من قال إن الخرائط عادلة؟ هي تعرف المساحة ولا تعرف الوزن، تحصي السكان والحدود والدبابات والآبار، ثم تضع الرقم أمام الدولة وكأن التاريخ موظف مساحة! قبل عقود منح شاعر الأردن سليمان المشّيني وطنه لسانًا وقال في رائعته «أنا الأردن»: «أنا والمجدُ والتاريخُ والعلياءُ والظفرُ / رفاقٌ منذُ كان البدءُ والإنسانُ والعُصُرُ». وربما أدرك الشاعر بالفطرة ما لا تتعلمه السياسة إلا بعد أن تدفع أثمانًا باهظة: حجم الدولة شيء، ووزنها شيء آخر. فقبل المملكة الحديثة كانت هذه الأرض طريقًا بين الجزيرة والشام وفلسطين ومصر؛ ومن يعرف المشرق يعرف أن الطريق هنا لم يكن ترابًا تعبره القوافل، بل مالًا وأمنًا وتحالفًا وحربًا وسلامًا. وفي الجنوب خرجت البتراء من قلب الصخر، فحوّل الأنباط شح الماء إلى هندسة، والصحراء إلى عمران، والموقع إلى اقتصاد، كأنهم اكتشفوا مبكرًا قاعدة الدول الذكية: ليس ضروريًا أن تمتلك كل شيء؛ يكفي أحيانًا أن تمتلك ما يحتاج إليه الآخرون. وكانت أرض الأردن في أفق القوافل المتجهة إلى خصب الشام، ثم جاء الإسلام، وما بدا يومًا بعيدًا عن جماعة مستضعفة في مكة أصبح طريقًا تمشي عليه الجيوش. وجاءت مؤتة بأسمائها التي تكفي عن الشرح: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحة، ثم خالد بن الوليد الذي حمل الراية بعد استشهاد القادة الثلاثة. ومن مؤتة إلى اليرموك انتقل خالد من إنقاذ جيش إلى صناعة تاريخ، لكن الأجمل من انتصارات السيف كان ما حدث عندما تغيرت القيادة؛ فقد تولى أبو عبيدة عامر بن الجراح القيادة، وبقي خالد يقاتل. لم يقل: أنا المنتصر فكيف أصبح تحت إمرة غيري؟ ولم يقل أبو عبيدة: أبعدوا خالدًا حتى أبدو قائدًا! اختلف أبو بكر وعمر في تقدير الرجال وإدارة المرحلة، وبقيت الدولة أكبر من الجميع. وهنا درس يصلح لمجلس إدارة كما يصلح لجيش: أن تعرف كيف تقود مهم، وأن تعرف كيف تمتثل عندما تتغير مسؤوليتك أصعب؛ وأن تكون قائدًا لا يخشى الأكفاء أصعب من الاثنين. وحتى مجتمع الشام لم يكن يومها لوحة من لون واحد؛ فقد تداخلت القبائل والمصالح والولاءات، وعرفت مراحل الفتح صورًا من التعاون بين المسلمين وجماعات عربية مسيحية. فالسيف قد يفتح بابًا، لكنه لا يستطيع وحده إدارة البيت. ولهذا حين قال المشّيني: «ها هنا اليرموك هذي مؤتةُ»، لم يكن يصف معركتين؛ كان يفتح كتابًا كاملًا في القيادة والدولة.
ثم ماذا تفعل الأرض عندما يمر عليها ألف عام؟ تحتفظ بطبعها، وإن تغيرت الأسماء. ففي سنة 1910 كانت الكرك تضيق بسياسات الضرائب والتجنيد والإدارة العثمانية، فجاءت هَيّة الكرك؛ و«الهَيّة» في وجدان الناس أبلغ من مصطلحات كثيرة، فالناس ببساطة هبّوا. قاد الشيخ قدر المجالي ومعه شيوخ ووجهاء وأبناء المنطقة جانبًا من المواجهة، ودفع الأهالي ثمنًا قاسيًا من القتل والاعتقال والإعدام، وحفظت الذاكرة المحلية كذلك معركة حدّ الدقيق وغيرها من صور المواجهة. هل انتصرت الهَيّة عسكريًا؟ لا. لكن من قال إن التاريخ يسجل المنتصرين وحدهم؟ هناك معارك تخسرها في الميدان وتربحها في ذاكرة الناس، وكانت هَيّة الكرك تقول قبل الدولة الحديثة إن هنا مجتمعًا يعرف أرضه وقياداته ومصالحه، ويعرف متى يقول: كفى. ثم جاءت الثورة العربية الكبرى، ووصل الأمير عبدالله بن الحسين، وفي سنة 1921 بدأت الحكاية الجديدة: لم تعد المسألة بطولة جماعة أو عشيرة أو مدينة، بل بناء دولة. وهنا يحدث التحول الأصعب في حياة الشعوب؛ فالبطل يستطيع أن ينتصر في يوم، أما المؤسسة فعليها أن تنتصر كل صباح. من بطولة الأفراد إلى انتظام الجيش، ومن نخوة الجماعة إلى القانون، ومن حماية الدار إلى حماية الوطن. ربما لهذا بقي الأردن؛ لأنه لم يحاول إلغاء ماضيه، وإنما أخذ أفضل ما فيه ووضعه داخل مؤسسة. فالدولة في النهاية ليست أن تتخلص من المجتمع، بل أن تجعل طاقته نظامًا.
وجاءت فلسطين، وهنا يصبح الكلام أقل قدرة من الدم على الشهادة. في حرب 1948 كان الجيش العربي يقاتل في القدس واللطرون وباب الواد؛ حابس المجالي هنا، وعبدالله التل هناك، وجنود كثيرون لم تحفظ الصحف أسماءهم لكن حجارة القدس حفظت وقع أقدامهم. ولم تكن القدس للأردن يومها ملفًا على طاولة وزارة الخارجية، بل ميدانًا يدفع فيه الرجال ثمنًا حقيقيًا. ثم جاءت السموع، ثم حزيران 1967، وقاتل جنود الجيش العربي دفاعًا عن القدس والضفة في ظروف عسكرية شديدة القسوة. وبعد أقل من عام، وفي 21 آذار 1968، جاءت الكرامة. وهل كان يمكن للجغرافيا أن تختار اسمًا أكثر بلاغة؟! كانت الروح العربية لا تزال تحت ثقل هزيمة حزيران عندما دخلت القوات الإسرائيلية الأراضي الأردنية، فقاتل الجيش العربي ونظم تحت أمرته مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين الابطال بالأسلحة الخفيفة وانسحبت القوات الإسرائيلية بعد معركة عنيفة. يستطيع المؤرخ العسكري أن يناقش الأرقام والخطط والخسائر كما يشاء، لكن الشعوب كانت بحاجة إلى جملة واحدة: يمكن الوقوف. ولهذا قال المشّيني: «صاغ نصر العرب في يوم الكرامة». ثم استمرت المواجهات في حرب الاستنزاف، وعندما جاءت حرب تشرين 1973 تحركت قوات أردنية إلى الجبهة السورية. من القدس إلى اللطرون، ومن السموع إلى الكرامة، ومن الأغوار إلى الجبهة السورية، تغيرت ساحات النزال وبقي الاسم نفسه: الجيش العربي. ولعل في الاسم وحده شيئًا من العقيدة؛ لم يسمه الأردنيون جيشًا للعزلة، بل جيشًا يحمل اسم الأمة.
أما الحسين بن طلال رحمه الله، فقد عرف مبكرًا الحقيقة التي لا يحبها أصحاب الشعارات: الدول الصغيرة لا تملك رفاهية الأخطاء الكبيرة. الأردن ليس دولة نفط، ولا يملك مساحة العراق ولا سكان مصر ولا موارد القوى الكبرى، فماذا يفعل؟ يقضي عمره في الشكوى مما ينقصه، أم يحوّل ما لديه إلى قوة؟ اختار الثاني. ومن هنا أصبح العقل السياسي موردًا أردنيًا، وأصبح التوازن فنًا: متى تقول نعم، ومتى تقول لا، ومتى تختلف مع حليفك دون أن تحوله إلى عدو، ومتى تغادر الطاولة، والأهم: متى تعود إليها. وظهر ذلك بأقسى صوره في أزمة الكويت سنة 1990. كان اجتياح العراق للكويت عدوانًا على دولة عربية مستقلة وخطأً استراتيجيًا لا يحتاج إلى تبرير، لكن الحسين كان يرى وراء الجريمة سؤالًا آخر: ماذا سيحدث إذا خرج الحل نهائيًا من يد العرب ودخلت جيوش العالم لإعادة ترتيب البيت؟ لم يعترف الأردن بضم الكويت، ودفع باتجاه انسحاب عراقي وحل عربي، واختلف مع الولايات المتحدة وبعض الأشقاء، ودفع ثمن موقفه. ثم جاءت الحرب، ثم الحصار، ثم جاء 2003 وسقط العراق واختل ميزان المشرق. هل كان الحسين يعرف المستقبل؟ بالطبع لا؛ السياسة ليست قراءة فنجان. لكنه كان يعرف الفرق بين السياسي الذي يسأل: ماذا سيحدث مساء اليوم؟ ورجل الدولة الذي يسأل: وماذا عن صباح الغد؟ وفي الشرق الأوسط، كم من قرار بدا منتصرًا مساءً ثم استيقظت المنطقة على فاتورته بعد سنوات!
ثم جاء عام 1997، ودخل الموساد عمّان ليغتال خالد مشعل بمادة سامة. وكانت معاهدة السلام مع إسرائيل قد مضى عليها ثلاثة أعوام، وهنا كان الامتحان الحقيقي للسلام: هل يعني أن يصبح بيتك مباحًا؟ لم يسأل الحسين إن كان يتفق مع مشعل أو يختلف معه؛ الدولة حين تُمس سيادتها لا تسأل أولًا إن كانت تحب الضحية. قُبض على اثنين من عناصر الموساد، وبدأ مشعل يصارع السم، وفجأة وقع الإسرائيليون في المفارقة التي لم تكن في الخطة: دخلوا عمّان ليقتلوه، وأصبح عليهم أن يساعدوا في إنقاذه! طالب الأردن بالترياق، ودخلت واشنطن على خط الأزمة، ووصل العلاج وعاش مشعل. لكن الحساب لم يُغلق؛ خرج الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية، وجاء إلى الأردن للعلاج ثم عاد إلى غزة ضمن تسوية الأزمة. أي خطاب عن السيادة يستطيع أن يكون أبلغ من المشهد؟ دخل الموساد لينهي حياة رجل، فخرج الرجل حيًا، وخرج أحمد ياسين من السجن، وعادت العناصر الإسرائيلية بعد أن دفعت إسرائيل الثمن السياسي لعملية انتهكت السيادة الأردنية. لم يحتج الأردن إلى إطلاق حرب؛ استخدم السيادة والتفاوض والقرار. فالسلام لا يعني أن تسلم جارك نسخة من مفتاح بيتك. وفي هذا شيء من مدرسة الحسين كلها: أن تعرف أوراقك قبل أن ترفع صوتك، وأن تجعل خصمك يدفع من الورقة التي يحتاجها، لا من الورقة التي تحب أنت أن تتحدث عنها.
وجاء الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى العرش والعالم يتغير بسرعة تكاد لا تترك للدول وقتًا لالتقاط أنفاسها: حرب العراق، الإرهاب، الربيع العربي، انهيار دول، الحرب السورية، موجات اللجوء، ثم غزة. جندي قبل أن يصبح ملكًا، ووريث دولة تعرف أن بقاءها ليس انعزالًا عن قضايا الأمة بل شرطًا لكي يبقى لها صوت فيها. واستمر الجيش العربي في الحفاظ على مفهوم القوة العسكرية والتوسع إلى مفهوم آخر؛ الجندي الذي عرف القدس واللطرون والكرامة ارتدى البوريه الزرقاء وذهب في مهمات حفظ السلام، والجيش الذي عرف المستشفى خلف خطوط القتال أخذ المستشفى إلى المحتاجين. مرة تحمي الإنسان بالبندقية، ومرة تحميه بالمشرط. وفي فلسطين وغزة أصبح هذا المعنى مرئيًا: مستشفيات ميدانية، أطباء وممرضون، عمليات جراحية، مساعدات وقوافل وإنزالات جوية. يا لها من دائرة غريبة في التاريخ؛ ذهب الجندي الأردني إلى فلسطين سنة 1948 يحمل البندقية دفاعًا عن القدس، وبعد أكثر من سبعة عقود ما يزال الأردني يذهب إلى فلسطين، لكن بعض جنوده يحملون هذه المرة السماعة الطبية وكيس الدم والمشرط. تغيرت الأداة ولم تتغير الرسالة. وبقيت القدس في قلب الموقف الهاشمي والوصاية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، بينما راهن عبدالله الثاني على العمل قبل القول والخطابات التي ضيعت دول: أن تبقى الكلمة الأردنية ذات قيمة لأنها ليست للاستهلاك اليومي. فليس رجل الدولة من يصرخ أكثر؛ ربما يكون من يعرف متى يتكلم، وماذا يملك بعد أن ينتهي الكلام. كيف تحمي الأردن دون أن تعزله عن فلسطين؟ كيف تكون حليفًا ولا تصبح تابعًا؟ وكيف تدافع عن القدس وتمنع، في الوقت نفسه، أن يصبح الأردن نفسه ضحية جديدة للصراع؟ هذه ليست أسئلة خطيب؛ هذه أسئلة دولة.
ويبقى الأردن الآخر؛ الأردن الذي لا يظهر في خرائط الجيوش ولا بيانات القمم. عمّان التي تعرفها حقائب القادمين. فلسطيني جاء وفي ذاكرته بيت، وعراقي حمل بغداد في سفره، وسوري خرج من مدينته ولا يعرف موعد العودة. بلد من أشد بلدان العالم شحًا في المياه ومحدودية في الموارد استقبل، على مدى عقود، موجات من اللاجئين والنازحين، ومع ذلك اتسعت عمّان؛ صار فيها شيء من القدس، وشيء من بغداد، وشيء من دمشق، وبقيت هي عمّان. ونحن نخطئ حين نقيس قوة الدولة بعدد الذين يخافون منها فقط؛ ثمة مقياس آخر: كم خائفًا يعتقد أنه إذا وصل إليها سيكون آمنًا؟ وتلك قوة لا تدخل في جداول التسليح، لكنها تدخل في حساب التاريخ. ثم انظر إلى الجغرافيا نفسها: البحر الميت في أخفض اليابسة المكشوفة، ووادي رم يرفع عيني الصحراء نحو السماء، وبينهما البتراء والكرك ومؤتة وعمّان، وفي الشمال اليرموك، وفي الجنوب العقبة. من الأنباط إلى خالد وأبي عبيدة، ومن هَيّة الكرك إلى القدس والكرامة، ومن الحسين الذي كان يسأل عن اليوم التالي إلى عبدالله الثاني الذي يحمل دولة تعلمت أن الموقع تكليف لا امتيازًا، ومن البندقية إلى البوريه الزرقاء والمستشفى الميداني. بلد صغير؟ نعم. لكن من قال إن الكتب المهمة يجب أن تكون كبيرة الحجم؟! وهنا يصبح قول المشّيني: «كل شبر من ترابي ملحمة» أقل شعرًا مما نظن، وأكثر تاريخًا مما نتصور.
مرّوا جميعًا من هنا؛ قوافل تبحث عن الرزق، وجيوش تبحث عن النصر، وإمبراطوريات ظنت أن خرائطها أبدية، ولاجئون يبحثون عن باب، وسياسيون اعتقدوا أن موازين القوة لا تتغير. بعضهم ترك قصرًا، وبعضهم قبرًا، وبعضهم اسمًا في كتاب. وبقي الأردن يتعلم الحيلة الأصعب في حياة الدول: كيف يبقى دون أن يتحول البقاء إلى خوف، وكيف ينحاز دون أن يفقد قراره، وكيف يقاتل حين يجب القتال، ويتفاوض حين يصبح التفاوض أشجع، ويداوي الجريح حين تصبح الحياة نفسها ميدانًا. ربما لهذا لم يقل سليمان المشّيني: «هذا الأردن»، بل ترك الوطن يتقدم وحده ويقول: «أنا الأردن». ولماذا يحتاج إلى أكثر؟ فثمة إمبراطوريات حكمت العالم ثم أصبحت سطرًا في كتاب، وثمة أوطان لم تحكم أحدًا، لكنها عرفت كيف تحكم قرارها وتحفظ بيتها. العالم يمرّ.. والأردن باقٍ؛ لأن مساحة الدولة تُقاس بالكيلومترات، أما وزنها... فلا.
ثم ماذا تفعل الأرض عندما يمر عليها ألف عام؟ تحتفظ بطبعها، وإن تغيرت الأسماء. ففي سنة 1910 كانت الكرك تضيق بسياسات الضرائب والتجنيد والإدارة العثمانية، فجاءت هَيّة الكرك؛ و«الهَيّة» في وجدان الناس أبلغ من مصطلحات كثيرة، فالناس ببساطة هبّوا. قاد الشيخ قدر المجالي ومعه شيوخ ووجهاء وأبناء المنطقة جانبًا من المواجهة، ودفع الأهالي ثمنًا قاسيًا من القتل والاعتقال والإعدام، وحفظت الذاكرة المحلية كذلك معركة حدّ الدقيق وغيرها من صور المواجهة. هل انتصرت الهَيّة عسكريًا؟ لا. لكن من قال إن التاريخ يسجل المنتصرين وحدهم؟ هناك معارك تخسرها في الميدان وتربحها في ذاكرة الناس، وكانت هَيّة الكرك تقول قبل الدولة الحديثة إن هنا مجتمعًا يعرف أرضه وقياداته ومصالحه، ويعرف متى يقول: كفى. ثم جاءت الثورة العربية الكبرى، ووصل الأمير عبدالله بن الحسين، وفي سنة 1921 بدأت الحكاية الجديدة: لم تعد المسألة بطولة جماعة أو عشيرة أو مدينة، بل بناء دولة. وهنا يحدث التحول الأصعب في حياة الشعوب؛ فالبطل يستطيع أن ينتصر في يوم، أما المؤسسة فعليها أن تنتصر كل صباح. من بطولة الأفراد إلى انتظام الجيش، ومن نخوة الجماعة إلى القانون، ومن حماية الدار إلى حماية الوطن. ربما لهذا بقي الأردن؛ لأنه لم يحاول إلغاء ماضيه، وإنما أخذ أفضل ما فيه ووضعه داخل مؤسسة. فالدولة في النهاية ليست أن تتخلص من المجتمع، بل أن تجعل طاقته نظامًا.
وجاءت فلسطين، وهنا يصبح الكلام أقل قدرة من الدم على الشهادة. في حرب 1948 كان الجيش العربي يقاتل في القدس واللطرون وباب الواد؛ حابس المجالي هنا، وعبدالله التل هناك، وجنود كثيرون لم تحفظ الصحف أسماءهم لكن حجارة القدس حفظت وقع أقدامهم. ولم تكن القدس للأردن يومها ملفًا على طاولة وزارة الخارجية، بل ميدانًا يدفع فيه الرجال ثمنًا حقيقيًا. ثم جاءت السموع، ثم حزيران 1967، وقاتل جنود الجيش العربي دفاعًا عن القدس والضفة في ظروف عسكرية شديدة القسوة. وبعد أقل من عام، وفي 21 آذار 1968، جاءت الكرامة. وهل كان يمكن للجغرافيا أن تختار اسمًا أكثر بلاغة؟! كانت الروح العربية لا تزال تحت ثقل هزيمة حزيران عندما دخلت القوات الإسرائيلية الأراضي الأردنية، فقاتل الجيش العربي ونظم تحت أمرته مجموعة من المقاتلين الفلسطينيين الابطال بالأسلحة الخفيفة وانسحبت القوات الإسرائيلية بعد معركة عنيفة. يستطيع المؤرخ العسكري أن يناقش الأرقام والخطط والخسائر كما يشاء، لكن الشعوب كانت بحاجة إلى جملة واحدة: يمكن الوقوف. ولهذا قال المشّيني: «صاغ نصر العرب في يوم الكرامة». ثم استمرت المواجهات في حرب الاستنزاف، وعندما جاءت حرب تشرين 1973 تحركت قوات أردنية إلى الجبهة السورية. من القدس إلى اللطرون، ومن السموع إلى الكرامة، ومن الأغوار إلى الجبهة السورية، تغيرت ساحات النزال وبقي الاسم نفسه: الجيش العربي. ولعل في الاسم وحده شيئًا من العقيدة؛ لم يسمه الأردنيون جيشًا للعزلة، بل جيشًا يحمل اسم الأمة.
أما الحسين بن طلال رحمه الله، فقد عرف مبكرًا الحقيقة التي لا يحبها أصحاب الشعارات: الدول الصغيرة لا تملك رفاهية الأخطاء الكبيرة. الأردن ليس دولة نفط، ولا يملك مساحة العراق ولا سكان مصر ولا موارد القوى الكبرى، فماذا يفعل؟ يقضي عمره في الشكوى مما ينقصه، أم يحوّل ما لديه إلى قوة؟ اختار الثاني. ومن هنا أصبح العقل السياسي موردًا أردنيًا، وأصبح التوازن فنًا: متى تقول نعم، ومتى تقول لا، ومتى تختلف مع حليفك دون أن تحوله إلى عدو، ومتى تغادر الطاولة، والأهم: متى تعود إليها. وظهر ذلك بأقسى صوره في أزمة الكويت سنة 1990. كان اجتياح العراق للكويت عدوانًا على دولة عربية مستقلة وخطأً استراتيجيًا لا يحتاج إلى تبرير، لكن الحسين كان يرى وراء الجريمة سؤالًا آخر: ماذا سيحدث إذا خرج الحل نهائيًا من يد العرب ودخلت جيوش العالم لإعادة ترتيب البيت؟ لم يعترف الأردن بضم الكويت، ودفع باتجاه انسحاب عراقي وحل عربي، واختلف مع الولايات المتحدة وبعض الأشقاء، ودفع ثمن موقفه. ثم جاءت الحرب، ثم الحصار، ثم جاء 2003 وسقط العراق واختل ميزان المشرق. هل كان الحسين يعرف المستقبل؟ بالطبع لا؛ السياسة ليست قراءة فنجان. لكنه كان يعرف الفرق بين السياسي الذي يسأل: ماذا سيحدث مساء اليوم؟ ورجل الدولة الذي يسأل: وماذا عن صباح الغد؟ وفي الشرق الأوسط، كم من قرار بدا منتصرًا مساءً ثم استيقظت المنطقة على فاتورته بعد سنوات!
ثم جاء عام 1997، ودخل الموساد عمّان ليغتال خالد مشعل بمادة سامة. وكانت معاهدة السلام مع إسرائيل قد مضى عليها ثلاثة أعوام، وهنا كان الامتحان الحقيقي للسلام: هل يعني أن يصبح بيتك مباحًا؟ لم يسأل الحسين إن كان يتفق مع مشعل أو يختلف معه؛ الدولة حين تُمس سيادتها لا تسأل أولًا إن كانت تحب الضحية. قُبض على اثنين من عناصر الموساد، وبدأ مشعل يصارع السم، وفجأة وقع الإسرائيليون في المفارقة التي لم تكن في الخطة: دخلوا عمّان ليقتلوه، وأصبح عليهم أن يساعدوا في إنقاذه! طالب الأردن بالترياق، ودخلت واشنطن على خط الأزمة، ووصل العلاج وعاش مشعل. لكن الحساب لم يُغلق؛ خرج الشيخ أحمد ياسين من السجون الإسرائيلية، وجاء إلى الأردن للعلاج ثم عاد إلى غزة ضمن تسوية الأزمة. أي خطاب عن السيادة يستطيع أن يكون أبلغ من المشهد؟ دخل الموساد لينهي حياة رجل، فخرج الرجل حيًا، وخرج أحمد ياسين من السجن، وعادت العناصر الإسرائيلية بعد أن دفعت إسرائيل الثمن السياسي لعملية انتهكت السيادة الأردنية. لم يحتج الأردن إلى إطلاق حرب؛ استخدم السيادة والتفاوض والقرار. فالسلام لا يعني أن تسلم جارك نسخة من مفتاح بيتك. وفي هذا شيء من مدرسة الحسين كلها: أن تعرف أوراقك قبل أن ترفع صوتك، وأن تجعل خصمك يدفع من الورقة التي يحتاجها، لا من الورقة التي تحب أنت أن تتحدث عنها.
وجاء الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى العرش والعالم يتغير بسرعة تكاد لا تترك للدول وقتًا لالتقاط أنفاسها: حرب العراق، الإرهاب، الربيع العربي، انهيار دول، الحرب السورية، موجات اللجوء، ثم غزة. جندي قبل أن يصبح ملكًا، ووريث دولة تعرف أن بقاءها ليس انعزالًا عن قضايا الأمة بل شرطًا لكي يبقى لها صوت فيها. واستمر الجيش العربي في الحفاظ على مفهوم القوة العسكرية والتوسع إلى مفهوم آخر؛ الجندي الذي عرف القدس واللطرون والكرامة ارتدى البوريه الزرقاء وذهب في مهمات حفظ السلام، والجيش الذي عرف المستشفى خلف خطوط القتال أخذ المستشفى إلى المحتاجين. مرة تحمي الإنسان بالبندقية، ومرة تحميه بالمشرط. وفي فلسطين وغزة أصبح هذا المعنى مرئيًا: مستشفيات ميدانية، أطباء وممرضون، عمليات جراحية، مساعدات وقوافل وإنزالات جوية. يا لها من دائرة غريبة في التاريخ؛ ذهب الجندي الأردني إلى فلسطين سنة 1948 يحمل البندقية دفاعًا عن القدس، وبعد أكثر من سبعة عقود ما يزال الأردني يذهب إلى فلسطين، لكن بعض جنوده يحملون هذه المرة السماعة الطبية وكيس الدم والمشرط. تغيرت الأداة ولم تتغير الرسالة. وبقيت القدس في قلب الموقف الهاشمي والوصاية على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، بينما راهن عبدالله الثاني على العمل قبل القول والخطابات التي ضيعت دول: أن تبقى الكلمة الأردنية ذات قيمة لأنها ليست للاستهلاك اليومي. فليس رجل الدولة من يصرخ أكثر؛ ربما يكون من يعرف متى يتكلم، وماذا يملك بعد أن ينتهي الكلام. كيف تحمي الأردن دون أن تعزله عن فلسطين؟ كيف تكون حليفًا ولا تصبح تابعًا؟ وكيف تدافع عن القدس وتمنع، في الوقت نفسه، أن يصبح الأردن نفسه ضحية جديدة للصراع؟ هذه ليست أسئلة خطيب؛ هذه أسئلة دولة.
ويبقى الأردن الآخر؛ الأردن الذي لا يظهر في خرائط الجيوش ولا بيانات القمم. عمّان التي تعرفها حقائب القادمين. فلسطيني جاء وفي ذاكرته بيت، وعراقي حمل بغداد في سفره، وسوري خرج من مدينته ولا يعرف موعد العودة. بلد من أشد بلدان العالم شحًا في المياه ومحدودية في الموارد استقبل، على مدى عقود، موجات من اللاجئين والنازحين، ومع ذلك اتسعت عمّان؛ صار فيها شيء من القدس، وشيء من بغداد، وشيء من دمشق، وبقيت هي عمّان. ونحن نخطئ حين نقيس قوة الدولة بعدد الذين يخافون منها فقط؛ ثمة مقياس آخر: كم خائفًا يعتقد أنه إذا وصل إليها سيكون آمنًا؟ وتلك قوة لا تدخل في جداول التسليح، لكنها تدخل في حساب التاريخ. ثم انظر إلى الجغرافيا نفسها: البحر الميت في أخفض اليابسة المكشوفة، ووادي رم يرفع عيني الصحراء نحو السماء، وبينهما البتراء والكرك ومؤتة وعمّان، وفي الشمال اليرموك، وفي الجنوب العقبة. من الأنباط إلى خالد وأبي عبيدة، ومن هَيّة الكرك إلى القدس والكرامة، ومن الحسين الذي كان يسأل عن اليوم التالي إلى عبدالله الثاني الذي يحمل دولة تعلمت أن الموقع تكليف لا امتيازًا، ومن البندقية إلى البوريه الزرقاء والمستشفى الميداني. بلد صغير؟ نعم. لكن من قال إن الكتب المهمة يجب أن تكون كبيرة الحجم؟! وهنا يصبح قول المشّيني: «كل شبر من ترابي ملحمة» أقل شعرًا مما نظن، وأكثر تاريخًا مما نتصور.
مرّوا جميعًا من هنا؛ قوافل تبحث عن الرزق، وجيوش تبحث عن النصر، وإمبراطوريات ظنت أن خرائطها أبدية، ولاجئون يبحثون عن باب، وسياسيون اعتقدوا أن موازين القوة لا تتغير. بعضهم ترك قصرًا، وبعضهم قبرًا، وبعضهم اسمًا في كتاب. وبقي الأردن يتعلم الحيلة الأصعب في حياة الدول: كيف يبقى دون أن يتحول البقاء إلى خوف، وكيف ينحاز دون أن يفقد قراره، وكيف يقاتل حين يجب القتال، ويتفاوض حين يصبح التفاوض أشجع، ويداوي الجريح حين تصبح الحياة نفسها ميدانًا. ربما لهذا لم يقل سليمان المشّيني: «هذا الأردن»، بل ترك الوطن يتقدم وحده ويقول: «أنا الأردن». ولماذا يحتاج إلى أكثر؟ فثمة إمبراطوريات حكمت العالم ثم أصبحت سطرًا في كتاب، وثمة أوطان لم تحكم أحدًا، لكنها عرفت كيف تحكم قرارها وتحفظ بيتها. العالم يمرّ.. والأردن باقٍ؛ لأن مساحة الدولة تُقاس بالكيلومترات، أما وزنها... فلا.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات