يوسف الطورة يكتب: التهدئة في عمان .. دمشق بين أنقرة وتل أبيب وواشنطن: أين القرار السوري؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 11703
يوسف الطورة يكتب: التهدئة في عمان ..  دمشق بين أنقرة وتل أبيب وواشنطن: أين القرار السوري؟
يوسف الطورة

يوسف الطورة

لم تعد غارة أبو الظهور مجرد حادثة عسكرية، ولا مجرد خلاف بين دمشق وتل أبيب حول منشأة جوية، ما جرى كشف عن صراع أوسع على شكل سوريا الجديدة، وعلى من يملك حق رسم حدودها الأمنية والعسكرية دمشق، أم أنقرة، أم تل أبيب، أم واشنطن؟.

فيما تبحث دمشق عن مكان لقرارها السيادي، يحمل لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع مدير الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في عمان، بوساطة أميركية واستضافة أردنية في حد ذاته دلالة تتجاوز تفاصيل الاجتماع.

فحين تنتقل أزمة بدأت بقصف قاعدة جوية إلى طاولة لقاء أمني رفيع، فهذا يعني أن الطرفين أدركا أن استمرار التصعيد قد يقودهما إلى مساحة لا يريدها أي منهما.

حين تحتاج دمشق إلى طمأنة تل أبيب بأن قوات تركية لن تتمركز على أراضيها، يصبح واضحاً أن المشكلة لم تعد في القاعدة وحدها، بل في طبيعة الدولة التي يجري بناؤها.

وفي وسط هذه المعادلة تقف دمشق أمام الحقيقة الأصعب، إعادة بناء الدولة أصعب من إسقاط النظام.

قد يكون اللقاء ضرورياً لتجنب الحرب، لكن ضرورته في حد ذاتها تكشف هشاشة المشهد، وبين الروايتين تكمن المشكلة الحقيقية من يقرر مستقبل المؤسسة العسكرية السورية؟.

إسرائيل تريد سوريا ضعيفة عسكرياً بلا جيش قوي، وبلا دفاع جوي قادر على إزعاج طائراتها، وبلا تحالفات عسكرية يمكن أن تقيد حريتها في ضرب الداخل السوري متى أرادت.

وتركيا تريد سوريا لا تتحول إلى مصدر تهديد لأمنها، لكنها في الوقت نفسه تريد نفوذاً عسكرياً وأمنياً واسعاً يناسب مع دورها المتنامي في سوريا، والولايات المتحدة تريد إدارة هذا التوازن دون أن تدفع ثمن انفجاره.

أما دمشق فمن الطبيعي أن ترى أن استعادة الدولة تعني قبل كل شيء، إعادة بناء جيشها ومؤسساتها الأمنية والدفاعية، وهنا يصبح أبو الظهور أكثر من قاعدة جوية.

إنه عنوان للصراع على السيادة السورية، دمشق الجديدة تواجه واقعاً أكثر تعقيداً، في بيئة إقليمية مزدحمة بالمصالح والنفوذ، فيما تبقى دمشق أمام مهمة شاقة تتمثل في استعادة قرارها السيادي تدريجياً.

ولهذا فإن اختيار عمان مكاناً للقاء ليس تفصيلاً بروتوكولياً، الأردن يعرف جيداً أن أي انفلات أمني على حدوده الشمالية لن يبقى شأناً سورياً إسرائيلياً.

فاستقرار الجنوب السوري جزء من الأمن الأردني، وأي مواجهة تتوسع بين إسرائيل وتركيا أو بين إسرائيل ودمشق قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها.

أما اختيار مسؤول من الموساد للقاء الشيباني على رأس وفد أمني سوري فيشير إلى أن الملف المطروح ليس سياسياً فقط بل أمني بامتياز، فالطرفان يريدان معرفة حدود الآخر، وربما الأهم وضع قواعد اشتباك سياسية وأمنية تمنع تكرار ما حدث في أبو الظهور.

فالأزمات أحياناً تفرض على الأطراف أن تتحدث عندما تفشل البيانات في تحقيق شيء، وإذا تمكنت دمشق وتل أبيب من تحويل حادثة أبو الظهور إلى تفاهمات واضحة، فقد يكون ذلك بداية لترتيب أكثر استقراراً للعلاقة بينهما، حتى وإن بقي الخلاف قائماً حول قضايا جوهرية.

لكن الخطر الأكبر يكمن في أن تتحول سوريا إلى ساحة تتقاطع فيها الخطوط الحمراء للدول الأخرى، بينما تتراجع قدرة الدولة السورية على تحديد ما يجري فوق أرضها.

فإذا كانت إسرائيل تقصف منشأة سورية لمنع وجود تركي محتمل، وإذا كانت تركيا تتحرك داخل سوريا وفق حساباتها الأمنية، وإذا كانت واشنطن تؤدي دور الوسيط، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى في قلب المشهد هو أين القرار السوري؟.

فالمطلوب في سوريا ليس فقط منع حرب جديدة، وإنما منع أن تصبح التهدئة نفسها شكلاً جديداً من أشكال الوصاية، دمشق تحتاج إلى علاقات متوازنة مع جيرانها، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى استعادة قدرتها على اتخاذ القرار داخل حدودها.

ومن هنا فإن اجتماع الأردن ليس مجرد لقاء لاحتواء أزمة، إنه اختبار مبكر لسوريا الجديدة هل تستطيع دمشق أن تتحول من ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية إلى دولة تتفاوض مع هذه القوى من موقع صاحب القرار؟.

ربما تكون أبو الظهور قد كشفت المشكلة، أما اللقاء في الأردن فقد يكون بداية البحث عن حل، والفارق بين الاثنين هو الفارق بين سوريا تدار من الخارج، وسوريا تبدأ أخيراً في إدارة شؤونها بنفسها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم