ثمة مشهد غير مفهوم يتشكل في مضيق هرمز. طرفان يتصارعان على القوة والردع وفرض الكلفة، بينما يقف العالم على مسافة من المشهد، يراقب حركة السفن وهي تتراجع، وأسعار الطاقة وهي ترتفع، واقتصادات الدول تدفع ثمن صراع لم تختره. في الظاهر، إنها مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران؛ لكن في جوهرها، إنها مواجهة مع سؤال أكبر: لماذا يقف العالم متفرجاً بينما تتعرض إحدى أهم شرايين الاقتصاد العالمي للخطر؟
هرمز ليس مجرد ممر مائي بين إيران وشبه الجزيرة العربية، بل نقطة اختناق استراتيجية يمر عبرها جزء بالغ الأهمية من تجارة الطاقة العالمية. ولذلك فإن ما يحدث فيه لا يبقى في الخليج؛ ينتقل من البحر إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى الصناعة والنقل والغذاء، وفي النهاية إلى المواطن في مختلف أنحاء العالم. القرار جيوسياسي، لكن الفاتورة عالمية، والعالم يعرف أهمية هرمز، ويمتلك من القدرات البحرية والاستخبارية والعسكرية ما يمكنه، نظرياً، من حماية الملاحة، ومع ذلك لا تتشكل إرادة دولية موحدة لتحمل كلفة إعادة فتحه. فالمشكلة ليست غياب القوة، وإنما غياب الإرادة المشتركة لتحمل ثمن استخدامها. الجميع يريد هرمز مفتوحاً، لكن الجميع يريد أن يدفع غيره ثمن إبقائه مفتوحاً.
وهنا يبدأ "صراع الثيران". إيران تريد أن تثبت أن الحرب عليها لا يمكن أن تكون بلا ثمن، وأن الضغط العسكري والاقتصادي عليها يمكن أن يرتد على الاقتصاد العالمي. والولايات المتحدة تريد أن تثبت أن إيران لا تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ضغط على الملاحة والطاقة. كل طرف يحاول فرض معادلة ردع جديدة، وكل طرف يريد أن يجعل الآخر يدفع ثمن التراجع. لكن الثيران يتصارعان داخل حلبة لا يدفع ثمنها الثوران وحدهما؛ فالسفينة التجارية لا تعرف شيئاً عن حسابات واشنطن وطهران، والمواطن الذي ترتفع عليه كلفة الوقود أو النقل أو الغذاء لا يملك أي تأثير في قرار فتح المضيق أو إغلاقه. طرفان يتصارعان على القوة، والعالم يدفع ثمن الصراع.
وما يكشفه هرمز يتجاوز الصراع نفسه. لقد نجح العالم في بناء اقتصاد شديد الترابط، لكنه لم يبن منظومة أمنية بالدرجة نفسها من الترابط لحماية هذا الاقتصاد. الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد عالمية، لكن مسؤولية حماية الممرات التي تحمل هذه المصالح ما زالت موزعة بين دول تختلف في مصالحها وحساباتها. أوروبا تريد الطاقة لكنها لا تريد حرباً جديدة، والدول الآسيوية الكبرى تريد استقرار الإمدادات لكنها لا تريد الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، ودول الخليج تريد استمرار الملاحة لكنها لا تريد أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. أما الولايات المتحدة فتملك القوة، لكنها تواجه سؤالاً مشروعا: لماذا تتحمل وحدها تكلفة حماية ممر يستفيد من أمنه الاقتصاد العالمي كله؟
وهنا تكمن إحدى مشكلات النظام الدولي: الجميع يستفيد من الأمن، لكن كل طرف يفضل أن يتحمل الآخر تكلفة توفيره. وعندما تتوزع المسؤولية على الجميع، من دون أن يمتلك أحد قرار تحملها، تصبح المصلحة المشتركة في لحظة الأزمة مصلحة بلا صاحب. وهنا تنتقل أزمة هرمز من كونها أزمة مضيق إلى كونها اختباراً للنظام الدولي نفسه.
الأخطر أن هرمز يكشف تحولاً أوسع في طبيعة القوة. فقد اعتقد العالم أن التكنولوجيا والعولمة ستقللان من أهمية الجغرافيا، لكن الواقع يثبت العكس. الجغرافيا لم تفقد قيمتها؛ بل أصبحت قابلة للتسليح بصورة أكثر فعالية. ولم تعد الدولة بحاجة إلى أسطول ضخم حتى تهدد حركة التجارة؛ يكفي أن تمتلك القدرة على جعل المرور في نقطة اختناق استراتيجية غير آمن، عبر وسائل غير مكلفة، أو حتى خلق حالة دائمة من عدم اليقين. وهنا تظهر قاعدة مهمة في الحرب الحديثة لا تحتاج إلى إغلاق الممر حتى تستخدمه كسلاح؛ يكفي أن تجعل المرور فيه غير مضمون.
فالسفينة لا تحتاج إلى أن تغرق حتى تتوقف الشركة عن إرسالها. يكفي أن ترتفع كلفة التأمين، وأن تصبح المخاطر غير قابلة للتقدير، وأن تضطر السفن إلى سلوك طرق أطول وأكثر كلفة. عندها يتحول عدم اليقين نفسه إلى سلاح. وهذه الفكرة تتجاوز هرمز؛ فالعالم يواجه ظاهرة يمكن تسميتها تسليح الجغرافيا هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، كلها عقد في شبكة التجارة العالمية، وتعطيل أي منها يمكن أن يحول مشكلة محلية إلى أزمة دولية.
وهنا تكمن إحدى مفارقات العولمة كلما أصبح الاقتصاد أكثر كفاءة، أصبح في بعض جوانبه أكثر هشاشة. فالاقتصاد الحديث يقوم على تقليل المخزون والوقت والمسارات البديلة، والاعتماد على ممرات محددة. وهذا ممتاز في زمن الاستقرار، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عندما تدخل الجغرافيا في الحسابات العسكرية. لذلك فإن أزمة هرمز ليست أزمة نفط فقط؛ إنها أزمة في مفهوم الأمن الاقتصادي العالمي.
وإذا كانت الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد جزءاً من قوة الدول، فإن حماية الممرات التي تحملها لم تعد قضية بحرية منفصلة عن الأمن القومي. والمشكلة أن النظام الدولي ما زال يتعامل معها إلى حد كبير باعتبارها مسؤولية الدول المعنية، بينما آثار تعطيلها عالمية. ولهذا ينبغي أن يتغير السؤال من: من سيفتح هرمز؟ إلى: من سيضمن ألا يتحول هرمز وغيره من الممرات الاستراتيجية إلى أدوات ابتزاز في المستقبل؟
فإعادة فتح المضيق، إذا حدثت، لا تحل المشكلة وحدها. المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما بناء قدرة على ردع تكرارها. فالممرات الاستراتيجية ليست بنية تحتية عادية؛ إنها أصول استراتيجية للنظام الاقتصادي العالمي، وحمايتها يجب أن تسبق الأزمة لا أن تبدأ بعد وقوعها. والعالم الذي ينتظر إغلاق الممر حتى يبحث عن البدائل، أو ارتفاع الأسعار حتى يبحث عن المخزونات، لا يدير المخاطر، بل يدفع ثمنها بعد وقوعها.
وهنا يعود المواطن إلى الصورة، لا باعتباره مجرد ضحية لارتفاع أسعار النفط، وإنما باعتباره دليلاً على أن الأمن الجيوسياسي لم يعد بعيداً عن الحياة اليومية. فالحرب لا تحتاج إلى الوصول إلى منزله حتى يشعر بها، يكفي أن تتوقف سفينة في هرمز حتى تنتقل آثار الصراع آلاف الكيلومترات. العالم أصبح مترابطاً إلى درجة أن أزمة في مضيق تستطيع أن تصل إلى كل بيت، لكنه لم يصبح مترابطاً بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولية حماية هذا الترابط.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد هرمز ليس من انتصر؟ ولا حتى متى تعود السفن؟ السؤال الأعمق هو هل يستطيع النظام الدولي أن يحمي المصالح التي يتشاركها الجميع، أم أن كل أزمة ستعيدنا إلى المعادلة نفسها الجميع يريد الأمن، والجميع ينتظر أن يدفع غيره ثمنه؟ ففي صراع الثيران حول هرمز قد يتراجع أحدهما، وقد ينتصر الآخر، وقد يتوصلان إلى تسوية، لكن الحلبة ستبقى، والثوران لن يكونا آخر من يستخدمها.
الخطر الحقيقي ليس أن يغلق هرمز مرة أخرى؛ بل أن يصبح إغلاق الممرات الاستراتيجية وسيلة رخيصة لفرض الإرادة السياسية على اقتصاد عالمي باهظ الكلفة. وهنا تكمن مأساة هرمز العالم لا يجهل أهمية المضيق، ولا يفتقر إلى القوة لحمايته، لكنه لم يحسم بعد من يتحمل مسؤولية استخدام تلك القوة.
هرمز ليس مجرد ممر مائي بين إيران وشبه الجزيرة العربية، بل نقطة اختناق استراتيجية يمر عبرها جزء بالغ الأهمية من تجارة الطاقة العالمية. ولذلك فإن ما يحدث فيه لا يبقى في الخليج؛ ينتقل من البحر إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى الصناعة والنقل والغذاء، وفي النهاية إلى المواطن في مختلف أنحاء العالم. القرار جيوسياسي، لكن الفاتورة عالمية، والعالم يعرف أهمية هرمز، ويمتلك من القدرات البحرية والاستخبارية والعسكرية ما يمكنه، نظرياً، من حماية الملاحة، ومع ذلك لا تتشكل إرادة دولية موحدة لتحمل كلفة إعادة فتحه. فالمشكلة ليست غياب القوة، وإنما غياب الإرادة المشتركة لتحمل ثمن استخدامها. الجميع يريد هرمز مفتوحاً، لكن الجميع يريد أن يدفع غيره ثمن إبقائه مفتوحاً.
وهنا يبدأ "صراع الثيران". إيران تريد أن تثبت أن الحرب عليها لا يمكن أن تكون بلا ثمن، وأن الضغط العسكري والاقتصادي عليها يمكن أن يرتد على الاقتصاد العالمي. والولايات المتحدة تريد أن تثبت أن إيران لا تستطيع تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة ضغط على الملاحة والطاقة. كل طرف يحاول فرض معادلة ردع جديدة، وكل طرف يريد أن يجعل الآخر يدفع ثمن التراجع. لكن الثيران يتصارعان داخل حلبة لا يدفع ثمنها الثوران وحدهما؛ فالسفينة التجارية لا تعرف شيئاً عن حسابات واشنطن وطهران، والمواطن الذي ترتفع عليه كلفة الوقود أو النقل أو الغذاء لا يملك أي تأثير في قرار فتح المضيق أو إغلاقه. طرفان يتصارعان على القوة، والعالم يدفع ثمن الصراع.
وما يكشفه هرمز يتجاوز الصراع نفسه. لقد نجح العالم في بناء اقتصاد شديد الترابط، لكنه لم يبن منظومة أمنية بالدرجة نفسها من الترابط لحماية هذا الاقتصاد. الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد عالمية، لكن مسؤولية حماية الممرات التي تحمل هذه المصالح ما زالت موزعة بين دول تختلف في مصالحها وحساباتها. أوروبا تريد الطاقة لكنها لا تريد حرباً جديدة، والدول الآسيوية الكبرى تريد استقرار الإمدادات لكنها لا تريد الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، ودول الخليج تريد استمرار الملاحة لكنها لا تريد أن تتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. أما الولايات المتحدة فتملك القوة، لكنها تواجه سؤالاً مشروعا: لماذا تتحمل وحدها تكلفة حماية ممر يستفيد من أمنه الاقتصاد العالمي كله؟
وهنا تكمن إحدى مشكلات النظام الدولي: الجميع يستفيد من الأمن، لكن كل طرف يفضل أن يتحمل الآخر تكلفة توفيره. وعندما تتوزع المسؤولية على الجميع، من دون أن يمتلك أحد قرار تحملها، تصبح المصلحة المشتركة في لحظة الأزمة مصلحة بلا صاحب. وهنا تنتقل أزمة هرمز من كونها أزمة مضيق إلى كونها اختباراً للنظام الدولي نفسه.
الأخطر أن هرمز يكشف تحولاً أوسع في طبيعة القوة. فقد اعتقد العالم أن التكنولوجيا والعولمة ستقللان من أهمية الجغرافيا، لكن الواقع يثبت العكس. الجغرافيا لم تفقد قيمتها؛ بل أصبحت قابلة للتسليح بصورة أكثر فعالية. ولم تعد الدولة بحاجة إلى أسطول ضخم حتى تهدد حركة التجارة؛ يكفي أن تمتلك القدرة على جعل المرور في نقطة اختناق استراتيجية غير آمن، عبر وسائل غير مكلفة، أو حتى خلق حالة دائمة من عدم اليقين. وهنا تظهر قاعدة مهمة في الحرب الحديثة لا تحتاج إلى إغلاق الممر حتى تستخدمه كسلاح؛ يكفي أن تجعل المرور فيه غير مضمون.
فالسفينة لا تحتاج إلى أن تغرق حتى تتوقف الشركة عن إرسالها. يكفي أن ترتفع كلفة التأمين، وأن تصبح المخاطر غير قابلة للتقدير، وأن تضطر السفن إلى سلوك طرق أطول وأكثر كلفة. عندها يتحول عدم اليقين نفسه إلى سلاح. وهذه الفكرة تتجاوز هرمز؛ فالعالم يواجه ظاهرة يمكن تسميتها تسليح الجغرافيا هرمز، وباب المندب، وقناة السويس، ومضيق ملقا، كلها عقد في شبكة التجارة العالمية، وتعطيل أي منها يمكن أن يحول مشكلة محلية إلى أزمة دولية.
وهنا تكمن إحدى مفارقات العولمة كلما أصبح الاقتصاد أكثر كفاءة، أصبح في بعض جوانبه أكثر هشاشة. فالاقتصاد الحديث يقوم على تقليل المخزون والوقت والمسارات البديلة، والاعتماد على ممرات محددة. وهذا ممتاز في زمن الاستقرار، لكنه يتحول إلى نقطة ضعف عندما تدخل الجغرافيا في الحسابات العسكرية. لذلك فإن أزمة هرمز ليست أزمة نفط فقط؛ إنها أزمة في مفهوم الأمن الاقتصادي العالمي.
وإذا كانت الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد جزءاً من قوة الدول، فإن حماية الممرات التي تحملها لم تعد قضية بحرية منفصلة عن الأمن القومي. والمشكلة أن النظام الدولي ما زال يتعامل معها إلى حد كبير باعتبارها مسؤولية الدول المعنية، بينما آثار تعطيلها عالمية. ولهذا ينبغي أن يتغير السؤال من: من سيفتح هرمز؟ إلى: من سيضمن ألا يتحول هرمز وغيره من الممرات الاستراتيجية إلى أدوات ابتزاز في المستقبل؟
فإعادة فتح المضيق، إذا حدثت، لا تحل المشكلة وحدها. المطلوب ليس فقط إدارة الأزمة، وإنما بناء قدرة على ردع تكرارها. فالممرات الاستراتيجية ليست بنية تحتية عادية؛ إنها أصول استراتيجية للنظام الاقتصادي العالمي، وحمايتها يجب أن تسبق الأزمة لا أن تبدأ بعد وقوعها. والعالم الذي ينتظر إغلاق الممر حتى يبحث عن البدائل، أو ارتفاع الأسعار حتى يبحث عن المخزونات، لا يدير المخاطر، بل يدفع ثمنها بعد وقوعها.
وهنا يعود المواطن إلى الصورة، لا باعتباره مجرد ضحية لارتفاع أسعار النفط، وإنما باعتباره دليلاً على أن الأمن الجيوسياسي لم يعد بعيداً عن الحياة اليومية. فالحرب لا تحتاج إلى الوصول إلى منزله حتى يشعر بها، يكفي أن تتوقف سفينة في هرمز حتى تنتقل آثار الصراع آلاف الكيلومترات. العالم أصبح مترابطاً إلى درجة أن أزمة في مضيق تستطيع أن تصل إلى كل بيت، لكنه لم يصبح مترابطاً بالقدر نفسه عندما يتعلق الأمر بتحمل مسؤولية حماية هذا الترابط.
لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد هرمز ليس من انتصر؟ ولا حتى متى تعود السفن؟ السؤال الأعمق هو هل يستطيع النظام الدولي أن يحمي المصالح التي يتشاركها الجميع، أم أن كل أزمة ستعيدنا إلى المعادلة نفسها الجميع يريد الأمن، والجميع ينتظر أن يدفع غيره ثمنه؟ ففي صراع الثيران حول هرمز قد يتراجع أحدهما، وقد ينتصر الآخر، وقد يتوصلان إلى تسوية، لكن الحلبة ستبقى، والثوران لن يكونا آخر من يستخدمها.
الخطر الحقيقي ليس أن يغلق هرمز مرة أخرى؛ بل أن يصبح إغلاق الممرات الاستراتيجية وسيلة رخيصة لفرض الإرادة السياسية على اقتصاد عالمي باهظ الكلفة. وهنا تكمن مأساة هرمز العالم لا يجهل أهمية المضيق، ولا يفتقر إلى القوة لحمايته، لكنه لم يحسم بعد من يتحمل مسؤولية استخدام تلك القوة.
شارك المقال:
الرجاء الانتظار ...
التعليقات