ليس ضرورياً أن تخترع السيارة حتى تبدأ صناعة السيارات، كما أنه ليس من الحكمة أن تنفق سنوات طويلة وأموالاً كثيرة لتعيد اختراع ما أتقنه الآخرون. في الاقتصاد، كما في السياسة، قد تكون البداية الذكية أن تعرف ماذا تشتري من المعرفة، وكيف تنقلها، ومتى تبدأ بإضافة معرفتك إليها.
ففي ستينيات القرن الماضي، ذهب الاتحاد السوفييتي، بكل ثقله السياسي والصناعي، إلى فيات (Fiat) الإيطالية. لم يجد في الاستفادة من التكنولوجيا الغربية انتقاصاً من سيادته؛ فظهرت منظومة أفتوفاز (AvtoVAZ)، وانطلقت لادا (Lada) من قاعدة فيات 124 (Fiat 124) بعد تعديلات تناسب البيئة السوفييتية، ثم تراكمت الخبرة حتى ظهرت لاحقاً لادا نيفا (Lada Niva) بتطوير سوفييتي.
وفعلت بولندا شيئاً قريباً. أنتجت بولسكي فيات 125 بي (Polski Fiat 125p) وفيات 126 بي (Fiat 126p)، ثم أخذت المكونات والموردون والخبرة الهندسية تتوطن تدريجياً، إلى أن ظهرت إف إس أو بولونيز (FSO Polonez). ومن Polski Fiat 125p وحدها أُنتج أكثر من 1.45 مليون سيارة، ذهب نحو 875 ألفاً منها إلى التصدير.
هنا تحديداً علينا أن نعيد النظر في مفهوم «الربح».
فالدولة لا تربح من المصنع فقط عندما يضع آخر العام رقماً موجباً في ميزانيته. السيارة التي لم تعد تستوردها كاملة وفّرت عملة أجنبية، وقطعة الغيار التي أصبحت تُصنع محلياً خفضت فاتورة أخرى، والسيارة أو القطعة التي خرجت إلى سوق خارجي جلبت عملة أجنبية. ثم هناك أرباح يصعب وضعها في خانة محاسبية واحدة: فني تعلم مهنة، ومهندس اكتسب معرفة، وشركة صغيرة أصبحت مورداً، وجامعة وجدت سبباً لإنشاء مختبر، وباحث أصبح أمامه قطاع صناعي يحتاج إلى بحثه.
فالاقتصاد لا يحسب دائماً ما دخل فقط؛ بل يحسب أيضاً ما لم يعد مضطراً إلى إخراجه.
ولعل تركيا تقدم المثال الأكثر وضوحاً على تراكم هذه الفكرة. بدأت توفاش (Tofaş) بالشراكة مع Fiat، وأوياك رينو (Oyak Renault) مع Renault، ثم نمت حول المصانع شبكة واسعة من الموردين والمكونات والهندسة ومراكز البحث والتطوير. وفي عام 2025 بلغت صادرات صناعة السيارات التركية نحو 41.5 مليار دولار، كان للصناعات المغذية والمكونات وحدها نحو 15.8 مليار دولار منها.
وهذا رقم يستحق التأمل؛ فقد تكون القطعة الصغيرة التي تدخل مليون سيارة أكثر جدوى للاقتصاد من سيارة كاملة لا نصنع منها إلا بضعة آلاف.
وبعد عقود من التراكم الصناعي وصلت تركيا إلى توغ (TOGG)، سيارتها الكهربائية الوطنية. لم تبدأ تركيا من TOGG؛ وصلت إليها. وبين الفعلين فارق كبير في فهم التنمية.
أما مصر فقد دخلت صناعة السيارات مبكراً مع شركة النصر للسيارات، واستفادت من تراخيص ونماذج أجنبية، ونشأت حولها خبرات وصناعات مغذية. لكن التجربة المصرية تضع أمامنا درساً آخر: المصنع الذي لا تتجدد تقنيته ولا تتعمق حوله المعرفة والمكونات المحلية ولا تتوسع أسواقه التصديرية، قد يتحول مع الزمن من أصل اقتصادي إلى عبء يحتاج إلى الإنقاذ.
ومن هنا أصل إلى المغرب.
لا أكتب عن التجربة المغربية لأن المغرب اخترع رينو (Renault) أو داسيا (Dacia) أو بيجو (Peugeot)؛ فلم يفعل، كما لم تخترع بولندا Fiat ولم تبدأ تركيا بسيارتها الوطنية.
السؤال الأهم عندي مختلف:
ماذا يبقى في المغرب عندما تغادر السيارة ميناء طنجة إلى أوروبا؟
في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء تخرج اليوم سيارات مثل داسيا سانديرو (Dacia Sandero) وسانديرو ستيبواي (Sandero Stepway) وداسيا جوغر (Dacia Jogger) وبيجو 208 (Peugeot 208)، إلى جانب مركبات كهربائية صغيرة مثل سيتروين آمي (Citroën Ami) وفيات توبولينو (Fiat Topolino).
لكن السيارة الجاهزة ليست أكثر ما يلفت النظر.
الأكثر أهمية ما نشأ حولها: موردون، وأسلاك، ومقاعد، وأجزاء معدنية وبلاستيكية وإلكترونية، وخدمات هندسية ولوجستية، وتكوين مهني، ثم انتقال متدرج نحو مكونات وبطاريات السيارات الكهربائية.
أي أن السؤال المغربي يتحول شيئاً فشيئاً من «كم سيارة نصنع؟» إلى «كم من السيارة نصنع؟»
وهذه نقلة صغيرة في اللغة، كبيرة جداً في الاقتصاد.
وإذا وسّعنا الصورة أكثر سنجد المغرب الذي عرف الفوسفات والأسمدة والنسيج والجلود والصناعات الغذائية وقد أضاف خلال نحو خمسة عشر عاماً السيارات ومكوناتها، والطيران وأجزاء الطائرات، والإلكترونيات والطاقات المتجددة، ثم بدأ يبحث عن موقع داخل سلسلة قيمة البطاريات والتنقل الكهربائي.
حتى ميناء طنجة المتوسط (Tanger Med) والسكك الحديدية وقطار البراق (Al Boraq) وترامواي الرباط وسلا والدار البيضاء ينبغي ألا تُقرأ بوصفها مشروعات جميلة منفصلة. الميناء من دون صناعة قد يبقى ممراً، والمصنع من دون لوجستيات ترتفع كلفته، والجامعة من دون اقتصاد يحتاج إلى المعرفة قد تنتج أبحاثاً لا تجد طريقها إلى السوق.
أما عندما يرتبط الميناء بالمصنع، والمصنع بالمورد، والمورد بالمهندس، والمهندس بالجامعة، والجامعة بالبحث، والبحث بالمنتج، فنحن لا نكون أمام مجموعة مشروعات؛ بل أمام سياسة دولة.
وهذه، في تقديري، أهم نقطة في التجربة المغربية.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول المغرب إلى صورة سياحية للاقتصاد. فما تزال البطالة، وخصوصاً بين الشباب، تحدياً حقيقياً، وهناك فوارق اجتماعية ومجالية، وضغوط على المالية العامة، ومشكلة جفاف وشح مياه أصبحت جزءاً من الحساب الاقتصادي نفسه.
لذلك لن يكون الامتحان الحقيقي للمغرب في عدد السيارات التي يصنعها، وإنما في قدرة هذه الصناعة على الوصول إلى حياة الناس: كم وظيفة مستقرة ستخلق؟ وكم شركة مغربية ستكبر داخل سلاسل التوريد؟ وكم استيراداً سيُستعاض عنه بإنتاج محلي؟ وكم مهندساً وباحثاً ستصنع هذه المنظومة؟ وكم من القيمة المضافة سيبقى داخل الاقتصاد المغربي؟
فالتنمية المستدامة لا تسأل عن حجم المصنع فقط؛ بل عن حجم أثره.
ومن هنا، فإن قراءة هذه التجارب بالنسبة لنا في الأردن ينبغي ألا تقودنا إلى السؤال السهل: لماذا لا نصنع سيارة أردنية؟
قد لا تكون السيارة الكاملة هي البداية المناسبة أصلاً.
لدينا اقتصاد أصغر، لكن لدينا رأسمال بشري جيد، ومهندسون ومبرمجون وفنيون، وميناء في العقبة، وموقع جغرافي مهم، واتفاقيات تجارية وأسواق إقليمية قريبة. ولذلك قد تكون البداية الأذكى هي الدخول إلى سلسلة القيمة قبل التفكير في امتلاك المنتج كله.
قطعة إلكترونية، أو ضفيرة كهربائية، أو مكوّن بلاستيكي أو معدني، أو برمجيات للمركبات، أو أنظمة مرتبطة بالبطاريات والشحن؛ منتجات تبدو أصغر من السيارة، لكنها إذا دخلت مئات الآلاف من السيارات تصبح صناعة كبيرة.
ولا أعتقد أن الأردن يحتاج إلى استنساخ تركيا أو المغرب؛ فالدول لا تنجح بالنسخ. ما نحتاجه هو فهم المنطق: اختيار ميزة محددة، وجذب التكنولوجيا إليها، وربط الحوافز بنسبة المكون المحلي والتشغيل والتصدير ونقل المعرفة، ثم إدخال الجامعة والبحث العلمي في المعادلة منذ البداية.
عندها يصبح الاستثمار الأجنبي شريكاً في بناء القدرة الوطنية، لا مجرد مصنع أجنبي موجود على أرض وطنية.
وهذه ربما خلاصة الرحلة كلها، من Fiat إلى بولندا وتركيا ومصر، وصولاً إلى طنجة والقنيطرة: لا عيب أن تبدأ بتكنولوجيا الآخرين، فالاقتصادات الكبرى نفسها فعلت ذلك في مراحل مختلفة. العيب أن تمضي العقود ولا تزال تشتري المعرفة نفسها التي كان يفترض أن تكون قد تعلمتها.
فالتجميع بداية، وبعده توطين المكونات، ثم نقل التكنولوجيا، ثم الهندسة والبحث والتطوير. والغاية ليست بالضرورة أن تضع اسماً وطنياً على مقدمة السيارة؛ بل أن تصبح القيمة التي بداخلها أكثر وطنية عاماً بعد عام.
ولهذا لا يشغلني كثيراً كم سيارة سيصنع المغرب في العام المقبل.
يشغلني سؤال آخر:
ماذا سيبقى للمغرب بعد أن يصنع ملايين السيارات؟
فالسيارة ستغادر المصنع إلى الميناء، ومنه إلى العالم، وتُباع.
أما المهندس الذي تعلم، والمورد الذي نشأ، والبحث الذي تحول إلى منتج، والتكنولوجيا التي أصبحت معرفة محلية...
فتلك هي الثروة التي لا تغادر الميناء.
ففي ستينيات القرن الماضي، ذهب الاتحاد السوفييتي، بكل ثقله السياسي والصناعي، إلى فيات (Fiat) الإيطالية. لم يجد في الاستفادة من التكنولوجيا الغربية انتقاصاً من سيادته؛ فظهرت منظومة أفتوفاز (AvtoVAZ)، وانطلقت لادا (Lada) من قاعدة فيات 124 (Fiat 124) بعد تعديلات تناسب البيئة السوفييتية، ثم تراكمت الخبرة حتى ظهرت لاحقاً لادا نيفا (Lada Niva) بتطوير سوفييتي.
وفعلت بولندا شيئاً قريباً. أنتجت بولسكي فيات 125 بي (Polski Fiat 125p) وفيات 126 بي (Fiat 126p)، ثم أخذت المكونات والموردون والخبرة الهندسية تتوطن تدريجياً، إلى أن ظهرت إف إس أو بولونيز (FSO Polonez). ومن Polski Fiat 125p وحدها أُنتج أكثر من 1.45 مليون سيارة، ذهب نحو 875 ألفاً منها إلى التصدير.
هنا تحديداً علينا أن نعيد النظر في مفهوم «الربح».
فالدولة لا تربح من المصنع فقط عندما يضع آخر العام رقماً موجباً في ميزانيته. السيارة التي لم تعد تستوردها كاملة وفّرت عملة أجنبية، وقطعة الغيار التي أصبحت تُصنع محلياً خفضت فاتورة أخرى، والسيارة أو القطعة التي خرجت إلى سوق خارجي جلبت عملة أجنبية. ثم هناك أرباح يصعب وضعها في خانة محاسبية واحدة: فني تعلم مهنة، ومهندس اكتسب معرفة، وشركة صغيرة أصبحت مورداً، وجامعة وجدت سبباً لإنشاء مختبر، وباحث أصبح أمامه قطاع صناعي يحتاج إلى بحثه.
فالاقتصاد لا يحسب دائماً ما دخل فقط؛ بل يحسب أيضاً ما لم يعد مضطراً إلى إخراجه.
ولعل تركيا تقدم المثال الأكثر وضوحاً على تراكم هذه الفكرة. بدأت توفاش (Tofaş) بالشراكة مع Fiat، وأوياك رينو (Oyak Renault) مع Renault، ثم نمت حول المصانع شبكة واسعة من الموردين والمكونات والهندسة ومراكز البحث والتطوير. وفي عام 2025 بلغت صادرات صناعة السيارات التركية نحو 41.5 مليار دولار، كان للصناعات المغذية والمكونات وحدها نحو 15.8 مليار دولار منها.
وهذا رقم يستحق التأمل؛ فقد تكون القطعة الصغيرة التي تدخل مليون سيارة أكثر جدوى للاقتصاد من سيارة كاملة لا نصنع منها إلا بضعة آلاف.
وبعد عقود من التراكم الصناعي وصلت تركيا إلى توغ (TOGG)، سيارتها الكهربائية الوطنية. لم تبدأ تركيا من TOGG؛ وصلت إليها. وبين الفعلين فارق كبير في فهم التنمية.
أما مصر فقد دخلت صناعة السيارات مبكراً مع شركة النصر للسيارات، واستفادت من تراخيص ونماذج أجنبية، ونشأت حولها خبرات وصناعات مغذية. لكن التجربة المصرية تضع أمامنا درساً آخر: المصنع الذي لا تتجدد تقنيته ولا تتعمق حوله المعرفة والمكونات المحلية ولا تتوسع أسواقه التصديرية، قد يتحول مع الزمن من أصل اقتصادي إلى عبء يحتاج إلى الإنقاذ.
ومن هنا أصل إلى المغرب.
لا أكتب عن التجربة المغربية لأن المغرب اخترع رينو (Renault) أو داسيا (Dacia) أو بيجو (Peugeot)؛ فلم يفعل، كما لم تخترع بولندا Fiat ولم تبدأ تركيا بسيارتها الوطنية.
السؤال الأهم عندي مختلف:
ماذا يبقى في المغرب عندما تغادر السيارة ميناء طنجة إلى أوروبا؟
في طنجة والقنيطرة والدار البيضاء تخرج اليوم سيارات مثل داسيا سانديرو (Dacia Sandero) وسانديرو ستيبواي (Sandero Stepway) وداسيا جوغر (Dacia Jogger) وبيجو 208 (Peugeot 208)، إلى جانب مركبات كهربائية صغيرة مثل سيتروين آمي (Citroën Ami) وفيات توبولينو (Fiat Topolino).
لكن السيارة الجاهزة ليست أكثر ما يلفت النظر.
الأكثر أهمية ما نشأ حولها: موردون، وأسلاك، ومقاعد، وأجزاء معدنية وبلاستيكية وإلكترونية، وخدمات هندسية ولوجستية، وتكوين مهني، ثم انتقال متدرج نحو مكونات وبطاريات السيارات الكهربائية.
أي أن السؤال المغربي يتحول شيئاً فشيئاً من «كم سيارة نصنع؟» إلى «كم من السيارة نصنع؟»
وهذه نقلة صغيرة في اللغة، كبيرة جداً في الاقتصاد.
وإذا وسّعنا الصورة أكثر سنجد المغرب الذي عرف الفوسفات والأسمدة والنسيج والجلود والصناعات الغذائية وقد أضاف خلال نحو خمسة عشر عاماً السيارات ومكوناتها، والطيران وأجزاء الطائرات، والإلكترونيات والطاقات المتجددة، ثم بدأ يبحث عن موقع داخل سلسلة قيمة البطاريات والتنقل الكهربائي.
حتى ميناء طنجة المتوسط (Tanger Med) والسكك الحديدية وقطار البراق (Al Boraq) وترامواي الرباط وسلا والدار البيضاء ينبغي ألا تُقرأ بوصفها مشروعات جميلة منفصلة. الميناء من دون صناعة قد يبقى ممراً، والمصنع من دون لوجستيات ترتفع كلفته، والجامعة من دون اقتصاد يحتاج إلى المعرفة قد تنتج أبحاثاً لا تجد طريقها إلى السوق.
أما عندما يرتبط الميناء بالمصنع، والمصنع بالمورد، والمورد بالمهندس، والمهندس بالجامعة، والجامعة بالبحث، والبحث بالمنتج، فنحن لا نكون أمام مجموعة مشروعات؛ بل أمام سياسة دولة.
وهذه، في تقديري، أهم نقطة في التجربة المغربية.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول المغرب إلى صورة سياحية للاقتصاد. فما تزال البطالة، وخصوصاً بين الشباب، تحدياً حقيقياً، وهناك فوارق اجتماعية ومجالية، وضغوط على المالية العامة، ومشكلة جفاف وشح مياه أصبحت جزءاً من الحساب الاقتصادي نفسه.
لذلك لن يكون الامتحان الحقيقي للمغرب في عدد السيارات التي يصنعها، وإنما في قدرة هذه الصناعة على الوصول إلى حياة الناس: كم وظيفة مستقرة ستخلق؟ وكم شركة مغربية ستكبر داخل سلاسل التوريد؟ وكم استيراداً سيُستعاض عنه بإنتاج محلي؟ وكم مهندساً وباحثاً ستصنع هذه المنظومة؟ وكم من القيمة المضافة سيبقى داخل الاقتصاد المغربي؟
فالتنمية المستدامة لا تسأل عن حجم المصنع فقط؛ بل عن حجم أثره.
ومن هنا، فإن قراءة هذه التجارب بالنسبة لنا في الأردن ينبغي ألا تقودنا إلى السؤال السهل: لماذا لا نصنع سيارة أردنية؟
قد لا تكون السيارة الكاملة هي البداية المناسبة أصلاً.
لدينا اقتصاد أصغر، لكن لدينا رأسمال بشري جيد، ومهندسون ومبرمجون وفنيون، وميناء في العقبة، وموقع جغرافي مهم، واتفاقيات تجارية وأسواق إقليمية قريبة. ولذلك قد تكون البداية الأذكى هي الدخول إلى سلسلة القيمة قبل التفكير في امتلاك المنتج كله.
قطعة إلكترونية، أو ضفيرة كهربائية، أو مكوّن بلاستيكي أو معدني، أو برمجيات للمركبات، أو أنظمة مرتبطة بالبطاريات والشحن؛ منتجات تبدو أصغر من السيارة، لكنها إذا دخلت مئات الآلاف من السيارات تصبح صناعة كبيرة.
ولا أعتقد أن الأردن يحتاج إلى استنساخ تركيا أو المغرب؛ فالدول لا تنجح بالنسخ. ما نحتاجه هو فهم المنطق: اختيار ميزة محددة، وجذب التكنولوجيا إليها، وربط الحوافز بنسبة المكون المحلي والتشغيل والتصدير ونقل المعرفة، ثم إدخال الجامعة والبحث العلمي في المعادلة منذ البداية.
عندها يصبح الاستثمار الأجنبي شريكاً في بناء القدرة الوطنية، لا مجرد مصنع أجنبي موجود على أرض وطنية.
وهذه ربما خلاصة الرحلة كلها، من Fiat إلى بولندا وتركيا ومصر، وصولاً إلى طنجة والقنيطرة: لا عيب أن تبدأ بتكنولوجيا الآخرين، فالاقتصادات الكبرى نفسها فعلت ذلك في مراحل مختلفة. العيب أن تمضي العقود ولا تزال تشتري المعرفة نفسها التي كان يفترض أن تكون قد تعلمتها.
فالتجميع بداية، وبعده توطين المكونات، ثم نقل التكنولوجيا، ثم الهندسة والبحث والتطوير. والغاية ليست بالضرورة أن تضع اسماً وطنياً على مقدمة السيارة؛ بل أن تصبح القيمة التي بداخلها أكثر وطنية عاماً بعد عام.
ولهذا لا يشغلني كثيراً كم سيارة سيصنع المغرب في العام المقبل.
يشغلني سؤال آخر:
ماذا سيبقى للمغرب بعد أن يصنع ملايين السيارات؟
فالسيارة ستغادر المصنع إلى الميناء، ومنه إلى العالم، وتُباع.
أما المهندس الذي تعلم، والمورد الذي نشأ، والبحث الذي تحول إلى منتج، والتكنولوجيا التي أصبحت معرفة محلية...
فتلك هي الثروة التي لا تغادر الميناء.
وسوم:
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات