د. هيثم علي حجازي يكتب: الجامعات الأردنية وسوق العمل: لماذا نستمر في تدريس تخصصات لا يحتاجها الاقتصاد؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 22129
د. هيثم علي حجازي يكتب: الجامعات الأردنية وسوق العمل: لماذا نستمر في تدريس تخصصات لا يحتاجها الاقتصاد؟
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

مع بداية كل عام جامعي، تتكرر في الأردن الصورة ذاتها: آلاف الطلبة يتقدمون بطلبات للالتحاق بالجامعات ... عائلات تنتظر نتائج القبول ... تخصصات تفتح أبوابها لأفواج جديدة من الطلبة؛ بينما يقف على الجانب الآخر آلاف الخريجين أمام أبواب سوق العمل، بعضهم ينتظر فرصة منذ سنوات، وبعضهم اكتشف متأخرا أنّ التخصص الذي أمضى أربع سنوات مِن عمره في دراسته لا يقوده بالضرورة إلى وظيفة. وهنا يبرز سؤال لم يعد مِن المقبول تأجيله: "لماذا نستمر في قبول الطلبة في تخصصات نعرف مسبقا أنّ فرص العمل لخريجيها محدودة، أو أنّ السوق يعاني أصلًا مِن فائض فيها؟". وهذا السؤال ليس جديدا، وكذلك المشكلة. فنحن نتحدث منذ سنوات عن "التخصصات المطلوبة والمشبعة والراكدة" وننشر القوائم والدراسات، ونحذر الطلبة مِن بعض الخيارات، ثم نعود في موسم القبول التالي لنجد عددا كبيرا مِن التخصصات مطروحا أمام الطالب، وكأن المشكلة تبدأ بعد التخرج لا عند قرار القبول.
في موسم القبول الجامعي 2026-2027 أعلنت وحدة تنسيق القبول الموحد أنّ عدد التخصصات المطروحة لدرجة البكالوريوس بلغ نحو 607 تخصصات في الجامعات الرسمية، إضافة إلى جامعة العلوم الإسلامية العالمية، فضلًا عن 206 تخصصات تقريبا على مستوى الدبلوم المتوسط ضمن المؤسسات المشمولة بالقبول. وهذا التنوع بحد ذاته ليس مشكلة؛ فتنوع المعرفة أمر مطلوب، لكن السؤال الحقيقي هو: "هل يستند حجم القبول في كل هذه التخصصات إلى قراءة دقيقة للطلب المتوقع على العمالة، أم أنّ منطق العرض الأكاديمي لا يزال في بعض الحالات أقوى مِن منطق الحاجة الاقتصادية؟".
من المؤكد أنّ أي نظام تعليم عالٍ لا يستطيع أنْ يضمن وظيفة لكل خريج، وليس مِن المنطقي أصلا أنْ نحمّل الجامعة مسؤولية توفير فرص العمل. فالاقتصاد هو الذي يخلق الوظائف، والاستثمار هو الذي يوسع فرص التشغيل، والقطاع الخاص هو المحرك الرئيس في معظم الاقتصادات الحديثة. لكن هذا لا يعني أنّه يُمْكن للجامعات أنْ تخرج أعدادا متزايدة في تخصصات محدودة الطلب، ثم تعتبر أنّ مسؤوليتها انتهت عند تسليم الشهادة. فالجامعة ليست مكتب تشغيل، بالتأكيد، لكنها أيضا ليست جزيرة منفصلة عن الاقتصاد والمجتمع.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما ننظر إلى واقع البطالة في الأردن. فقد بلغ معدل البطالة بين الأردنيين في الربع الأول مِن عام 2026 نحو 21.1%، وبلغ بين الإناث الأردنيات 32.7%. كما أنّ 60.1% مِن المتعطلين الأردنيين كانوا مِن حملة الثانوية فأعلى. وهذه الأرقام لا تعني أنّ التعليم الجامعي هو سبب البطالة، لكنها تؤكد أنّ العلاقة بين التعليم والتشغيل تحتاج إلى مراجعة أكثر جدية. وبالتالي، فإنّ المشكلة ليست في أنّ لدينا جامعات كثيرة أو أنّ أعداد الخريجين كثيرة جدا فحسب، بل في نوعية التأهيل، وتوزيع الطلبة على التخصصات، ومدى توافق ما يتعلمونه مع ما يتحرك نحوه الاقتصاد.
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للتساؤل أنّ قضية التخصصات الراكدة والمشبعة ليست اكتشافا جديدا. فديوان الخدمة المدنية سابقا، والذي أصبح اليوم يسمى هيئة الخدمة والإدارة العامة، كان ينشر بيانات حول التخصصات المطلوبة والمشبعة والراكدة، كما أنّ مؤسسات التعليم العالي تدرك وجود المشكلة منذ سنوات. بل إنّ وزارة التعليم العالي أكدت في آذار 2026 ضرورة اتخاذ الجامعات الرسمية إجراءات واضحة لمعالجة التخصصات الراكدة والمشبعة، من خلال الوقف التدريجي للقبول في التخصصات التي ثبت انخفاض الطلب عليها أو ضعف مواءمتها مع احتياجات سوق العمل، وإعادة هيكلتها وتحديث خططها وتحويلها إلى مسارات نوعية أو تطبيقية. وهذا توجه صحيح، لكنه يفتح السؤال الأصعب: إذا كنا نعرف المشكلة، فلماذا احتجنا كل هذه السنوات لمعالجتها؟ ولماذا يتحمل الطالب وأسرته في النهاية كلفة البطء المؤسسي في اتخاذ القرار؟ فالطالب الذي يدخل اليوم تخصصا يعاني مِن التشبع لن يتخرج غدا، بل بعد أربع أو خمس سنوات. وهذا يعني أنّ التخطيط للتعليم العالي يجب ألا يقوم على احتياجات سوق العمل اليوم فقط، بل على سوق العمل المتوقع بعد خمس أو عشر سنوات.
كثيرا ما نلوم الطالب ونقول إنه اختار تخصصا مشبعا؛ لكن هل يمتلك الطالب البالغ مِن العمر سبعة عشر أو ثمانية عشر عاما المعلومات الكافية لاتخاذ قرار قد يحدد مساره المهني لعقود؟ فغالبا ما يختار الطالب تخصصه وفق المعدل الذي حصل عليه، أو رغبة الأسرة، أو الصورة الاجتماعية للتخصص، أو تجارب الأقارب والأصدقاء، أو الاعتقاد بأنّ بعض المهن أكثر مكانة مِن غيرها. وهنا لا تكفي مطالبة الطالب بـ "حُسن الاختيار" بل المطلوب أنْ نوفر له، قبل تقديم طلب القبول، معلومات واضحة ومحدَّثة تجيب عن أسئلة عملية: كم عدد خريجي هذا التخصص؟ كم عدد الموجودين على مقاعد الدراسة؟ ما متوسط فرص التوظيف؟ ما القطاعات التي تستوعب الخريجين؟ ما متوسط مدة الانتظار للحصول على العمل؟ وهل الطلب على التخصص يرتفع أم ينخفض؟ وبكلمات أخرى، يحتاج الطالب إلى "خريطة مهنية" لا إلى مجرد دليل قبول جامعي.
هناك أيضا مشكلة أخرى تستحق الانتباه: فمواجهة التخصصات التقليدية لا ينبغي أنْ تتحول إلى سباق لإطلاق أسماء حديثة وجذابة على برامج جديدة. فالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وعلم البيانات، والتكنولوجيا المالية، والتسويق الرقمي، والطاقة المتجددة، والمركبات الكهربائية وغيرها تمثل بالفعل مجالات مهمة وواعدة. وقد وافق مجلس التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة على استحداث برامج جديدة في مجالات مثل علم البيانات والإحصاء، والتكنولوجيا المالية، والطائرات المسيرة، والأنظمة الكهربائية الذكية، والمركبات الكهربائية والهجينة، وذكاء الأعمال، وسلاسل التزويد واللوجستيات الرقمية. لكن الخطأ يكمن في الاعتقاد أنّ كل تخصص يحمل كلمة "رقمي" أو "ذكاء اصطناعي" سيضمن وظيفة لخريجه. فتخصص المستقبل يمكن أنْ يتحول هو الآخر إلى تخصص مشبع إذا فتحت عشرات الجامعات أبوابه في الوقت ذاته وقبلت أعدادا تفوق قدرة السوق على الاستيعاب. وبالتالي، فإنَّ المشكلة ليست في استبدال تخصص قديم بتخصص جديد، وإنما في وجود نظام ديناميكي يراقب العلاقة بين أعداد المقبولين والخريجين والطلب الفعلي والمتوقع في الاقتصاد.
ولعل الجانب الأعمق في المشكلة يتعلق بفلسفة التعليم الجامعي نفسها. فحين يتم قياس نجاح الجامعة بموقعها في التصنيفات العالمية، وبعدد الطلبة المقبولين، وعدد البرامج المفتوحة، وعدد الخريجين، قد نجد أنفسنا أمام توسع كمي لا يرافقه بالضرورة تحول نوعي. وبالتالي، فإنّ المعيار الحقيقي يجب أنْ يكون مختلفا: كم خريج حصل على عمل مناسب خلال السنة الأولى بعد التخرج؟ كم خريج يعمل في مجال قريب مِن تخصصه؟ كيف يقيِّم أصحاب العمل مهارات الخريجين؟ هل يمتلك الطالب القدرة على التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات؟ هل يتقن الخريج التكنولوجيا واللغة الإنجليزية والمهارات الرقمية؟ هل تدرب في مؤسسة حقيقية قبل التخرج؟ هل يستطيع إنشاء مشروعه الخاص، أم أنّ كل تصوراته عن المستقبل تبدأ وتنتهي بالحصول على وظيفة؟. وهذه الأسئلة يجب أن تدخل في صلب تقييم البرامج الجامعية. فالخريج اليوم لا ينافس أبناء دفعته فقط، بل ينافس خريجين في دول أخرى، ويعمل في سوق أصبح أكثر ارتباطا بالتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والعمل عن بعد والمنصات الرقمية.
مِن الأخطاء الشائعة اختزال الفجوة بين الجامعة وسوق العمل في أسماء التخصصات. فقد يكون التخصص مطلوبا، لكن الخريج نفسه غير جاهز للعمل. فصاحب العمل لا يشتري اسم الشهادة وحده، وإنما يبحث عن حزمة مِن الكفايات: المعرفة التخصصية، والمهارات الرقمية، واللغة، والاتصال، وحل المشكلات، والعمل ضمن فريق، والتحليل، والمرونة والقدرة على التعلم المستمر. ولهذا فإن إصلاح العلاقة بين الجامعات وسوق العمل لا يتحقق بمجرد إغلاق خمسة تخصصات وفتح خمسة أخرى. وبناء عليه، نحتاج إلى إعادة تصميم الخطط الدراسية، وزيادة الجانب التطبيقي، وإدماج التدريب الفعلي في المؤسسات، وإشراك أصحاب العمل في تصميم البرامج، وتحديث المحتوى بصورة أسرع مما يحدث حاليا. ففي عالم تتغير فيه التقنيات خلال أشهر، لا يمكن أن تظل الخطة الدراسية ثابتة سنوات طويلة ثم نتساءل: لماذا يشتكي أصحاب العمل مِن فجوة المهارات. وفي الواقع، لا يمكن للجامعة أنْ تعرف احتياجات سوق العمل وهي تتحدث مع نفسها، بل ينبغي أنْ يكون القطاع الخاص وغرف الصناعة والتجارة والنقابات والقطاعات التكنولوجية والسياحية والصحية واللوجستية شريكا فعليا في بناء البرامج، لا مجرد جهة تُستشار بعد إعدادها. وقد يكون مِن المفيد أنْ يكون لكل برنامج جامعي مجلس استشاري مهني يضم أصحاب عمل وخبراء مِن القطاع، يراجع بصورة دورية المهارات والمقررات، ويقدم معلومات عن التحولات في المهن. فالعلاقة المطلوبة ليست أنْ تطلب الجامعة مِن القطاع الخاص تشغيل خريجيها بعد أربع سنوات، بل أنْ تسأله قبل قبولهم:" أي خريج ستحتاجون بعد أربع سنوات؟" وهناك فرق كبير بين السؤالين.
وفي المقابل، يجب الحذر مِن تحويل فكرة "مواءمة التعليم مع سوق العمل" إلى دعوة لإلغاء كل تخصص لا يقود مباشرة إلى وظيفة محددة. فالجامعة ليست مركز تدريب مهني فقط، والمجتمع يحتاج إلى اللغة والأدب والتاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية والعلوم الأساسية والفنون، مثلما يحتاج إلى الهندسة والطب والتكنولوجيا. والأمم التي تنظر إلى التعليم من زاوية الوظيفة وحدها قد تكسب عاملا ماهرا، لكنها تخسر الإنسان المثقف والباحث والمفكر. لذلك ليست القضية إلغاء تخصص لأنّ الطلب الوظيفي عليه منخفض، وإنما ضبط أعداد المقبولين فيه بما يتناسب مع الحاجة، وتطوير محتواه، وفتح مسارات مهنية جديدة أمام خريجيه، ودمجه بمهارات رقمية وتطبيقية توسع فرصهم. والفرق كبير بين أنْ نحافظ على تخصص معرفي يحتاجه المجتمع ويُقبل فيه مائتا طالب، وبين أنْ نقبل فيه آلافا لأنّ الجامعات اعتادت ذلك.
مِن السهل تحميل الجامعات المسؤولية، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا. هناك مسؤولية على مجلس التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، المُنشأ حديثا، في سياسات الاستحداث والقبول، ومسؤولية على الجامعات في مراجعة برامجها، ومسؤولية على الجهات المسؤولة عن سوق العمل في إنتاج بيانات دقيقة ومستقبلية، ومسؤولية على القطاع الخاص في تحديد احتياجاته والمشاركة في التدريب، ومسؤولية على المدارس في الإرشاد المهني، ومسؤولية على الأسرة والطالب في تجاوز ثقافة "اسم التخصص" إلى التفكير في فرصه ومهاراته. كما أنّ الحكومة تتحمل مسؤولية أوسع تتمثل في بناء اقتصاد قادر أصلا على إنتاج وظائف ذات قيمة مضافة؛ إذ لا يمكن معالجة بطالة الخريجين بإعادة توزيعهم على التخصصات فقط إذا كان الاقتصاد نفسه لا يخلق وظائف كافية. وبالتالي، تجب معرفة نوع الوظائف التي ينشئها الاقتصاد، ومستوى المهارات والمؤهلات التي تحتاجها، وليس العدد فقط.
الحل لا يحتاج إلى لجنة جديدة بقدر ما يحتاج إلى تحويل البيانات الموجودة إلى قرارات؛ فنحن بحاجة إلى: (1) مرصد وطني دائم لمهارات ووظائف المستقبل يربط بيانات الجامعات والخريجين والضمان الاجتماعي والقطاع الخاص والاستثمار، ويصدر توقعات دورية لما سيحتاجه سوق العمل بعد ثلاث وخمس وعشر سنوات (2) تحديد أعداد القبول في كل تخصص استنادا إلى هذه البيانات مع مراجعتها سنويا (3) عدم إبقاء أي برنامج جامعي مفتوحا إلى أجل غير مسمى؛ بل يخضع لمراجعة دورية تشمل معدلات توظيف خريجيه، وجودة مخرجاته، ومدى استمرار حاجة الاقتصاد إليه (4) نشر بطاقة معلومات لكل تخصص قبل أنْ يختاره الطالب تتضمن أعداد المقبولين والخريجين، ومؤشرات الطلب، وأهم مجالات العمل، والمهارات المطلوبة (5) توسيع التعليم التطبيقي والتقني، وربطه مباشرة بالمشروعات والقطاعات الإنتاجية، ومنح الطلبة فرصة الانتقال المرن بين المسارات الأكاديمية والتطبيقية (6) أن يصبح التدريب العملي الحقيقي جزءا أصيلا من البرنامج الجامعي، لا بضعة أسابيع يقضيها الطالب للحصول على توقيع يضيفه إلى ملف التخرج.
"لا تقبلوا طالبا ثم تخبروه بعد أربع سنوات أنّ تخصصه راكد" ... ربما تختصر هذه العبارة جوهر المشكلة؛ إذ ليس مِن العدل أنْ يتم فتح تخصصات يُقبل فيها االطالب، ويتم تقاضي الرسوم منه، ومنحه شهادة بعد أربع سنوات، ثم يقال له عند بحثه عن العمل: كان عليك أنْ تعرف أنّ تخصصك مشبع. وإذا كان لدى الجهات الرسمية والجامعات بيانات تظهر ضعف الطلب على تخصص معين، فإنّ المسؤولية الأخلاقية تقتضي أنْ تتحول هذه المعرفة إلى سياسة قبول، لا إلى مجرد نشرة إرشادية يطلع عليها بعض الطلبة ويتجاهلها آخرون. فالطالب ليس رقما في كشف القبول، والشهادة ليست نهاية مسؤولية الجامعة. فخلف كل مقعد جامعي أسرة تستثمر مدخراتها، وشاب أو شابة يستثمران سنوات مِن العمر، وتوقعات ببناء مستقبل أفضل. ولهذا يجب أن يصبح السؤال قبل فتح أي تخصص أو تحديد طاقته الاستيعابية:" ما القيمة التي سيضيفها هذا البرنامج إلى الطالب والاقتصاد والمجتمع؟".
الأردن يمتلك اليوم منظومة تعليم عالٍ عريقة، وكفاءات أكاديمية متميزة، وتجربة جامعية تمتد لعقود. والتحدي اليوم ليس هدم هذه المنظومة، بل جعلها أكثر قدرة على الاستجابة لعالم يتغير بسرعة غير مسبوقة. فنحن بحاجة إلى جامعة لا تطارد سوق العمل بصورة عمياء، لكنها لا تدير ظهرها له ... جامعة تحافظ على المعرفة الأساسية، لكنها تستشرف المهن الجديدة ... جامعة لا تسأل فقط: ماذا يستطيع أعضاء هيئة التدريس أن يدرّسوا؟ بل تسأل أيضا: ماذا يحتاج الطالب أنْ يتعلم؟ ولا تسأل فقط: كم طالبا نستطيع أنْ نقبل؟ بل: كم خريجا يستطيع الاقتصاد والمجتمع أنْ يستوعب، وبأي مهارات؟.
المشكلة في نهاية المطاف ليست أنّ الجامعات تدرّس تخصصات قديمة، فبعض أقدم التخصصات ستظل ضرورية مهما تغير الزمن، ولن يكون حلها بتحويل كل طالب إلى مبرمج أو مهندس ذكاء اصطناعي. المشكلة الحقيقية هي أنْ نستمر في إنتاج أعداد مِن الخريجين لا تتناسب مع الطلب ونحن نعرف ذلك مسبقا. وحين يحدث ذلك، لا تعود البطالة مجرد مشكلة اقتصادية تظهر بعد التخرج، بل تصبح نتيجة لقرار تعليمي اتخذ قبل سنوات. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في موسم القبول ليس فقط: "ما التخصص الذي يسمح معدل الطالب بدخوله؟" بل ينبغي أن نضيف إليه سؤالا أكثر أهمية: "ما المستقبلُ الذي سيسمحُ هذا التخصصُ للطالب ببنائه؟" فالتعليم الجامعي ليس أربع سنوات تنتهي بشهادة تعلق على الحائط؛ بل هو استثمار وطني في الإنسان والمال؛ وأي استثمار لا يتم احتساب عائده مسبقا، ولا يراقب تغيرات البيئة المحيطة به، ولا يعيد توجيه موارده عندما تتغير الحاجة، هو استثمار يحتاج إلى مراجعة.
لقد حان الوقت لأن ننتقل في التعليم العالي الأردني مِن إدارة القبول إلى إدارة المستقبل، ومِن تعداد المقاعد الجامعية إلى قياس الفرص التي تقود إليها، ومِن سؤال "كم عدد الطلاب الذين قبلنا؟" إلى سؤال أكثر صعوبة، لكنه أكثر مسؤولية وهو: "ماذا سيصبح هؤلاء الطلبة بعد أربع سنوات؟".
رئيس ديوان الخدمة المدنية الأسبق
أمين عام رئاسة الوزراء الأسبق

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم