يثار بين حين وآخر، أثناء جلسات مجلس النواب الأردني، مشهد يقوم فيه رئيس المجلس بقطع صوت أحد النواب أثناء حديثه، الأمر الذي يثير سؤالاً مشروعاً، هل يملك الرئيس صلاحية إغلاق الميكروفون متى أراد، أم لهذه الصلاحية حالات وضوابط حددها النظام الداخلي؟
الإجابة تحتاج إلى التمييز بين قطع الميكروفون كإجراء تقني، وبين منع النائب من مواصلة الكلام كصلاحية قانونية، فالنظام الداخلي لا يتحدث عن «زر الميكروفون» تحديداً، وإنما يحدد الحالات التي يجوز فيها لرئيس المجلس منع النائب من متابعة حديثه، ومن ثم فإن إغلاق الميكروفون لا ينبغي يكون صلاحية مستقلة عن النظام، إنما وسيلة تقنية لتنفيذ قرار أو صلاحية أجازها النظام الداخلي، والأصل أن النائب يتمتع بحرية الكلام وإبداء الرأي، وقد نص الدستور الأردني في المادة 87 على أن لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب «ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي»، وهذه الحرية ليست امتيازاً شخصياً للنائب، إنما ضمانة أساسية للعمل البرلماني، لأن مجلس النواب في جوهره مؤسسة للنقاش والحوار والرقابة والتشريع.
في المقابل، يملك رئيس مجلس النواب صلاحيات مهمة في إدارة الجلسة وتنظيم النقاش، وإعطاء الإذن بالكلام، وحفظ النظام، وتطبيق أحكام الدستور والنظام الداخلي، بالتالي، ليس مطلوباً من رئيس المجلس أن يترك الجلسة تتحول إلى فوضى، إنما المطلوب أن يمارس صلاحياته ضمن الحدود التي رسمها النظام، وقد حدد النظام حالات يستطيع فيها الرئيس منع النائب من متابعة كلامه، من بينها أن يتكلم النائب دون إذن، أو يستخدم عبارات نابية أو مسيئة، أو يتعرض للحياة الخاصة للغير، أو يتعرض بالتحقير لشخص أو هيئة، أو يتناول وقائع قضية منظورة أمام القضاء بما يؤثر على سير العدالة، كذلك بعض حالات متعلقة بما يجوز للنائب قوله بشأن جلالة الملك، إضافة إلى حالة انتهاء المدة المقررة لكلام النائب، ففي هذه الحالات يكون للرئيس أن يتدخل ويمنع النائب من الاستمرار، ويصبح قطع الميكروفون، من ناحية عملية وسيلة تقنية لتنفيذ هذا الإجراء. لكن الفرق مهم جداً بين أن يكون الإغلاق تنفيذاً لصلاحية مقررة في النظام، وبين أن يتحول إلى وسيلة مستقلة يستطيع الرئيس استخدامها متى شاء، فإذا انتهى الوقت المخصص للنائب، مثلاً، فإن من حق الرئيس إنهاء مداخلته وإذا استخدم النائب عبارات مخالفة للنظام، فمن حق الرئيس أن يوقفه وفق الإجراءات المقررة أما إذا كان السبب مجرد اختلاف الرئيس مع مضمون كلام النائب، أو أن الحديث يتضمن انتقاداً للحكومة أو لمسؤول أو لرئاسة المجلس، فإن ذلك وحده لا يشكل، في الأصل، مبرراً لإسكات النائب. وهناك حالات أخرى وضع النظام لها إجراءات مختلفة، فإذا خرج النائب عن موضوع النقاش أو استمر في مخالفة آداب الحديث، فإن للرئيس أن يلفت نظره إلى ذلك، وإذا استمر النائب بعد التنبيه، فإن النظام يرسم آلية محددة للتعامل معه، وقد يتطلب الأمر أخذ رأي المجلس في منعه من الكلام، وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن صلاحية الرئيس ليست واحدة في جميع الحالات، وإنما تختلف بحسب طبيعة المخالفة.
الأهم من ذلك أن النظام لم يترك الأمر مفتوحاً في غير الحالات التي حددها، إذ أن منع النائب من الكلام في الحالات الأخرى يرتبط بقرار من المجلس، وهذا يعني أن الرئيس لا يملك من حيث المبدأ، صلاحية مطلقة تمنحه حق إسكات أي نائب لمجرد أنه يرى أن مداخلته غير مناسبة أو غير مرغوبة.
ومن هنا فإن السؤال القانوني الحقيقي ليس: هل يستطيع رئيس المجلس تقنياً إغلاق ميكروفون النائب؟ فهذا أمر تقني بحت، والإجابة عنه واضحة. وإنما السؤال: هل كان للرئيس، في اللحظة التي قطع فيها الميكروفون، سند في النظام الداخلي يمنحه حق منع النائب من مواصلة الكلام؟
هنا تبرز مسألة أهم تتعلق بهيبة مجلس النواب التي كثر الحديث عنها مؤخراً، فالحفاظ على هيبة المجلس لا يعني إسكات النواب، كما أن حرية النواب لا تعني السماح بالفوضى أو الإساءة، فهيبة البرلمان تقوم على التوازن بين الأمرين: نائب يمارس حقه في الكلام بمسؤولية، ورئيس يدير الجلسة بحزم وعدالة وفق القانون.
ومن شأن قطع صوت النائب بصورة مفاجئة، من دون أن يكون واضحاً للمواطن سبب القطع، أن يترك انطباعاً سلبياً لدى الرأي العام، خصوصاً عندما يكون النائب يتحدث في قضية عامة أو يمارس دوره الرقابي. قد ينشأ لدى المشاهد شعور أن الميكروفون أصبح وسيلة سياسية لإدارة الحوار، بدلاً من أن يكون أداة تقنية لتنفيذ أحكام النظام الداخلي، لهذا، الأفضل من الناحية البرلمانية، أن يكون سبب قطع الكلام واضحاً ومعلناً، سواء كان انتهاء الوقت المخصص للنائب، أو مخالفة محددة، أو استخدام عبارات غير مسموحة، أو صدور قرار من المجلس، فوضوح السبب لا يحمي النائب وحده، إنما يحمي الرئيس أيضاً، ويمنع تأويل الإجراء على أنه استفراد أو انتقائية في تطبيق النظام، فالبرلمان القوي ليس الذي لا يعلو فيه إلا صوت رئيسه، إنما الذي يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا، ويختلفوا، وينتقدوا، ثم يلتزموا بالنظام. هذه هي الهيبة الحقيقية للمؤسسة التشريعية.
الإجابة تحتاج إلى التمييز بين قطع الميكروفون كإجراء تقني، وبين منع النائب من مواصلة الكلام كصلاحية قانونية، فالنظام الداخلي لا يتحدث عن «زر الميكروفون» تحديداً، وإنما يحدد الحالات التي يجوز فيها لرئيس المجلس منع النائب من متابعة حديثه، ومن ثم فإن إغلاق الميكروفون لا ينبغي يكون صلاحية مستقلة عن النظام، إنما وسيلة تقنية لتنفيذ قرار أو صلاحية أجازها النظام الداخلي، والأصل أن النائب يتمتع بحرية الكلام وإبداء الرأي، وقد نص الدستور الأردني في المادة 87 على أن لكل عضو من أعضاء مجلسي الأعيان والنواب «ملء الحرية في التكلم وإبداء الرأي في حدود النظام الداخلي»، وهذه الحرية ليست امتيازاً شخصياً للنائب، إنما ضمانة أساسية للعمل البرلماني، لأن مجلس النواب في جوهره مؤسسة للنقاش والحوار والرقابة والتشريع.
في المقابل، يملك رئيس مجلس النواب صلاحيات مهمة في إدارة الجلسة وتنظيم النقاش، وإعطاء الإذن بالكلام، وحفظ النظام، وتطبيق أحكام الدستور والنظام الداخلي، بالتالي، ليس مطلوباً من رئيس المجلس أن يترك الجلسة تتحول إلى فوضى، إنما المطلوب أن يمارس صلاحياته ضمن الحدود التي رسمها النظام، وقد حدد النظام حالات يستطيع فيها الرئيس منع النائب من متابعة كلامه، من بينها أن يتكلم النائب دون إذن، أو يستخدم عبارات نابية أو مسيئة، أو يتعرض للحياة الخاصة للغير، أو يتعرض بالتحقير لشخص أو هيئة، أو يتناول وقائع قضية منظورة أمام القضاء بما يؤثر على سير العدالة، كذلك بعض حالات متعلقة بما يجوز للنائب قوله بشأن جلالة الملك، إضافة إلى حالة انتهاء المدة المقررة لكلام النائب، ففي هذه الحالات يكون للرئيس أن يتدخل ويمنع النائب من الاستمرار، ويصبح قطع الميكروفون، من ناحية عملية وسيلة تقنية لتنفيذ هذا الإجراء. لكن الفرق مهم جداً بين أن يكون الإغلاق تنفيذاً لصلاحية مقررة في النظام، وبين أن يتحول إلى وسيلة مستقلة يستطيع الرئيس استخدامها متى شاء، فإذا انتهى الوقت المخصص للنائب، مثلاً، فإن من حق الرئيس إنهاء مداخلته وإذا استخدم النائب عبارات مخالفة للنظام، فمن حق الرئيس أن يوقفه وفق الإجراءات المقررة أما إذا كان السبب مجرد اختلاف الرئيس مع مضمون كلام النائب، أو أن الحديث يتضمن انتقاداً للحكومة أو لمسؤول أو لرئاسة المجلس، فإن ذلك وحده لا يشكل، في الأصل، مبرراً لإسكات النائب. وهناك حالات أخرى وضع النظام لها إجراءات مختلفة، فإذا خرج النائب عن موضوع النقاش أو استمر في مخالفة آداب الحديث، فإن للرئيس أن يلفت نظره إلى ذلك، وإذا استمر النائب بعد التنبيه، فإن النظام يرسم آلية محددة للتعامل معه، وقد يتطلب الأمر أخذ رأي المجلس في منعه من الكلام، وهذه نقطة مهمة، لأنها تعني أن صلاحية الرئيس ليست واحدة في جميع الحالات، وإنما تختلف بحسب طبيعة المخالفة.
الأهم من ذلك أن النظام لم يترك الأمر مفتوحاً في غير الحالات التي حددها، إذ أن منع النائب من الكلام في الحالات الأخرى يرتبط بقرار من المجلس، وهذا يعني أن الرئيس لا يملك من حيث المبدأ، صلاحية مطلقة تمنحه حق إسكات أي نائب لمجرد أنه يرى أن مداخلته غير مناسبة أو غير مرغوبة.
ومن هنا فإن السؤال القانوني الحقيقي ليس: هل يستطيع رئيس المجلس تقنياً إغلاق ميكروفون النائب؟ فهذا أمر تقني بحت، والإجابة عنه واضحة. وإنما السؤال: هل كان للرئيس، في اللحظة التي قطع فيها الميكروفون، سند في النظام الداخلي يمنحه حق منع النائب من مواصلة الكلام؟
هنا تبرز مسألة أهم تتعلق بهيبة مجلس النواب التي كثر الحديث عنها مؤخراً، فالحفاظ على هيبة المجلس لا يعني إسكات النواب، كما أن حرية النواب لا تعني السماح بالفوضى أو الإساءة، فهيبة البرلمان تقوم على التوازن بين الأمرين: نائب يمارس حقه في الكلام بمسؤولية، ورئيس يدير الجلسة بحزم وعدالة وفق القانون.
ومن شأن قطع صوت النائب بصورة مفاجئة، من دون أن يكون واضحاً للمواطن سبب القطع، أن يترك انطباعاً سلبياً لدى الرأي العام، خصوصاً عندما يكون النائب يتحدث في قضية عامة أو يمارس دوره الرقابي. قد ينشأ لدى المشاهد شعور أن الميكروفون أصبح وسيلة سياسية لإدارة الحوار، بدلاً من أن يكون أداة تقنية لتنفيذ أحكام النظام الداخلي، لهذا، الأفضل من الناحية البرلمانية، أن يكون سبب قطع الكلام واضحاً ومعلناً، سواء كان انتهاء الوقت المخصص للنائب، أو مخالفة محددة، أو استخدام عبارات غير مسموحة، أو صدور قرار من المجلس، فوضوح السبب لا يحمي النائب وحده، إنما يحمي الرئيس أيضاً، ويمنع تأويل الإجراء على أنه استفراد أو انتقائية في تطبيق النظام، فالبرلمان القوي ليس الذي لا يعلو فيه إلا صوت رئيسه، إنما الذي يستطيع فيه الجميع أن يتحدثوا، ويختلفوا، وينتقدوا، ثم يلتزموا بالنظام. هذه هي الهيبة الحقيقية للمؤسسة التشريعية.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات