يوسف الطورة يكتب: الضجيج وعصر الصراخ

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 13269
 يوسف الطورة يكتب: الضجيج وعصر الصراخ
يوسف الطورة

يوسف الطورة

في مدن الضجيج لم يعد الصراخ مجرد وسيلة للتعبير، بل أصبح أسلوب حياة، كل شيء تقريباً يحتاج إلى رفع الصوت الحب صراخ، والزواج مفاوضات صاخبة، والعلاقات الاجتماعية معارك صغيرة، والسياسة حفلة هتافات، وحتى الأفكار باتت تقاس بعلو الصوت لا بعمقها.

علاقات المجتمع صراع طبقي يعلو فيه الصوت على العقل، وعلاقات الدول صراخ سياسي، والشعارات صراخ فكري، المذاهب تحرض الأغلبيات على الأقليات، والأقليات على الأغلبيات، لافتاتها المرفوعة هي الصراخ، وأدواتها الهتاف والصياح أكثر من الحوار والإقناع.

حتى البيوت التي ترفع شعار الحب غالباً تعيش حياة أقرب إلى الصراع على السلطة منها إلى المحبة، حياة أقرب إلى صراخ يومي يتنازع فيها الجميع على الرأي والقرار في كل شيء، وكأن السؤال الذي يصحو عليه من يحكم من يسود؟، وفي النهاية لا أحد يعرف من يحكم، لكن الجميع يعرف كيف يصرخ.

تراجع الحوار أمام ضجيج إثبات الذات، فأصبحت الغلبة للصوت لا للحجة، وللانتصار على الآخر لا للوصول إلى الحقيقة، وتحولت الكثير من الشعارات الفكرية إلى أصوات مرتفعة وصخب يبحث عن الغلبة والهيمنة أكثر مما يبحث عن المعرفة.

في المجتمع تراجع الحوار أمام هوس إثبات الذات، لم يعد الهدف أن نفهم بعضنا، بل أن نهزم بعضنا، الغالبية تدخل النقاش وفي يده إجابة جاهزة، وحقيبة من اليقينيات واستعداد كامل لخوض حرب عالمية ثالثة.

وفي السياسة أصبح الشعار أكثر أهمية من الفكرة، والهتاف أقوى من الحجة، والتصفيق معياراً للصواب، وفي الفكر تحولت بعض النقاشات إلى سباق في رفع الصوت، حتى يخيل إليك أن الحقيقة موجودة في الحنجرة، وأن من يصرخ أكثر هو الأقرب إلى الله والوطن والعقل والمنطق.

وهنا تحضرني مقولة :"أكثر الناس لا يكافحون من أجل فهم الحقيقة، بل يكافحون من أجل إثبات أن ما يؤمنون به هو الحقيقة."

يبدو قول الحقيقية أمام البعض أصبح جريمة أخلاقية وعلامة على المشاغبة، لأنهم يعتبرون الحفاظ على أنصاف حقائقهم وأفكارهم الثابتة كواجب إنساني، ولهذا يعتقدون أن كل شخص يربك لعبتهم الطفولية شريراً.

نحن لا نعاني من قلة الأصوات، بل من ندرة الصمت الذي يسبق التفكير

وفي زمن يستطيع فيه الجميع الكلام، قد يصبح أكثر الناس حكمة هو الذي يتوقف قليلاً عن الصراخ ليس لأنه لا يملك ما يقوله، بل لأنه أدرك أخيراً أن الحقيقة لا تحتاج إلى حنجرة قوية، وإنما إلى عقل يستطيع احتمالها.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم