قد تبدأ الحكاية من شاشة صغيرة، برسالة أو إعلان أو موقع إلكتروني يبدو في ظاهره مجرد وسيلة للتواصل، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه الوسيلة إلى طريق للوصول إلى الإنسان واستغلاله. فالتقنية بحد ذاتها لا تحمل وصف إجرامي، وإنما تكتسب خطورتها من الغاية التي تُستخدم لتحقيقها، وقد تصبح الوسيلة التي تختصر المسافات أداة لتسهيل الدعارة أو الترويج لها أو التحريض عليها أو المساعدة فيها أو استدراج الآخرين إليها. من هنا جاءت المادة (14) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لتضع حداً لاستخدام البيئة الرقمية في هذه الأفعال، وتمنح حماية أشد عندما يتعلق الأمر باستغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره أو من هو مصاب بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.
وتجرّم الفقرة (أ) من المادة (14) استخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو إنشاء موقع إلكتروني، إذا كان ذلك للتسهيل أو الترويج أو التحريض أو المساعدة أو الحض على الدعارة والفجور، أو لإغواء شخص آخر، أو للتعرض للآداب العامة. ويكشف تعدد الأفعال التي أوردها المشرع عن أن التجريم لا يقتصر على من يرتكب الفعل بصورة مباشرة، بل يمتد إلى كل سلوك إلكتروني يسهم في تهيئة الطريق إليه أو الترويج له أو دفع الآخرين نحوه.
ولا يعني ذلك أن استخدام الإنترنت أو إنشاء المواقع الإلكترونية أصبح فعلاً مجرماً بذاته، فهذه الوسائل مشروعة في أصلها، وإنما يتغير وصفها القانوني عندما تُستخدم لتحقيق إحدى الغايات التي حددها النص. وبذلك لا يكفي إثبات استخدام الوسيلة الإلكترونية، بل يجب أن يرتبط هذا الاستخدام بالقصد الذي تطلبه المشرع، وهو ما يميز السلوك المشروع عن السلوك المجرّم.
وقد قرر المشرع لهذه الصورة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر والغرامة التي لا تقل عن (9000) دينار ولا تزيد على (15000) دينار، بما يعكس خطورة توظيف الوسائل الإلكترونية في تسهيل هذه الأفعال أو الترويج لها أو التحريض عليها.
لكن الحماية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ انتقل المشرع في الفقرة (ب) من ذات المادة إلى صورة أشد خطورة عندما يكون استخدام الوسيلة الإلكترونية أو إنشاء الموقع للغايات الواردة في الفقرة (أ) بهدف استغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره أو من هو مصاب بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية في الدعارة. وهنا تتغير طبيعة الخطر، لأن الأمر لم يعد متعلقاً بمجرد مخالفة الآداب العامة أو الترويج أو التحريض، وإنما باستغلال فئات حددها القانون وأحاطها بحماية جزائية مشددة.
وتتطلب هذه الجريمة أن تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية الاستغلال، فلا يكفي مجرد استخدام النظام المعلوماتي أو الشبكة المعلوماتية أو إنشاء الموقع الإلكتروني، وإنما يجب أن تكشف ظروف الواقعة عن أن هذا الاستخدام كان موجهاً نحو استغلال الفئة التي حددها النص. وقد تظهر هذه الغاية من الرسائل الإلكترونية أو الإعلانات أو المحتوى المنشور أو غيرها من الأدلة التي تكشف عن اتجاه إرادة الجاني.
وتبرز خطورة هذه الأفعال في البيئة الرقمية بصورة أكبر، لأن التقنية تتيح سرعة الوصول والتواصل، وقد تُستخدم في استدراج الأشخاص والتأثير فيهم بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة. وتزداد الخطورة عندما يكون المستهدف طفلاً أو شخصاً مصاباً بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية، باعتبار أن المشرع أفرد لهذه الفئات حماية خاصة من الاستغلال.
ولهذا جاء التشديد في المادة (14/ب) واضحاً، فعاقب المشرع على هذه الصورة بالأشغال المؤقتة والغرامة التي لا تقل عن (15000) دينار ولا تزيد على (45000) دينار. وبالنظر إلى جسامة العقوبة المقررة، فإن الجريمة المنصوص عليها في هذه الفقرة تعد جناية وفقاً للتقسيم القانوني للجرائم، وهو ما يكشف بوضوح عن ارتفاع مستوى الخطورة الإجرامية عندما تتحول الوسيلة الإلكترونية إلى أداة لاستغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره أو من هو مصاب بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية في الدعارة.
وتحمل المادة (14) رسالة واضحة للمجتمع مفادها أن استخدام الإنترنت لا يخرج الفعل من نطاق القانون، فالجريمة قد تبدأ برسالة أو إعلان أو حساب أو موقع إلكتروني، وقد تتحول هذه الوسيلة إلى أداة للترويج أو التحريض أو الاستغلال. ولذلك فإن وقوع الفعل عبر وسيلة إلكترونية لا يقلل من خطورته ولا يعفي مرتكبه من المسؤولية، فالقانون يلاحق السلوك غير المشروع سواء وقع في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي.
فالتقنية قد تختصر المسافات، لكنها لا تختصر المسؤولية، وما يبدأ برسالة خلف شاشة قد ينتهي بجريمة ومساءلة جزائية عندما تتحول الوسيلة الرقمية من أداة للتواصل إلى طريق لاستغلال الإنسان.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، لبيان فلسفة المشرع وشرح النصوص القانونية بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي، انطلاقاً من أن المعرفة بالقانون تمثل إحدى أهم وسائل الوقاية من الجريمة.
وتجرّم الفقرة (أ) من المادة (14) استخدام الشبكة المعلوماتية أو تقنية المعلومات أو نظام المعلومات أو إنشاء موقع إلكتروني، إذا كان ذلك للتسهيل أو الترويج أو التحريض أو المساعدة أو الحض على الدعارة والفجور، أو لإغواء شخص آخر، أو للتعرض للآداب العامة. ويكشف تعدد الأفعال التي أوردها المشرع عن أن التجريم لا يقتصر على من يرتكب الفعل بصورة مباشرة، بل يمتد إلى كل سلوك إلكتروني يسهم في تهيئة الطريق إليه أو الترويج له أو دفع الآخرين نحوه.
ولا يعني ذلك أن استخدام الإنترنت أو إنشاء المواقع الإلكترونية أصبح فعلاً مجرماً بذاته، فهذه الوسائل مشروعة في أصلها، وإنما يتغير وصفها القانوني عندما تُستخدم لتحقيق إحدى الغايات التي حددها النص. وبذلك لا يكفي إثبات استخدام الوسيلة الإلكترونية، بل يجب أن يرتبط هذا الاستخدام بالقصد الذي تطلبه المشرع، وهو ما يميز السلوك المشروع عن السلوك المجرّم.
وقد قرر المشرع لهذه الصورة الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر والغرامة التي لا تقل عن (9000) دينار ولا تزيد على (15000) دينار، بما يعكس خطورة توظيف الوسائل الإلكترونية في تسهيل هذه الأفعال أو الترويج لها أو التحريض عليها.
لكن الحماية لا تتوقف عند هذا الحد، إذ انتقل المشرع في الفقرة (ب) من ذات المادة إلى صورة أشد خطورة عندما يكون استخدام الوسيلة الإلكترونية أو إنشاء الموقع للغايات الواردة في الفقرة (أ) بهدف استغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره أو من هو مصاب بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية في الدعارة. وهنا تتغير طبيعة الخطر، لأن الأمر لم يعد متعلقاً بمجرد مخالفة الآداب العامة أو الترويج أو التحريض، وإنما باستغلال فئات حددها القانون وأحاطها بحماية جزائية مشددة.
وتتطلب هذه الجريمة أن تتجه إرادة الجاني إلى تحقيق غاية الاستغلال، فلا يكفي مجرد استخدام النظام المعلوماتي أو الشبكة المعلوماتية أو إنشاء الموقع الإلكتروني، وإنما يجب أن تكشف ظروف الواقعة عن أن هذا الاستخدام كان موجهاً نحو استغلال الفئة التي حددها النص. وقد تظهر هذه الغاية من الرسائل الإلكترونية أو الإعلانات أو المحتوى المنشور أو غيرها من الأدلة التي تكشف عن اتجاه إرادة الجاني.
وتبرز خطورة هذه الأفعال في البيئة الرقمية بصورة أكبر، لأن التقنية تتيح سرعة الوصول والتواصل، وقد تُستخدم في استدراج الأشخاص والتأثير فيهم بعيداً عن أعين الرقابة المباشرة. وتزداد الخطورة عندما يكون المستهدف طفلاً أو شخصاً مصاباً بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية، باعتبار أن المشرع أفرد لهذه الفئات حماية خاصة من الاستغلال.
ولهذا جاء التشديد في المادة (14/ب) واضحاً، فعاقب المشرع على هذه الصورة بالأشغال المؤقتة والغرامة التي لا تقل عن (15000) دينار ولا تزيد على (45000) دينار. وبالنظر إلى جسامة العقوبة المقررة، فإن الجريمة المنصوص عليها في هذه الفقرة تعد جناية وفقاً للتقسيم القانوني للجرائم، وهو ما يكشف بوضوح عن ارتفاع مستوى الخطورة الإجرامية عندما تتحول الوسيلة الإلكترونية إلى أداة لاستغلال من لم يكمل الثامنة عشرة من عمره أو من هو مصاب بمرض نفسي أو بإعاقة عقلية في الدعارة.
وتحمل المادة (14) رسالة واضحة للمجتمع مفادها أن استخدام الإنترنت لا يخرج الفعل من نطاق القانون، فالجريمة قد تبدأ برسالة أو إعلان أو حساب أو موقع إلكتروني، وقد تتحول هذه الوسيلة إلى أداة للترويج أو التحريض أو الاستغلال. ولذلك فإن وقوع الفعل عبر وسيلة إلكترونية لا يقلل من خطورته ولا يعفي مرتكبه من المسؤولية، فالقانون يلاحق السلوك غير المشروع سواء وقع في الواقع أو عبر الفضاء الرقمي.
فالتقنية قد تختصر المسافات، لكنها لا تختصر المسؤولية، وما يبدأ برسالة خلف شاشة قد ينتهي بجريمة ومساءلة جزائية عندما تتحول الوسيلة الرقمية من أداة للتواصل إلى طريق لاستغلال الإنسان.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات