زهور السعودي تكتب: ظهور إعلامي .. ودروع للبيع!

منذ 2 ساعة
المشاهدات : 20881
زهور السعودي تكتب: ظهور إعلامي ..  ودروع للبيع!
زهور السعودي

زهور السعودي

هناك دعوات تصل إلى أشخاص لأن حضورهم يستحق أن يكون في المكان، وتجاربهم تستحق أن تُسمع، وما قدموه خلال سنوات يستحق التقدير. دعوة إلى منتدى، أو مؤتمر، أو فعالية ثقافية أو إنسانية، أو ربما تكريم وجائزة أو إلقاء كلمة. وما أجمل أن يشعر الإنسان أن هناك من يراه، ويتابع ما يقدم، ويقدّر أثره. لكن... ماذا لو اكتشف المدعو أن التقدير له ثمن؟ ماذا لو كانت الجائزة التي ظن أنها جاءت نتيجة لإنجاز، تحتاج إلى مبلغ مالي؟ وماذا لو كانت العضوية التي ظن أنها اعتراف بمكانته، مرتبطة برسوم؟ وماذا لو كان إلقاء الكلمة، أو الظهور في المناسبة، أو حتى التغطية الإعلامية، جزءًا من فاتورة لا علاقة لها بقيمة ما قدمه؟ هنا لا يعود السؤال عن الجائزة نفسها، بل يمتد إلى ما هو أكبر: متى تحول التقدير من نتيجة للإنجاز إلى خدمة يمكن شراؤها؟ صناعة الصورة.. أم بناء الأثر؟ المسألة لا تتوقف عند درع يُسلّم على منصة. ففي بعض المشاهد، يبدو الأمر وكأنه منظومة كاملة: دعوة، ثم تكريم، ثم صور وتغطية، ثم مقال يشيد بالإنجازات، حتى يصبح من الصعب على المتلقي أن يعرف أين يبدأ الإنجاز الحقيقي وأين تبدأ صناعة الصورة. ومع الوقت، قد يتحول الشخص من صاحب إنجاز إلى مجرد "صاحب حضور إعلامي". والفرق بين الاثنين شاسع؛ فالإنجاز الحقيقي لا يحتاج إلى أن نخبر الناس كل يوم بأنه إنجاز؛ أثره ونتائجه والناس الذين استفادوا منه يتحدثون عنه. أما الصورة وحدها، مهما كانت جميلة، فلا تستطيع أن تحمل إنجازًا غير موجود. نحن نعيش في زمن أصبح فيه الإعلام قادرًا على صناعة المشهد كاملاً حول أي شخص تقريبًا. مقال هنا، ومقابلة هناك، ولقب جديد يتبعه منشور عن "مسيرة حافلة". يقرأ الناس ذلك مرة بعد مرة، فيعتقدون أن كثرة الظهور دليل على كثرة الإنجاز. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل كل من نراه مُكرّمًا يستحق التكريم فعلًا؟ وهل الجائزة دليل على القيمة، أم أن القيمة هي التي يجب أن تكون سببًا للجائزة؟ عندما تختلط الحدود المشكلة ليست في التكريم، بل في أن يصبح هدفًا بحد ذاته. وليست في الإعلام، بل في أن يتحول من نقل الإنجاز إلى صناعته في عيون الناس. وليست في أن يدفع الإنسان مقابل حضور فعالية تجارية أو خدمة إعلامية معلنة؛ فهذا أمر مختلف تمامًا. المشكلة تبدأ عندما تختلط الحدود، فيُقدَّم ما هو مدفوع على أنه تقدير مستقل، ويُقدَّم الظهور على أنه إنجاز، وتصبح الجوائز المتكررة شهادة على شيء لم نتحقق منه أصلًا. والأخطر من ذلك، أن المجتمع نفسه يشارك في هذه الظاهرة؛ نفق للمشهد، ونعيد نشر الألقاب، ثم نتساءل لماذا اختفى أصحاب الإنجاز الحقيقيون. ربما لأن بعضهم لا يملك المال لصناعة الضجيج، أو لأنهم ببساطة لا يرون أن العمل الحقيقي يحتاج إلى إعلان مستمر. ماذا نترك وراءنا؟ إذا كان المال يستطيع أن يشتري لك منصة، وصورة، وتغطية، ومقالًا، ولقبًا، ودرعًا... فهل يستطيع أن يشتري لك التاريخ أيضًا؟ لا أظن. لأن التاريخ قد يتأخر، لكنه لا ينسى. والإنجاز الحقيقي قد لا يملك ميزانية للإعلان عن نفسه، لكنه يترك أثرًا لا يحتاج إلى دعاية. لذلك، آن الأوان أن نسأل قبل أن نندهش من عدد الجوائز أو نكرر الألقاب: ماذا أنجز هذا الشخص؟ ليس كم جائزة حصل عليها، ولا كم مقالًا كُتب عنه، بل... ماذا ترك وراءه؟ فربما يكون أعظم تكريم يحصل عليه الإنسان هو ذلك الذي لا يُباع ولا يُشترى: أن يقول الناس عنه، بعد أن تنتهي كل المنصات والصور والدروع: لقد كان وجوده فارقًا فعلًا.
شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم