها جلالة الملك على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، ودورها في الحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم فيها.

وهذا التأكيد ليس تفصيلاً بروتوكولياً.

إنه يعكس أهمية الدور الأردني في حماية هوية القدس ومقدساتها، ويؤكد أن القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن ليست ملفاً سياسياً عابراً، وإنما قضية مرتبطة بالتاريخ والهوية والأمن والاستقرار الإقليمي.

الأردن… صوت العقل في زمن الأزمات

وفي الملفات الإقليمية الأخرى، يواصل الأردن بقيادة جلالة الملك الدعوة إلى الحوار واحترام سيادة الدول ورفض التصعيد، والتمسك بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

وهذا النهج جعل من الأردن دولة تحظى بالاحترام، لأن سياستها الخارجية لا تقوم على الصخب، وإنما على العقلانية والثبات والقدرة على التواصل مع الجميع.

وفي منطقة عاشت وما تزال تعيش على وقع الحروب والأزمات، تبدو هذه السياسة أكثر أهمية من أي وقت مضى.

ما يفعله الملك أبعد من زيارة رسمية

زيارة الصين بين 18 و24 آب 2026 ليست مجرد محطة في جدول الزيارات الملكية.

إنها جزء من مسار طويل لبناء أردن أكثر انفتاحاً على العالم، وأكثر قدرة على جذب الاستثمار، وأكثر ارتباطاً بالاقتصاد العالمي، وأكثر استعداداً للتحولات التكنولوجية القادمة.

وحين نتوقف عند تفاصيل البيان، نجد أن العناوين التي طُرحت هي في جوهرها عناوين مستقبل الأردن:

الاقتصاد الرقمي، الذكاء الاصطناعي، الاقتصاد الأخضر، الطاقة، الصناعة المتقدمة، الزراعة، السياحة، التعليم، الاستثمار، تنمية الموارد البشرية.

وهذا يعني أن الرؤية لا تتعامل فقط مع مشكلات اليوم، وإنما مع شكل الاقتصاد الأردني خلال السنوات والعقود المقبلة.

القيادة التي تعرف قيمة الأردن

ربما تكون أعظم نقاط القوة في التجربة الأردنية أن جلالة الملك يدرك تماماً أن قوة الأردن لا تُقاس بحجمه، وإنما بقدرته على التأثير، وبشبكة علاقاته، وبثقة العالم به، وبالإنسان الأردني الذي يمثل ثروته الأهم.

ولهذا نرى الأردن حاضراً في واشنطن وبكين وبروكسل والعواصم العربية والإسلامية، حاملاً الرسالة نفسها: الأردن دولة مستقرة، معتدلة، منفتحة، قادرة على الشراكة، لكنها في الوقت ذاته متمسكة بسيادتها وثوابتها ومصالحها الوطنية.

إنها معادلة ليست سهلة.

لكنها معادلة نجحت القيادة الأردنية في بنائها عبر سنوات من العمل الهادئ والمتواصل.

خمسون عاماً من العلاقات… وبداية مرحلة جديدة

ومع الاستعداد للاحتفال في عام 2027 بمرور خمسين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية الأردنية الصينية، يبدو أن الطرفين لا يريدان أن تكون المناسبة مجرد احتفال بذكرى تاريخية.

بل يريدان تحويل نصف قرن من الصداقة إلى مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.

وهنا تكمن أهمية ما يقوم به جلالة الملك.

فهو لا ينظر إلى العلاقات الدولية باعتبارها صوراً ومراسم، وإنما باعتبارها أدوات لبناء مستقبل أفضل للأردنيين.

كل اتفاقية يمكن أن تعني استثماراً.

كل شراكة يمكن أن تعني فرصة عمل.

كل تعاون تكنولوجي يمكن أن يعني نقلة نوعية.

كل خط طيران مباشر يمكن أن يعني سياحة واستثماراً وتواصلاً أكبر.

وكل علاقة دولية قوية يمكن أن تعني صوتاً أقوى للأردن في القضايا التي تمس أمنه ومصالحه.

في زمن الكبار… الأردن يحجز مكانه

قد لا يمتلك الأردن النفط الذي تمتلكه بعض الدول، ولا المساحات الشاسعة التي تتمتع بها دول أخرى، ولا حجم الاقتصادات الكبرى.

لكنه يمتلك شيئاً بالغ الأهمية:

قيادة تعرف كيف تجعل من الموقع الجغرافي، والاستقرار السياسي، والإنسان الأردني، والعلاقات الدولية، أدوات قوة حقيقية.

وهذا هو جوهر الجهود الاستثنائية التي يقودها جلالة الملك عبدالله الثاني.

إنها جهود لا تتوقف عند حدود الأردن، ولا تنحصر في ملف واحد.

إنها حركة سياسية ودبلوماسية واقتصادية متكاملة، هدفها أن يبقى الأردن حاضراً، مؤثراً، آمناً، وقادراً على صناعة الفرص في عالم يتغير بسرعة.

وفي النهاية، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد نشاط دبلوماسي مكثف، بل مشروع قيادة لدولة صغيرة في حجمها، كبيرة في دورها، عميقة في رسالتها، وقادرة على أن تكون شريكاً موثوقاً للقوى الكبرى، وصوتاً مسموعاً في قضايا المنطقة والعالم.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم