م صلاح طه عبيدات يكتب: لست حبة في مسبحة المختار ..

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 11365
م صلاح طه عبيدات يكتب: لست حبة في مسبحة المختار ..
م. صلاح طه عبيدات

م. صلاح طه عبيدات

ليست أخطرُ صورِ الاستبداد أن يُصادَرَ منك الرغيف، بل أن تُصادَرَ منك القدرةُ على أن تقول: لا. فالجوعُ قد يُسكِتُ المعدةَ، لكن أخطرَ ما يمكن أن يفعله الفقرُ حين يتحول إلى أداةٍ سياسية هو أن يُسكِتَ الضمير، ويحوّل الإنسان من مواطنٍ كاملِ الأهلية إلى كائنٍ ينتظرُ «المكرمة» ويخشى فقدانَ «المعروف».
هنا تبدأُ الكارثة: حين لا يعودُ الإنسانُ إنساناً، بل شيئاً في مخزنِ النفوذ؛ رقماً في دفترِ الوجاهة، وصوتاً مؤجلاً إلى موسم الانتخابات، وحبةً في مسبحةِ المختار، يحركها بين أصابعه متى شاء، ثم يخبئها في جيبه حين تنتهي الحاجة إليها.
ذلك ليس احتراماً للناس، بل إهانةٌ مغلفةٌ بالسمنِ العربي والولائم والمجاملات.
إن أخطرَ المختارين ليس من يطلبُ منك تأييدَه، بل من يعملُ على إقناعك بأنك مدينٌ له بوجودك السياسي؛ يطعمُك من فتاتِ مائدته، ثم يريدُ منك أن تدفعَ ثمنَ اللقمة من كرامتك، وأن تعتبرَ خضوعك نوعاً من الوفاء.
إنها هندسةٌ دقيقةٌ للاستعباد: اصنع الحاجة، ثم قدّم نفسك بوصفك الحل. اجعل المواطنَ محتاجاً إليك، ثم اطلب منه أن يحرسَ حاجته إليك، ويغضبَ ممن يحاولُ تحريره منها.
وهنا يصبحُ الفسادُ أكثرَ من رشوةٍ أو واسطة؛ يصبحُ ثقافةً سياسيةً كاملة تُعيد تعريفَ المواطن باعتباره تابعاً، وتعريفَ الخدمة العامة باعتبارها منّة، وتعريفَ الصوت الانتخابي باعتباره ملكيةً خاصةً لمن يملك القدرةَ على شراء الولاء.
أيُّ زعامةٍ تلك التي تخافُ من المواطن الحر؟ وأيُّ وجاهةٍ تلك التي تحتاجُ إلى جيوبِ الفقراء كي ترفعَ قامتها؟ وأيُّ قيادةٍ تلك التي لا تستطيعُ أن تقنعَ الناسَ بعقلها، فتستدرجُهم إلى صفها بحاجتهم؟
المختارُ الذي يريدُ منك أن تصفقَ له أكثر مما يريدُ منك أن تفكر، لا يبني مجتمعاً؛ بل يبني حظيرةً سياسية.
والتابعُ الذي يبيعُ صوته مقابلَ خدمةٍ عابرةٍ لا يحصلُ على خدمة؛ إنه يدفعُ مقدماً من حريته، ثم يكتشفُ بعد فوات الأوان أن فاتورةَ «المعروف» أطولُ من عمرِ صاحبِ المعروف.
لذلك، فإنَّ أصدقَ فعلٍ سياسي يمكن أن يمارسه الإنسانُ المقهور هو أن يستعيدَ ذاته الفاعلة؛ أن يخرجَ من موقعِ المستفيد إلى موقعِ المواطن، ومن ثقافةِ الامتنان إلى ثقافةِ الحقوق، ومن سؤالِ «ماذا سيعطيني؟» إلى سؤالِ «ماذا يستحقُّ وطني؟».
فـ«لا» الصادرةُ عن إنسانٍ حرّ أثقلُ من ألفِ «نعم» خرجت من حنجرةِ محتاجٍ خائف.
الكرامةُ ليست وليمةً تُقام، ولا كيسَ أرزٍّ يُوزّع، ولا وظيفةً تُرمى في وجهِ المحتاج، ولا صورةً تذكاريةً مع صاحبِ الجاه.
الكرامةُ أن تبقى مالكاً لإرادتك.
أن تمشي على قدميك، لا على أكتافِ الذين يذكّرونك كلَّ صباحٍ بأنهم صنعوا لك معروفاً.
فمن يشتري حاجتك كي يشتري صوتك، لا يريدُ خدمتك؛ يريدُ امتلاكك.
ومن يقبلُ أن تتحولَ كرامةُ الناس إلى عملةٍ انتخابية، لا يمارسُ السياسة؛ بل يمارسُ شكلاً ناعماً من العبودية.
وأخطرُ ما في العبوديةِ الحديثة أنها لم تعد تحتاجُ إلى سلاسل؛ يكفي أن تجعلَ الإنسانَ يخافُ أن يفقدَ اليدَ التي اعتادَ أن تمتدَّ إليه بالفتات.
عندها لا يعودُ السؤال: من يحكمنا؟
بل يصبحُ السؤالُ الأكثرُ قسوة:
متى سمحنا لهم أن يحكموا إرادتنا؟
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم