هناك قضايا لا يجوز أن تُناقش بمنطق الأرقام وحدها، لأن الرقم في نهايته إنسان، والقبول الجامعي ليس جدولًا إلكترونيًا تُملأ خاناته ثم تُغلق الصفحة، وما نشهده اليوم في ملف طلبة الحقل الصحي من أزمة متكررة في القبول الجامعي يستحق أن يُقرأ من زاوية أوسع بكثير من حدود المنافسة على المقاعد، إذ إن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأرقام هو: هل صُمم المسار التعليمي أصلًا بما يتناسب مع مخرجاته؟ فالطالب يدخل المدرسة في عمر لا يزال فيه المستقبل بالنسبة إليه احتمالًا مفتوحًا، ثم يُطلب منه أن يختار مسارًا أكاديميًا قد تترتب عليه بعد سنوات قليلة خيارات جامعية شديدة التحديد، وفي المقابل تمتلك المؤسسات بيانات عن أعداد الطلبة والجامعات والطاقة الاستيعابية واتجاهات سوق العمل، وهنا تظهر المفارقة: الجهة التي تملك أدوات التخطيط تملك القدرة على التنبؤ، أما الطالب فلا يملك سوى أن يثق بأن الطريق الذي وُضع أمامه يقوده إلى مكان يمكن الوصول إليه، فإذا اتضح لاحقًا أن الطريق لا يتسع لمن سلكوه، فليس من الإنصاف أن تكون الإجابة الوحيدة: «الطلبة كثروا». فالحديث عن أزمة القبول في التخصصات الصحية لم يعد تفصيلًا عابرًا، بل أصبح عنوانًا متكررًا كل عام، حيث تتكدس أعداد كبيرة من الطلبة أمام مقاعد محدودة في الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض، بينما تتسع الفجوة بين الطموح الفردي والطاقة الاستيعابية الفعلية، وكأن الوزارة التعليمية تفتح الباب على مصراعيه في مرحلة، ثم يضيّقه فجأة عند العتبة الأخيرة. أي سياسة تعليمية جادة يجب أن تنظر إلى المسار كاملًا لا إلى لحظة واحدة منه، فتسأل من يدخل الحقل اليوم، وما الخيارات التي ستبقى أمامه غدًا، وكم عدد المقاعد المتوقعة عندما يصل إلى الجامعة، وما نسبة الطلبة الذين سيحصلون على تخصصاتهم الأولى، وما البدائل المتاحة للبقية، وهذه الأسئلة لا تُطرح بعد إعلان النتائج، بل يجب أن تكون قد أُجيبت عنها قبل أن يُطلب من الطالب أن يختار، وهنا يظهر الفرق بين إدارة التعليم وإدارة الأزمة، فإدارة التعليم تعني رؤية المشكلة وهي لا تزال رقمًا في جدول، أما إدارة الأزمة فتعني انتظار تحول الرقم إلى آلاف الطلبة وأسر قلقة ومستقبل معلق. ولا أحد يعترض على فكرة تنظيم التعليم أو توجيه الطلبة نحو تخصصات تتناسب مع حاجات الدولة، لكن التنظيم يفقد معناه عندما يتحول إلى تضييق مبكر لمساحة الاحتمالات، فالطالب في السادسة عشرة أو السابعة عشرة ليس مشروع قرار مكتمل النضج، وقد تتبدل اهتماماته أو يكتشف قدرات جديدة أو يتغير طموحه بعد دخوله المرحلة الثانوية، ولهذا فإن العدالة التعليمية لا تعني ترك المسارات بلا ضوابط، بل تعني منح الطالب مساحة معقولة لتصحيح المسار إذا أثبت لاحقًا كفاءته لتخصص معين، سواء عبر امتحانات تأهيلية أو مواد إضافية أو مفاضلة دقيقة أو نسب قبول مدروسة، أما إغلاق الباب بصورة قاطعة لمجرد اختلاف المسار فيحتاج إلى مبرر تربوي قوي ومقنع. والأنظمة التعليمية الحديثة لا تُبنى على افتراض أن الطالب يعرف نفسه بالكامل في عمر مبكر، بل على المرونة وإمكانية الانتقال وإعادة التأهيل واكتشاف القدرات وربط التعليم بالتحولات الاقتصادية والعلمية، أما أن يُطلب من الطالب اختيار اتجاهه ثم يُجعل الرجوع عنه شبه مستحيل، فهذا لا يحل مشكلة الاختيار بل ينقلها إلى سن أصغر ويجعل أثرها أكثر قسوة. وعندما يكون المسار موجهًا نحو تخصصات صحية وعلمية، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على السماح بالدخول، بل يجب أن يمتد إلى ما إذا كانت البنية المعرفية التي تلقاها الطالب قد أعدته فعلًا لما سيواجهه في الجامعة، فبناء قاعدة علمية متماسكة ليس تفصيلًا هامشيًا، ولا تُقاس جودة المسار بعدد المواد المخففة بل بقدرة الخريج على التعامل مع متطلبات المرحلة الجامعية، لأن التطوير الحقيقي ليس حذفًا وإضافة في جدول المواد بل هندسة تعليمية ذات غاية واضحة. ومن الخطأ أن يُنظر إلى القبول الجامعي بوصفه صمام أمان لكل خلل سابق، فإذا أنتجت الوزارة أعدادًا كبيرة في اتجاه واحد ثم وصلت الجامعات إلى سقفها الاستيعابي، فإن الجامعة وحدها لا تستطيع صناعة الحل، لأنها تستوعب عددًا محددًا وسوق العمل كذلك، بينما المدرسة هي التي تستطيع عبر التخطيط التأثير في اتجاهات أعداد ضخمة، ولذلك فإن معالجة المشكلة عند بوابة الجامعة فقط تشبه محاولة ضبط حركة السير عند نهاية الطريق بينما يبدأ الاختناق من مكان آخر. ولا يمكن فصل التعليم عن الاقتصاد والديموغرافيا وسوق العمل، فعدد السكان يتغير واحتياجات القطاعات تتغير والمهن تتبدل والتكنولوجيا تعيد تشكيل الوظائف، وبالتالي فإن بناء سياسة قبول وتعليم تمتد آثارها لعشر سنوات لا يمكن أن يقوم على قراءة آنية، بل يحتاج إلى قاعدة بيانات وطنية متحركة تربط أعداد الطلبة بالطاقة الجامعية واحتياجات القطاعات والطلب المستقبلي على المهن، بحيث يصبح القرار مبنيًا على توقعات مدروسة لا على ردود فعل. وفي كل أزمة تعليمية يُحمَّل الطالب المسؤولية بسهولة، فيُقال إنه اختار الحقل وكان عليه أن يعرف، لكن هذا المنطق يتجاهل سؤالًا أكثر عدالة: هل امتلك الطالب أصلًا المعلومات الكافية لاتخاذ القرار؟ فإذا كان لا يعرف حجم المنافسة أو المقاعد أو شروط القبول أو اتجاهات سوق العمل، فإن تحميله وحده النتائج يصبح نقلًا غير عادل للمسؤولية، لأن الطالب ليس صانع السياسة التعليمية بل متلقيها، والأنظمة الجيدة لا تعاقب مستخدمها على عيوب لم يكن قادرًا على رؤيتها. إن المطلوب اليوم ليس صراعًا بين مؤيد ومعارض للحقول، بل إعادة هندسة العلاقة بين المدرسة والجامعة بما يحقق توجيهًا واضحًا دون سلب حق الطالب في إعادة اكتشاف نفسه، ويمكن أن تبقى هناك مسارات وشروط ومفاضلات وطاقة استيعابية، لكن يجب أن يكون النظام قادرًا على استيعاب الاستثناءات والقدرات الفردية بدل تحويل القرار المدرسي المبكر إلى حكم نهائي على المستقبل. والحقيقة أن القرارات التعليمية لا تنتهي بانتهاء عمر الحكومة التي اتخذتها، فالوزير قد يتغير والإدارة قد تتبدل، لكن الطالب يحمل أثر القرار إلى الجامعة وسوق العمل، ولذلك لا يجوز أن تكون السياسة التعليمية أسيرة الأشخاص أو الدورات الإدارية، بل تحتاج إلى عقد تعليمي طويل الأمد قابل للتقييم والتعديل دون إعادة صياغة كاملة مع كل تغيير. وفي النهاية فإن العدالة التعليمية ليست في تساوي النتائج بل في وضوح القواعد ومنطقيتها، وإذا كان هناك اليوم عدد كبير من الطلبة أمام أبواب جامعية ضيقة في الحقل الصحي، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يُوجه إليهم، بل إلى من رسم الطريق وقدّر عدد السائرين فيه وتأكد من اتساعه عند الوصول، فهناك يبدأ النقاش الحقيقي حول إصلاح التعليم لا مجرد إدارة أزمة عابرة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات