فيصل تايه يكتب: الحقول الأربعة في نظام المسارات .. ماذا تعني للطالب وإلى أين يمكن أن تقوده؟

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 10337
فيصل تايه يكتب: الحقول الأربعة في نظام المسارات ..  ماذا تعني للطالب وإلى أين يمكن أن تقوده؟
فيصل تايه

فيصل تايه

عطفاً على المقال السابق الذي تناولت فيه آلية توزيع الطلبة على الحقول في نظام المسارات، تكتمل الصورة بالوقوف عند الحقول الأربعة نفسها؛ فما يزال بعض الطلبة وأولياء الأمور بحاجة إلى صورة أكثر وضوحاً حول هذا النظام، في ظل ما يرافقه من تساؤلات وقلق ناتج عن عدم وضوح بعض المفاهيم وتداخلها.

ولذلك حاولت في هذا المقال أن أضع الأمور في نصابها، وأن أميز بوضوح بين ما يتعلق بتوزيع الطلبة، وما يتعلق بالحقول وطبيعة الدراسة فيها، وما يرتبط لاحقاً بالتخصص والقبول الجامعي.

فمعرفة كيفية توزيع الطالب لا تكفي ما لم يفهم ماذا يعني انتقاله إلى الحقل الذي اختاره، وما طبيعة الدراسة فيه، وما المجالات التي يمكن أن يفتحها أمامه لاحقاً. فالحقل ليس مجرد اسم أو تصنيف للطلبة، وإنما إطار تعليمي له طبيعة ومباحث واتجاهات يفترض أن تتقاطع مع قدرات الطالب وميوله واستعداداته وطموحه.

وفي نظام المسارات في الأردن، تتمثل الحقول في أربعة: الحقل الصحي، وحقل العلوم والتكنولوجيا والهندسة، وحقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، وحقل الأعمال. وهذه الصيغة لا تعني مجرد تقليل عدد الخيارات، وإنما تهدف إلى جعلها أكثر وضوحاً وتخصصاً، وربط طبيعة الدراسة باتجاه الطالب وقدراته.

ومن هنا تبدأ الفكرة الأهم التي ينبغي أن تستقر في وعي الطالب والأسرة: الحقل ليس تخصصاً جامعياً واحداً ، فالطالب الذي يختار الحقل الصحي لا يكون قد اختار الطب، ومن يختار حقل العلوم والتكنولوجيا والهندسة لا يكون قد اختار الهندسة، كما أن حقل الأعمال لا يساوي إدارة الأعمال أو المحاسبة وحدهما.

فالحقل مظلة أوسع، تضم مجالات وتخصصات ذات صلة، بينما يأتي اختيار التخصص الجامعي في مرحلة لاحقة وفق المباحث التي درسها الطالب، وشروط القبول، والأسس المعمول بها.

فالحقل الصحي يرتبط بالمجالات الطبية والصحية والحياتية، ويفتح أمام الطالب مساحة واسعة من الخيارات في هذه المجالات، وليس الطب وحده. ولذلك فإن الطالب الذي يميل إلى العلوم والصحة والحياة ينبغي ألا ينظر إلى هذا الحقل باعتباره طريقاً إلى مهنة واحدة، وإنما مجالاً واسعاً يمكن أن تتعدد داخله خياراته الأكاديمية والمهنية.

والأمر نفسه ينطبق على حقل العلوم والتكنولوجيا والهندسة، الذي يجمع مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة وما يرتبط بها من تخصصات. فاختياره لا يعني أن الطالب ضمن مقعداً في تخصص هندسي محدد، وإنما يعني أنه اختار بيئة تعليمية ذات توجه علمي وتقني وهندسي، تتحدد بعدها خياراته الجامعية وفق المباحث التي درسها والمتطلبات وشروط القبول المعتمدة.

أما حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية، فيتسع للغات والآداب والتربية والعلوم الاجتماعية والإعلام والاتصال والتاريخ والجغرافيا والفلسفة وغيرها من المجالات التي تتصل بالإنسان والمجتمع والفكر واللغة. وهو بذلك أوسع بكثير من الصورة التقليدية التي تختزل المجال الإنساني في عدد محدود من التخصصات.

ويأتي حقل الأعمال ليضم المجالات المرتبطة بالإدارة والاقتصاد والمال والتجارة، ومن بينها المحاسبة والتمويل والمصارف والتسويق وريادة الأعمال وغيرها من المجالات ذات الصلة بعالم الأعمال. ولذلك فإن الطالب الذي يميل إلى الإدارة والمال والأسواق والمشروعات واتخاذ القرار لا ينبغي أن يختزل هذا الحقل في إدارة الأعمال وحدها.

وهنا ينبغي أن تستقر قاعدة أخرى لا تقل أهمية: الحقل يفتح المجال، لكنه لا يمنح المقعد. فاختيار الحقل الصحي لا يضمن الطب، واختيار حقل العلوم والتكنولوجيا والهندسة لا يضمن تخصصاً هندسياً بعينه، كما أن اختيار حقل الأعمال لا يضمن تخصصاً محدداً. فالقبول الجامعي له شروطه ومعدلاته وتنافسيته وطاقة التخصصات الاستيعابية، كما أن أهلية الطالب للتقدم إلى تخصص معين ترتبط بالأسس والمباحث المطلوبة لذلك التخصص.

ولا يتعلق اختيار الحقل بما سيأتي بعد المدرسة فقط، وإنما بطبيعة الدراسة التي سيخوضها الطالب خلال المرحلة الثانوية. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس فقط: "ما التخصص الذي أريده؟"، وإنما أيضاً: "هل طبيعة الدراسة في هذا الحقل تناسبني؟" فالطالب الذي يميل إلى العلوم والرياضيات وحل المشكلات والتقنية قد يجد نفسه أكثر في المجال العلمي والتكنولوجي والهندسي، بينما قد يجد آخر نفسه في اللغة أو المجتمع أو الإدارة أو المجالات الصحية. ومن هنا تصبح معرفة الطالب بقدراته وميوله أمراً أساسياً قبل اتخاذ القرار.

وهنا تتعاظم مسؤولية المدرسة والأسرة والمرشد التربوي؛ فالمطلوب ليس دفع الطالب إلى حقل بعينه، وإنما مساعدته على معرفة نفسه، والاستفادة من مقاييس الميول والقدرات للتحقق من خياراته، بعيداً عن ضغط الأصدقاء أو الصورة الاجتماعية لبعض التخصصات. فالاختيار الواعي لا يبدأ من سؤال: "ما التخصص الأشهر؟"، وإنما من سؤال أكثر واقعية: "أين أستطيع أن أنجح، وما المجال الذي يناسب قدراتي وطموحي؟"

وإذا تغيرت ميول الطالب لاحقاً، فهذا لا يعني بالضرورة أن مستقبله قد أغلق أمامه، فقد توجد مسارات للوصول إلى خيارات أخرى، لكن ذلك قد يتطلب استكمال أو إعادة دراسة بعض المباحث والمتطلبات، وفق التعليمات وشروط القبول المعمول بها في حينه. ولذلك فإن وجود هذه المرونة لا يعني أن الاختيار الأول غير مهم، بل يؤكد أن القرار ينبغي أن يُبنى منذ البداية على معرفة حقيقية بطبيعة الحقل وما يترتب عليه.

كما ينبغي ألا تتحول الحقول إلى ترتيب للطلبة من حيث التفوق أو المكانة. لا يوجد حقل أعلى من حقل، وإنما توجد مجالات مختلفة تحتاج إلى قدرات وميول مختلفة. وقد ينجح الطالب في المجال الذي يناسبه أكثر بكثير من نجاحه في مجال اختاره لمجرد شهرته أو قبوله الاجتماعي.

إن نظام المسارات لا يطلب من الطالب أن يعرف مستقبله كله منذ اللحظة الأولى، لكنه يطلب منه أن يكون أكثر وعياً بالاتجاه الذي يريد أن يسير فيه. وهذا يتطلب من المدرسة أن تقدم له المعلومات والأدوات المساندة، ومن الأسرة أن تمنحه مساحة للتفكير، ومن الطالب أن يتحمل مسؤولية اختياره.

وفي النهاية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار الحقل ليس فقط: "أي حقل أريد؟"، وإنما: "ماذا يعني هذا الحقل، وما المجالات التي يفتحها أمامي، وهل يتناسب مع قدراتي وميولي وطموحي؟"

فكلما فهم الطالب أن الحقل مساحة تعليمية وليس تخصصاً واحداً، وبداية طريق وليس ضماناً لمقعد جامعي، أصبح اختياره أكثر وعياً، وأصبح نظام المسارات أقرب إلى غايته الحقيقية: أن ينتقل الطالب من اختيار عابر إلى قرار يعرف معناه، ويدرك فرصه وحدوده، ويتحمل مسؤوليته.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم