الزعبي يكتب: السويداء وأمن الأردن .. عندما يتحول الجنوب السوري إلى مشروع نفوذ إسرائيلي

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 15123
الزعبي يكتب: السويداء وأمن الأردن ..  عندما يتحول الجنوب السوري إلى مشروع نفوذ إسرائيلي
محمد علي الزعبي

محمد علي الزعبي

السويداء اليوم ليست مجرد أزمة سورية داخلية، إنها اختبار حقيقي لشكل المنطقة التي ستتكوّن على حدود الأردن، والخطورة تبدأ حين تنتقل فكرة «الإدارة الذاتية» من مطلب محلي إلى مشروع انفصال، ثم تُربط بهذا المشروع قوة خارجية تملك أطماعاً أمنية وجغرافية في الجنوب السوري، والأكثر دلالة أن حكمت الهجري قال في مقابلة مع إعلام إسرائيلي إن أبناء السويداء يرون أنفسهم «جزءاً لا يتجزأ من منظومة وجود دولة إسرائيل»، واعتبر إسرائيل الجهة التي يمكن أن تضمن أي ترتيبات مستقبلية، بالتوازي مع طرح الاستقلال الكامل للسويداء.

وهنا لا تعود المسألة متعلقة بتصريح سياسي، بل بما يمكن أن ينتج عنه إذا التقت رغبة الانفصال المحلية مع مشروع النفوذ الإسرائيلي، فإسرائيل تتحرك عسكرياً وسياسياً في الجنوب السوري، وأي منطقة سورية تُنتزع تدريجياً من سلطة الدولة المركزية يمكن أن تتحول إلى مساحة نفوذ دائمة، أو منطقة عازلة، أو ورقة تفاوضية تعيد إسرائيل من خلالها تشكيل البيئة الأمنية المحيطة بها، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن «تضم إسرائيل السويداء» بصورة مباشرة، وإنما أن تُنشأ حولها منظومة نفوذ تجعلها منفصلة عملياً عن دمشق ومرتبطة أمنياً بإسرائيل؛ فهنا يصبح الاحتلال أقل حاجة إلى إعلان رسمي، لأن الوقائع الميدانية تقوم بالمهمة. وقد أدان الأردن الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة واحترام اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.

أما الأردن، فلا يستطيع أن ينظر إلى المسألة من نافذة سورية فقط، فالسويداء تقع في الخاصرة الجنوبية لسوريا، وأي فراغ أمني أو تفكك في هذه المنطقة يعني انتقال الخطر إلى الحدود الأردنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لذلك فإن وحدة الدولة السورية ليست بالنسبة للأردن موقفاً سياسياً فحسب، بل حاجة أمنية استراتيجية، لأن الدولة المركزية القادرة على ضبط جنوبها هي الحاجز الطبيعي أمام الفوضى والتهريب والجماعات العابرة للحدود ومشاريع النفوذ الخارجي، وقد انعكس هذا الإدراك في التعاون الأردني السوري المتزايد، الذي ينظر إلى استقرار الجنوب السوري باعتباره مصلحة مشتركة.

والخلاصة أن المعركة الحقيقية ليست على السويداء وحدها، بل على من يملك قرار الجنوب السوري ومن يرسم مستقبله، وإذا نجحت إسرائيل في تحويل الانقسام الاجتماعي إلى جغرافيا سياسية، والجغرافيا السياسية إلى منطقة نفوذ، فإن الأردن سيكون أمام واقع أمني جديد على حدوده الشمالية، ولهذا فإن حماية أمن المملكة تبدأ من رفض تحويل الجنوب السوري إلى ساحة نفوذ مفتوحة، والتمسك بسوريا موحدة ذات سيادة قادرة على ضبط حدودها؛ لأن أخطر تهديد للأردن ليس دولة سورية قوية ومستقرة، بل جنوب سوري مفكك، تتعدد فيه القوى والولاءات، وتتمدد فيه إسرائيل تحت عناوين الأمن والحماية.

فالحدود لا تحميها الأسلاك وحدها؛ تحميها أيضاً خرائط سياسية مستقرة خلفها،، وما يجري في السويداء اليوم يجب أن يُقرأ في عمّان بهذه القاعدة: كلما اقترب مشروع التفكيك من الحدود الأردنية، أصبح أمن الأردن جزءاً من المعركة على مستقبل الجنوب السوري.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم