أعلنت وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أمس نتائج امتحان الثانوية العامة لطلبة الصف الحادي عشر، جيل ٢٠٠٩، مسجلة نسبة نجاح عامة بلغت ٦٥,٣٪ في المباحث الأربعة التي تشكل الجزء الأول من الثانوية العامة في نظامها الجديد.
وقد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، هو الخبر كله. لكنه في الحقيقة يفتح باباً لقراءة أوسع؛ فنحن أمام الجيل الثاني الذي يخوض التجربة بعد جيل ٢٠٠٨، وأمام نتيجة تمثل ٣٠٪ من المعدل النهائي، فيما تستكمل النسبة المتبقية في الصف الثاني عشر.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل نسبة ٦٥,٣٪ مرتفعة أم منخفضة؟ بل: ماذا تقول لنا هذه النتيجة؟
تعني النسبة أن غالبية الطلبة اجتازوا هذا الجزء من المسار، فيما لم يحقق آخرون متطلبات النجاح. لكن قراءة النسبة الأخرى باعتبارها "نسبة رسوب" ستكون ناقصة؛ فالطالب لم يصل بعد إلى نهاية الطريق. وما تزال أمامه فرص للتدارك وإعادة التقدم للمباحث وفق التعليمات الناظمة، كما يتيح النظام مساحة من المرونة في إدارة بعض استحقاقاته.
وهنا تكمن القيمة التربوية الأهم للـ٣٠٪: إنها ليست مجرد جزء من العلامة، وإنما محطة مبكرة تكشف موقع الطالب قبل اكتمال الطريق. فالنتيجة الجيدة تمنحه أساساً يبني عليه، والتعثر يكشف له ما يحتاج إلى معالجة. وفي الحالتين تصبح العلامة ذات قيمة عندما تقود إلى سؤال عملي: ماذا نعزز؟ وماذا نعالج؟
لكن الرقم العام لا يجيب عن كل شيء. فهو يخبرنا كم نجح، لكنه لا يخبرنا وحده لماذا نجح من نجح، ولماذا تعثر من تعثر، وأين تكمن الفجوات. وهنا تبدأ القراءة التربوية الحقيقية: في البيانات التفصيلية، وفي أداء الطلبة في المباحث المختلفة، وفي الفروق التي قد تكشفها النتائج، وفي قدرة المدرسة على اكتشاف الضعف والتدخل قبل أن يتحول إلى فجوة أكبر.
فالنتيجة التي تبقى في خبر أو جدول ينتهي دورها بانتهاء الإعلان، أما حين تعود إلى المدرسة والمعلم والأسرة والوزارة بوصفها معرفة تساعد على اتخاذ قرار أفضل، فإنها تتحول إلى أداة للتطوير.
وهذا يقودنا إلى فلسفة النظام. فتوزيع الثانوية العامة على عامين لم يكن مجرد إعادة ترتيب للامتحانات، وإنما محاولة لتخفيف عبء الامتحان المصيري، ومنح الطالب مساحة أوسع للتعلم والاستعداد والتخصص.
ومن ثم فإن فرص التدارك والمرونة التي يوفرها النظام ينبغي أن تكون أدوات لتصحيح المسار، لا وسيلة لإعادة تجميع العبء الذي جاء النظام أصلًا لتخفيفه.
وهنا تتكامل المسؤولية: الطالب يقرأ نتيجته بوعي، والأسرة تتعامل معها باعتبارها مؤشراً لا حكماً على المستقبل، والمدرسة تلتقط مواطن الضعف، والوزارة تقرأ الصورة الأوسع التي ترسمها البيانات.
ومن هنا تحديداً تأخذ المقارنة بين جيل ٢٠٠٨ وجيل ٢٠٠٩ معناها الحقيقي. فجـيل ٢٠٠٨ لم يعد مجرد تجربة أولى؛ لقد أصبح خط أساس يمكن التعلم منه. أما جيل ٢٠٠٩ فيمنحنا فرصة لنسأل: ماذا فعلنا بما تعلمناه من التجربة الأولى؟
ليس المطلوب مطاردة الفروق في نسب النجاح بين الجيلين، وإنما معرفة ما إذا كانت التجربة الأولى قد أنتجت معرفة انعكست على الميدان: هل تحسنت الممارسات؟ هل أصبحت أدوات الدعم أكثر فاعلية؟ وهل أصبح النظام أكثر قدرة على اكتشاف الفجوات والتعامل معها؟
فالإصلاح التربوي لا يثبت نجاحه بمجرد تطبيقه، ولا يصبح ناضجاً لمجرد أن عامه الأول مرّ. الإصلاح الحقيقي هو الذي يتعلم من نتائجه.
ومن الإنصاف أن تُقرأ نتائج جيل ٢٠٠٩ في سياق الجهد الكبير الذي رافق الانتقال إلى نظام جديد، وما يتطلبه ذلك من عمل تنظيمي وفني وتربوي على مستوى الوزارة والمدارس والميدان. لكن تقدير الجهد لا يلغي المراجعة؛ فالإصلاح القابل للاستمرار يحافظ على غاياته، ويطور أدواته عندما تكشف التجربة ما يحتاج إلى تطوير.
ولهذا قد تكون المرحلة التي تبدأ بعد إعلان النتائج أهم من يوم إعلانها نفسه. فالسؤال الآن ليس فقط ماذا قالت الـ٦٥,٣٪، وإنما: ماذا سنفعل بما قالت؟
إذا كشفت النتائج مواطن ضعف، فينبغي أن تصل هذه المعرفة إلى المدرسة قبل أن تتراكم المشكلة. وإذا كشفت مواطن قوة، فينبغي فهمها والبناء عليها. وإذا ظهرت فروق تستحق الدراسة، فلا ينبغي أن تبقى أرقاماً عابرة، بل أن تتحول إلى مادة للبحث والتدخل وصناعة القرار.
لقد اختبر جيل ٢٠٠٨ النظام الجديد حتى نهايته، أما جيل ٢٠٠٩ فيضعه أمام اختبار آخر: ليس فقط هل يستطيع أن يعمل، وإنما هل يستطيع أن يتعلم؟
وفي رأيي فان النجاح الحقيقي للإصلاح ليس أن تتكرر النتائج، ولا أن ترتفع النسبة وحدها، وإنما أن يحصل الجيل التالي على تعليم أفضل لأننا فهمنا ما كشفته نتائج الجيل الذي سبقه.
عندها فقط تتحول نتائج جيل ٢٠٠٩ من أرقام تُعلن إلى معرفة تُصلح، ومن اختبار للنظام إلى خطوة حقيقية في إصلاح التعليم.
والله الموفق
وقد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، هو الخبر كله. لكنه في الحقيقة يفتح باباً لقراءة أوسع؛ فنحن أمام الجيل الثاني الذي يخوض التجربة بعد جيل ٢٠٠٨، وأمام نتيجة تمثل ٣٠٪ من المعدل النهائي، فيما تستكمل النسبة المتبقية في الصف الثاني عشر.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل نسبة ٦٥,٣٪ مرتفعة أم منخفضة؟ بل: ماذا تقول لنا هذه النتيجة؟
تعني النسبة أن غالبية الطلبة اجتازوا هذا الجزء من المسار، فيما لم يحقق آخرون متطلبات النجاح. لكن قراءة النسبة الأخرى باعتبارها "نسبة رسوب" ستكون ناقصة؛ فالطالب لم يصل بعد إلى نهاية الطريق. وما تزال أمامه فرص للتدارك وإعادة التقدم للمباحث وفق التعليمات الناظمة، كما يتيح النظام مساحة من المرونة في إدارة بعض استحقاقاته.
وهنا تكمن القيمة التربوية الأهم للـ٣٠٪: إنها ليست مجرد جزء من العلامة، وإنما محطة مبكرة تكشف موقع الطالب قبل اكتمال الطريق. فالنتيجة الجيدة تمنحه أساساً يبني عليه، والتعثر يكشف له ما يحتاج إلى معالجة. وفي الحالتين تصبح العلامة ذات قيمة عندما تقود إلى سؤال عملي: ماذا نعزز؟ وماذا نعالج؟
لكن الرقم العام لا يجيب عن كل شيء. فهو يخبرنا كم نجح، لكنه لا يخبرنا وحده لماذا نجح من نجح، ولماذا تعثر من تعثر، وأين تكمن الفجوات. وهنا تبدأ القراءة التربوية الحقيقية: في البيانات التفصيلية، وفي أداء الطلبة في المباحث المختلفة، وفي الفروق التي قد تكشفها النتائج، وفي قدرة المدرسة على اكتشاف الضعف والتدخل قبل أن يتحول إلى فجوة أكبر.
فالنتيجة التي تبقى في خبر أو جدول ينتهي دورها بانتهاء الإعلان، أما حين تعود إلى المدرسة والمعلم والأسرة والوزارة بوصفها معرفة تساعد على اتخاذ قرار أفضل، فإنها تتحول إلى أداة للتطوير.
وهذا يقودنا إلى فلسفة النظام. فتوزيع الثانوية العامة على عامين لم يكن مجرد إعادة ترتيب للامتحانات، وإنما محاولة لتخفيف عبء الامتحان المصيري، ومنح الطالب مساحة أوسع للتعلم والاستعداد والتخصص.
ومن ثم فإن فرص التدارك والمرونة التي يوفرها النظام ينبغي أن تكون أدوات لتصحيح المسار، لا وسيلة لإعادة تجميع العبء الذي جاء النظام أصلًا لتخفيفه.
وهنا تتكامل المسؤولية: الطالب يقرأ نتيجته بوعي، والأسرة تتعامل معها باعتبارها مؤشراً لا حكماً على المستقبل، والمدرسة تلتقط مواطن الضعف، والوزارة تقرأ الصورة الأوسع التي ترسمها البيانات.
ومن هنا تحديداً تأخذ المقارنة بين جيل ٢٠٠٨ وجيل ٢٠٠٩ معناها الحقيقي. فجـيل ٢٠٠٨ لم يعد مجرد تجربة أولى؛ لقد أصبح خط أساس يمكن التعلم منه. أما جيل ٢٠٠٩ فيمنحنا فرصة لنسأل: ماذا فعلنا بما تعلمناه من التجربة الأولى؟
ليس المطلوب مطاردة الفروق في نسب النجاح بين الجيلين، وإنما معرفة ما إذا كانت التجربة الأولى قد أنتجت معرفة انعكست على الميدان: هل تحسنت الممارسات؟ هل أصبحت أدوات الدعم أكثر فاعلية؟ وهل أصبح النظام أكثر قدرة على اكتشاف الفجوات والتعامل معها؟
فالإصلاح التربوي لا يثبت نجاحه بمجرد تطبيقه، ولا يصبح ناضجاً لمجرد أن عامه الأول مرّ. الإصلاح الحقيقي هو الذي يتعلم من نتائجه.
ومن الإنصاف أن تُقرأ نتائج جيل ٢٠٠٩ في سياق الجهد الكبير الذي رافق الانتقال إلى نظام جديد، وما يتطلبه ذلك من عمل تنظيمي وفني وتربوي على مستوى الوزارة والمدارس والميدان. لكن تقدير الجهد لا يلغي المراجعة؛ فالإصلاح القابل للاستمرار يحافظ على غاياته، ويطور أدواته عندما تكشف التجربة ما يحتاج إلى تطوير.
ولهذا قد تكون المرحلة التي تبدأ بعد إعلان النتائج أهم من يوم إعلانها نفسه. فالسؤال الآن ليس فقط ماذا قالت الـ٦٥,٣٪، وإنما: ماذا سنفعل بما قالت؟
إذا كشفت النتائج مواطن ضعف، فينبغي أن تصل هذه المعرفة إلى المدرسة قبل أن تتراكم المشكلة. وإذا كشفت مواطن قوة، فينبغي فهمها والبناء عليها. وإذا ظهرت فروق تستحق الدراسة، فلا ينبغي أن تبقى أرقاماً عابرة، بل أن تتحول إلى مادة للبحث والتدخل وصناعة القرار.
لقد اختبر جيل ٢٠٠٨ النظام الجديد حتى نهايته، أما جيل ٢٠٠٩ فيضعه أمام اختبار آخر: ليس فقط هل يستطيع أن يعمل، وإنما هل يستطيع أن يتعلم؟
وفي رأيي فان النجاح الحقيقي للإصلاح ليس أن تتكرر النتائج، ولا أن ترتفع النسبة وحدها، وإنما أن يحصل الجيل التالي على تعليم أفضل لأننا فهمنا ما كشفته نتائج الجيل الذي سبقه.
عندها فقط تتحول نتائج جيل ٢٠٠٩ من أرقام تُعلن إلى معرفة تُصلح، ومن اختبار للنظام إلى خطوة حقيقية في إصلاح التعليم.
والله الموفق
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات