الطوة يكتب: الرفيق الذي لم تبتلعه السلطة

منذ 52 دقيقة
المشاهدات : 7182
الطوة يكتب: الرفيق الذي لم تبتلعه السلطة
يوسف الطورة

يوسف الطورة

على غير عادتي تابعت كلمة العين خالد الكلالدة في مجلس الأمة، ولم أجد ما هو أجمل وأصدق من مداخلة كانت بمثابة مرافعة، وإقامة للحجة، وإبراء للذمة، وانحياز للوطن، وفي هذا كفاية.

الوطن مملوء بالوعود يا خالد، لكن الوعود لا تملأ البطون، ولا تبني الأوطان.

هذا ليس مقالاً بل مرافعة؛ مرافعة حين تلتبس علينا المهنة من المبدأ، وحين نكتشف أن ثمة فارقاً بين اليسار واليساري، وبين أن يكون اليسار أيديولوجيا ومنهج حياة، وبين القتال على "نصل" المبدأ، والمعرفة المتحررة من قيود السلطة وترفها.

كنا نظن وافهمونا في طفولتنا أن الظن عند العرب بمعنى اليقين، وكنا على يقين أن اليسار الصحيفة حين تصدر بلا مقص رقيب، شارع تسمع نبضه، والشعب حين يصعد سلم الفجر من دون طمس للرؤية أو خوف من السلطة.

كنا نعتقد أن اليسار هو كل هذا قبل اليقين أن اليساري ليس بالضرورة أن يحمل كل هذه القيم، ولا حتى بعضها، فثمة من ارتدى اليسار ثم صار موظفاً في خدمة السلطة، ليثبت بالقول والفعل أن اليسار شيء، واليساري شيء آخر، وأن الرفيق المعتق بالمبادئ أمر مختلف تماماً.

ألا تذكر، ومن يعرف مثلكم كيف أفاقت سايغون على زحف الرفاق وانتصارهم؟ لكن يبدو أن بعض الرفاق قرأوا التاريخ من الجهة التي تناسبهم؛ فحين وصلوا إلى السلطة لم يعودوا يرون في النصر سوى مرسيدس وكرسي، وفي المبدأ سوى وسيلة، وفي الرفاق سوى طريق إلى المنصب.

في السلطة أيضا هناك من يقرأ جيدا ويدرك المعنى بكل ما تحمل المفاهيم من المعنى تمام الوضوح، تماما مثل البراندي حين يتحرر من كل كؤوس الرفاق، أو دخان سيجار ينطلق إلى مدى اللامحدود من فم رفيق ظن عبثا أن الدولة محطة والمناصب هواية استرخاء شاطئية.

كنا نظن أن "براغماتية" البعض هي ذاتها الانتهازية السياسية التي لطالما مقتناها، كانوا يتذرعون بالمبدأ في العلن، ويمارسون في الخفاء أكثر صور الانتهازية انحطاطاً.

وأذكر جيداً الفكرة التي كانت تقول إن الفتيان الذين أنجبهم اليسار سيكبرون وهم أكثر تمسكاً بالمبادئ، قبل أن يظهر لنا نموذج آخر وظيفة اسمها "يساري" ولكن من دون يسار، ورفاق يدعون على وليمة منسف عرمرمية، أو على وعود السلطة، وما أكثر المفتوحة شهيتهم.

يبدو أن البعض لم يقرأ التجربة جيداً، حتى أصبح الشك يقيناً بأن تروتسكي كان مصدراً، وأن الوثائق السرية قد تكشف يوماً أن غيفارا كان يتلقى تمويلاً، وأن الرفيق يمكن أن يصبح وزيراً بعد أن يخرج من الخدمة الوظيفية بالمعلولية.

هكذا أصبحت المبادئ مشروعاً، واستبدل زهد اليساري بترف المسؤولية، وبرر البعض لنفسه مرسيدس السلطة، واستبدل نقل الكتف إلى الكتف بربطة عنق هيرمز، واستبدل زيت السراج بالهواء، ظناً أن الأخير يمنح صاحبه مزيداً من الوميض.

لست أكتب هذا هجوماً وإنما هي "غضبة"؛ غضبة ألقيها قميصاً قد من كل اتجاه، على من التحقوا بترف المسؤولية وشهية السلطة، واستبدلوا المبادئ بالذرائع، أو استبدلوا الذرائع بالمبادئ.

وللرفاق ممن التحفوا الزهدا وظلوا أوفياء للمبدأ ممن لم تغويهم السلطة ولم تغيرهم كراسيها، سنسترد الوجع ولو بعد حين.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم