فواز أرفيفان خالد الخريشا يكتب: رئيس المجلس يقمع النواب ويقيّد الصلاحيات

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 18469
فواز أرفيفان خالد الخريشا يكتب: رئيس المجلس يقمع النواب ويقيّد الصلاحيات
الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

الشيخ فواز أرفيفان خالد الخريشا

حين يُغلق الميكروفون في وجه نائب تحت قبة البرلمان، فالمسألة ليست زرًا أُغلق، ولا صوتًا انقطع، ولا دقائق انتهت؛ إنها صورة أعمق بكثير: صورة صوتٍ اختاره الناس، وحمّلوه أمانة تمثيلهم، ثم جاء إلى القبة ليقول ما لديه، ويسأل عن قضاياهم، ويدافع عن حقوقهم، ويراقب أداء الحكومة باسمهم.
وحين يتكرر ذلك، ويُحرم نائب من استكمال حديثه أو من المساحة الكافية لطرح موقفه، فإن القضية لا تعود مرتبطة بنائب بعينه، وإنما تصبح قضية تمس جوهر العمل النيابي وهيبة المؤسسة الدستورية وطريقة إدارة الاختلاف تحت القبة.
فمجلس النواب ليس قاعة للصمت، ولا مدرسة يقف فيها مدير أمام طلاب ليحدد من يتحدث ومن يصمت، ومتى يبدأ الكلام ومتى ينتهي. إنه مؤسسة دستورية جاءت أصوات النواب إليها من الشارع، وكل نائب فيها يحمل خلفه ناخبين ومطالب وقضايا وأصواتًا لا يجوز اختزالها في زر ميكروفون.
ومجلس النواب ليس حلبة مصارعة يتغلب فيها صوت على صوت، ولا ساحة للصراخ والفوضى وتبادل الاتهامات؛ إنه بيت التشريع والرقابة، ومنبر مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها، ومكان تناقش فيه قضايا الوطن بعقل وحجة ومسؤولية. وكل دقيقة تضيع في الصراخ هي دقيقة تُنتزع من حق المواطن في أن يرى تشريعًا يُنجز، وحكومة تُراقب، وقضايا تُناقش، وحلولًا تُصنع.
ورئيس مجلس النواب يقف على رأس هذه المؤسسة، ومهمته أكبر بكثير من إدارة دقائق الجلسة وتنظيم جدول المتحدثين؛ فهو مؤتمن على هيبة المجلس، وحسن سير أعماله، وإدارة الاختلاف بين أعضائه، وتحقيق التوازن الدقيق بين الانضباط وحق النائب في ممارسة دوره الدستوري.
ولهذا فإن الرئاسة تحتاج إلى الحزم حين تستدعي الضرورة، لكنها تحتاج في الوقت ذاته إلى الحكمة وسعة الصدر حين تتعدد الآراء وتحتدم النقاشات. فالرئيس القوي ليس من يملك القدرة على إسكات الآخرين، وإنما من يملك القدرة على إدارة اختلافهم دون أن يسمح للفوضى أن تنتصر على الحوار.
لكن قطع الميكروفون لا ينهي المشكلة دائمًا، وقد تكون نتيجته عكسية تمامًا؛ إذ قد ينتقل النقاش من حديث منظم إلى رفع الأصوات والصراخ والزعيق، فتضيع الفكرة، ويضيع معها جوهر القضية، ويتحول المجلس أمام الشارع إلى مشهد من التداخل والفوضى لا يليق بمؤسسة يفترض أن تكون عنوانًا للتشريع والرقابة والمساءلة.
فإذا كان الهدف ضبط الفوضى، فلا ينبغي أن تتحول الوسيلة إلى سبب في إنتاج فوضى أكبر.
ومن هنا نقول لرئيس المجلس، بكل احترام ووضوح: اتسع صدرًا للنواب، فهم الذين انتخبوك واختاروك لرئاسة المجلس، وائتمنوك على أمانته وهيبته. فاجعل من الرئاسة مظلة تجمعهم ولا تفرقهم، ومن موقعك جسرًا تصل عبره الأصوات لا حاجزًا يحجبها.
استمع إلى اختلافهم بصدر رحب؛ فالقوة الحقيقية للرئيس ليست في أن يُسكت نائبًا، وإنما في أن يمنحه مساحة يتحدث فيها، ثم يحتكم الجميع إلى النظام والدستور.
هؤلاء النواب لم يأتوا إلى القبة من فراغ، وإنما اختارهم الناس، وحملوا معهم أمانة أصوات ناخبيهم ومطالب دوائرهم. ومن حق النائب أن يسأل ويناقش ويعارض وينتقد، ما دام يمارس ذلك في إطار الدستور والنظام. وليس مطلوبًا من النائب أن يتفق دائمًا مع الرئاسة أو الحكومة؛ فالاختلاف ليس خروجًا على العمل النيابي، بل هو في جوهره أحد أسباب وجود البرلمان.
وفي المقابل، فإن النائب مسؤول عن الطريقة التي يمارس بها هذا الحق. فالحرية النيابية لا تعني الفوضى، والاعتراض لا يحتاج إلى صراخ، وقوة الموقف لا تُقاس بارتفاع الصوت، والمعارضة الحقيقية لا تحتاج إلى إساءة أو تجريح.
المطلوب من النائب أن يحترم رئاسة المجلس وزملاءه، وأن يجعل من الحجة سلاحه، ومن القانون مرجعيته، ومن مصلحة المواطن غايته، وأن يعرف أن الكلمة حين تصدر من تحت القبة ليست كلامًا عابرًا، بل موقفًا يحسب عليه ويحاسب عليه أمام الناس والتاريخ.
إن المطلوب هو معادلة واضحة: ضبط الجلسة دون خنق الحوار، وحماية هيبة الرئاسة دون إهدار حق النائب، وممارسة الحرية دون تحويلها إلى فوضى.
يستطيع الرئيس أن يحفظ النظام دون أن يغلق باب النقاش، ويستطيع النائب أن يمارس دوره دون أن يحول القبة إلى ساحة للصراخ. وهذه المعادلة ليست مستحيلة إذا حضرت الحكمة وغابت الحساسية من الرأي المخالف.
لقد عرف مجلس النواب في سنوات سابقة اختلافات ومواقف سياسية ساخنة، وكانت تحت القبة نقاشات حادة ومواجهات سياسية قوية، لكن الاختلاف كان في كثير من الأحيان جزءًا من المشهد النيابي الطبيعي، لا سببًا لتعطيل النقاش وتحويل الجلسة إلى تداخل في الأصوات.
واليوم، فإن ما نشاهده من صراخ وتداخل واحتدام يستدعي مراجعة هادئة وجادة لأسلوب إدارة الحوار، لا دفاعًا عن نائب بعينه ولا هجومًا على رئيس بعينه، وإنما حفاظًا على صورة المؤسسة التي يجب أن تبقى أكبر من الأشخاص جميعًا.
فالشارع يراقب، والمواطن يسمع ويرى، ويحكم على المجلس من خلال ما يصل إليه من صور ومواقف. وعندما يشعر المواطن بأن نائبًا لا يجد المساحة الكافية لإيصال موقفه، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آن واحد:
ما قيمة التمثيل النيابي إذا لم يجد صوت النائب طريقه إلى القاعة؟
وهنا تقع المسؤولية على الجميع.
الرئاسة مطالبة بأن تكون مظلة تجمع النواب، والنواب مطالبون بأن يكونوا على قدر الأمانة التي حملها الناخبون إليهم. فالمجلس ليس ساحة صراع بين الرئيس والنواب، وليس حلبة لإثبات من الأقوى، وإنما هو بيت التشريع والرقابة، ومكان مساءلة الحكومة ومراقبة أدائها، ومناقشة قضايا الوطن والمواطن، ومواجهة الملفات التي ينتظر الناس حلولًا لها.
نريد رئيسًا قويًا بحكمته، عادلًا في إدارته، واسع الصدر أمام الرأي المخالف، لا تهزه المعارضة ولا يستفزه الاختلاف. ونريد نائبًا قويًا بحجته، مسؤولًا في كلمته، مدافعًا عن ناخبيه، ملتزمًا بالنظام والدستور.
عندها تصبح الرئاسة مصدر قوة للمجلس، ويصبح اختلاف النواب مصدر إثراء لا مصدر فوضى.
ولهذا فإن رسالتنا إلى رئيس المجلس واضحة: اتسع صدرًا للنواب، دعهم يتحدثون، أعطِ لكل صوت مساحته في إطار النظام، واجعل القانون هو الحكم بين الجميع. وفي المقابل، على النواب أن يستثمروا هذه المساحة بما يليق بموقعهم، وأن يجعلوا من القبة مكانًا للمساءلة والتشريع والدفاع عن المواطن، لا للصراخ وتبادل الاتهامات.
فالمجلس القوي ليس المجلس الذي يخلو من الأصوات، بل المجلس الذي تتعدد فيه الأصوات وتنتصر فيه الحجة.
والرئاسة القوية ليست التي تمنع الاختلاف، بل التي تستطيع إدارة الاختلاف بعدالة وحكمة، وتخرج من تعدد الآراء إلى قرار يخدم الوطن.
وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: من انتصر، رئيس المجلس أم النواب؟
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يبقى حاضرًا أمام الجميع هو:
هل انتصر المواطن؟
فإذا اتسعت مساحة الحوار، واحترمت الرئاسة حق النائب، واحترم النائب النظام، وعادت الجلسات إلى النقاش الهادئ المنتج، فإن مجلس النواب يستطيع أن يستعيد حضوره وثقة الشارع به، وأن يثبت أن القبة ليست مجرد صورة دستورية، ولا مكانًا لتسجيل المواقف، وإنما مؤسسة حقيقية للتشريع والرقابة والمساءلة وصوت الشعب.
الرئاسة أمانة، والنيابة أمانة، وصوت المواطن أمانة، والأردن هو الغاية.
حمى الله الأردن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين.
فواز أرفيفان خالد الخريشا
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم