د. هيثم علي حجازي يكتب: نحو مشروع وطني لصناعة إنسان المستقبل .. مستقبلنا لا يبدأ من التكنولوجيا… بل مِن الإنسان

منذ 1 ساعة
المشاهدات : 24971
د. هيثم علي حجازي يكتب: نحو مشروع وطني لصناعة إنسان المستقبل  ..  مستقبلنا لا يبدأ من التكنولوجيا… بل مِن الإنسان
د. هيثم علي حجازي

د. هيثم علي حجازي

حين تتحدث الدول عن المستقبل، يذهب التفكير غالباً إلى المدن الذكية، والذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والطاقة المتجددة، وشبكات النقل الحديثة. غير أن السؤال الأكثر عمقاً لا يتعلق بنوع التكنولوجيا التي سنمتلكها، بل بنوع الإنسان الذي سيستخدمها، وبالقيم التي ستوجّه قراراته، وبقدرته على تحويلها من أدوات للهيمنة والاستهلاك إلى وسائل للتنمية والعدالة، وتحسين الحياة. فالمستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، ولا يكفي لبنائه استيراد أحدث التقنيات، أو إنشاء مبانٍ مدرسية وجامعية حديثة، أو إطلاق استراتيجيات تحمل عناوين جذابة؛ بل إنّ المستقبل تصنعه شخصية إنسانية قادرة على التفكير المستقل، والتعلم المستمر، والعمل المنتج، وتَحَمُّل المسؤولية، واحترام الاختلاف، والدفاع عن الحقيقة والمصلحة العامة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل بال الحكومات وصنّاع السياسات والمؤسسات التربوية ليس: كيف نستعد للمستقبل؟ بل: أي إنسان نريد أنْ يعيش في هذا المستقبل ويقوده؟ وبالتالي، فإنّ الدولة التي لا تمتلك تصوراً واضحاً لإنسان المستقبل قد تنجح في تحديث أدواتها، لكنها ستبقى عاجزة عن تحديث عقلها؛ وقد تبني مؤسسات رقمية متطورة، لكنها تديرها بعقلية بيروقراطية قديمة؛ وقد تنفق على التعليم، لكنها تخرّج أجيالاً تحفظ الإجابات ولا تملك شجاعة طرح الأسئلة.
لقد تم تأسيس أجزاء واسعة من أنظمتنا التعليمية والإدارية على إعداد إنسان منضبط داخل مسار ثابت: يتعلم، ثم يحصل على شهادة، ثم يبحث عن وظيفة، ثم يمضي سنوات طويلة في تكرار مهام محددة. لكنّ هذا الأنموذج يتراجع بسرعة أمام عالم تتغير فيه المهن والمعارف والتقنيات بصورة متواصلة. فإنسان المستقبل ليس الشخص الذي يعرف أكبر قدر مِن المعلومات لأنّها أصبحت متاحة للجميع، والآلات تستطيع استرجاعها وتحليلها بسرعة تفوق قدرة الإنسان؛ بل هو الشخص الذي يعرف كيف يفكر فيها، ويتحقق منها، ويربط بينها، وينقدها، ويستخدمها في حل المشكلات ... إنه إنسان لا ينتظر الوظيفة بقدر ما يبحث عن القيمة التي يستطيع إنتاجها؛ وهو الذي لا يرى في الشهادة نهاية للتعلم، ولا في المنصب دليلاً على الكفاءة، ولا في السلطة بديلاً عن الحجة؛ بل هو الذي يعرف كيف يتعاون دون أنْ يذوب في الجماعة؛ ويحترم المؤسسات دون أنْ يتخلى عن ضميره؛ ويستخدم التكنولوجيا، لكنه لا يسمح لها بأنْ تسلبه إنسانيته أو استقلاله الفكري. ولذلك فإن تكوينه لا يتحقق بتزويده بالمهارات الرقمية وحدها التي قد تُنْتِجُ شخصاً ماهراً في استخدام أحدث التطبيقات، لكنه عاجز عن اتخاذ موقف أخلاقي؛ أو تجعله خبيراً في الذكاء الاصطناعي لكنه لا يشعر بمسؤوليته اتجاه المجتمع؛ أو قد تمنحه أدوات المستقبل بينما تُبقي عقله أسير الخوف والتلقين والامتثال.
يبدأ تكوين إنسان المستقبل مِن المدرسة، لكن ذلك يتطلب إعادة تعريف وظيفة التعليم نفسها. فالتعليم الذي يكافئ الحفظ أكثر مما يكافئ الفهم، ويعاقب الخطأ أكثر مما يشجع التجربة، ويطلب مِن الطالب أنْ يكرر رأي المعلم بدلاً مِن أنْ يناقشه ... هذا النوع من التعليم لا يصنع إنسان المستقبل بل يعيد إنتاج إنسان الماضي. ولا يكفي أنْ نضيف مادة عن البرمجة أو الذكاء الاصطناعي إلى المناهج، بينما تظل فلسفة التعليم قائمة على التلقين والخوف مِن الامتحان. فالمناهج قد تكون حديثة في عناوينها، لكنها قديمة في روحها. والتحول الحقيقي لا يبدأ مِن الشاشة الذكية داخل الصف، بل مِن الاعتراف بأنّ الطالب عقل يجب تحريره، لا وعاء يجب ملؤه. إنّ مدرسة المستقبل هي التي تعلّم الطالب كيف يسأل، لا كيف يطيع فقط؛ كيف يبحث، لا كيف يستقبل؛ كيف يختلف باحترام، لا كيف يصمت خوفاً؛ وكيف يحوّل المعرفة إلى مشروع أو موقف أو حل لمشكلة حقيقية.
أما الجامعة، فلا يجوز أن تبقى محطة لمنح الشهادات أو تأجيل البطالة، بل عليها أنْ تكون فضاءً لإنتاج المعرفة، وتشكيل الوعي، وبناء الشخصية المهنية والأخلاقية. فالخريج الذي يحمل شهادة ولا يمتلك القدرة على التواصل، أو حل المشكلات، أو اتخاذ القرار، أو العمل ضمن فريق، أو التكيف مع التغيير، هو نتاج تعليم نجح إدارياً وفشل حضارياً.
ولكي يتغير التعليم، لا بد من إعادة الاعتبار إلى المعلم والأستاذ الجامعي؛ ليس فقط بتحسين ظروفهما، بل باختيارهما وتدريبهما وتمكينهما ومساءلتهما. فمن غير المنطقي أنْ نطلب مِن معلم يخشى المبادرة أنْ يربي جيلاً مبادراً، أو مِن أستاذ جامعي لا يجد وقتاً للبحث أنْ يصنع طالباً باحثاً، أو مِن مؤسسة تعليمية تقاوم النقد ولا تعلّم طلابها التفكير النقدي.
قبل المدرسة توجد الأسرة، وفيها يتشكل الجزء الأعمق مِن شخصية الإنسان. فالطفل الذي يُمنع مِن السؤال، ويُعاقَب على التعبير عن رأيه، ويتعلم أنّ الطاعة العمياء فضيلة مطلقة، قد يكبر وهو يحمل شهادة عليا، لكنه يظل هشّاً أمام السلطة، خائفاً مِن المبادرة، متردداً في اتخاذ القرار. وصناعة إنسان المستقبل تبدأ حين تتوقف الأسرة عن اعتبار الطفل نسخة ينبغي أن تطابق توقعاتها، وتراه شخصاً مستقلاً يحتاج إلى الحوار والثقة والمسؤولية. فالحماية المفرطة لا تصنع إنساناً قوياً، والقسوة لا تصنع إنساناً منضبطاً، وتلبية جميع الرغبات لا تصنع إنساناً سعيداً؛ بل قد تنتج شخصاً عاجزاً عن مواجهة الإحباط والتأجيل والفشل. وبالتالي، نحتاج إلى أسرة تزرع في أبنائها قيمة العمل، واحترام الوقت، والاعتماد على النفس، والقدرة على الاعتذار، والتمييز بين الحق والرغبة، وبين النجاح الشخصي والمسؤولية الاجتماعية. فالإنسان الذي لا يتعلم تَحَمُّل المسؤولية في المنزل لن يمارسها فجأة داخل المؤسسة أو الدولة.
ولا يمكن أنْ نطالب الشباب بالإبداع داخل مؤسسات تعاقِب المبدعين، أو نحثهم على المبادرة في بيئة تقدّم الولاء على الكفاءة، أو ندعوهم إلى الثقة بالدولة بينما يرون أنّ الفرص لا تُوزع دائماً وفق العدالة والاستحقاق. فإنسان المستقبل لا يُصنع بالخُطَب وحدها؛ بل مِن خلال تجربته اليومية مع مؤسسات الدولة. وعندما يجد المواطن معاملة عادلة، وإجراءات واضحة، ومسؤولاً يستمع إليه، وقانوناً يطبق على الجميع، يتعلم عملياً معنى المواطنة والثقة والمسؤولية. أما عندما يواجه الغموض والمحسوبية والتناقض بين القول والممارسة، فإنه يتعلم أنّ النجاح لا يحتاج إلى الكفاءة بقدر حاجته إلى العلاقات، وأنّ القيم مجرد شعارات للاستهلاك العام. وهنا تكمن مسؤولية الدولة الأخلاقية: فكل مؤسسة عامة هي مؤسسة تربوية بصورة غير مباشرة. فطريقة التوظيف تربية، وطريقة الترقية تربية، وأسلوب تقديم الخدمة تربية، وسلوك المسؤول تربية. فإذا كافأت الدولة الكفاءة، صنعت إنساناً يجتهد، وإذا كافأت الصمتَ، صنعت إنساناً منافقاً، وإذا قامت بحماية الفاسد، صنعت مواطناً فاقد الثقة، وإذا احترمت القانون، صنعت مجتمعاً يحترمه. لذلك فإن بناء إنسان المستقبل يتطلب إدارة عامة قائمة على الجدارة والشفافية والمساءلة.
يتشكل الإنسان اليوم داخل فضاء رقمي مفتوح تتنافس فيه المعرفة مع التضليل، والحقيقة مع الإثارة، والقيمة مع الشهرة. ولم يعد تأثير الأسرة والمدرسة وحدهما كافياً أمام منصات تستطيع تشكيل الرأي والذوق والسلوك في كل لحظة. والخطر لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في استخدامها مِن دون وعي نقدي. فالإنسان الذي لا يمتلك القدرة على التحقق مِن المعلومات قد يصبح أداة لنشر الكذب. والذي يقيس قيمته بعدد المتابعين قد يتحول مِن صاحب رسالة إلى طالب انتباه. والمجتمع الذي يستهلك المحتوى السطحي باستمرار يفقد بالتدريج قدرته على الحوار العميق والتفكير المتأني. مِن هنا تصبح الثقافة الرقمية جزءاً مِن الأمن الوطني والثقافي، وليست مهارة تقنية إضافية. فنحن بحاجة إلى إنسان يفهم كيف تعمل المنصات والخوارزميات، وكيف يحمي خصوصيته، وكيف يميّز بين الخبر والرأي، وكيف يرفض خطاب الكراهية، وكيف يستخدم الفضاء الرقمي للإنتاج والتعلم والمشاركة، لا للهروب والإدمان واستنزاف الوقت. كما أنّ الإعلام يتحمل مسؤولية كبرى. فإذا صنع مِن السطحية نجومية، ومِن الاستهلاك أسلوب حياة، ومِن الصراخ بديلاً عن الحوار، فإنه يقوّض كل ما تحاول المدرسة والأسرة بناءه. أما الإعلام المسؤول فهو الذي يرفع مكانة المعرفة، ويعرض النماذج الملهمة الحقيقية، ويفتح المجال للعقل النقدي، ويعيد تعريف النجاح بوصفه قيمة وإسهاماً، لا مجرد شهرة أو ثروة.
إنسان المستقبل يحتاج إلى العِلْم، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى البوصلة الأخلاقية. فكلما ازدادت قوة التكنولوجيا، ازدادت خطورة استخدامها مِن دون قيم. والذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والهندسة الحيوية، والأنظمة الرقمية تمنح الإنسان قدرات غير مسبوقة، لكنها تضعه أيضاً أمام أسئلة تتعلق بالخصوصية والعدالة والتمييز وكرامة الإنسان. ولا تُبنى الأخلاق بإضافة مقرر جامعي أو تعليق ميثاق سلوك على الجدار؛ بل تُبنى حين يرى الطالب أستاذه عادلاً، ويرى الموظف مديره نزيهاً، ويرى المواطن المسؤول خاضعاً للمساءلة؛ فأخطر ما يهدد التربية الأخلاقية هو التناقض بين الخطاب والممارسة؛ لأن الإنسان يتعلم مما يراه أكثر مما يتعلم مما يسمعه. نحن بحاجة إلى مواطن يمتلك الشجاعة الأخلاقية، لا المعرفة الأخلاقية فقط؛ أي أن يعرف الصواب ويستطيع الدفاع عنه، حتى عندما تكون له كلفة؛ فالمستقبل لن تحميه الكفاءات الصامتة أمام الخطأ، بل أصحاب الكفاءة والضمير معاً.
فما الذي يعيق صناعة إنسان المستقبل؟ تشير الوقائع والدراسات إلى وجود عدد من المعيقات التي تقف حجر عثرة أمام صنع إنسان المستقبل. ومن هذه المعيقات: (1) غياب الرؤيا المتكاملة. فكثير مِن السياسات تتعامل مع الإنسان بطريقة مجزأة: وزارة تهتم بتعليمه، وأخرى بتوظيفه، وثالثة بثقافته، ورابعة بصحته، من دون تصور وطني جامع للشخصية التي نريد بناءها (2)التلقين الذي يطفئ الفضول، ويجعل السؤال خطراً والخطأ عيباً (3) البيروقراطية الجامدة لأنها تستنزف طاقة المبادِر وتمنح الأفضلية لمن يجيد التكيف مع الروتين (4) ثقافة الواسطة والمحسوبية التي تقف في مواجهة مشروع المستقبل؛ لأنها تبعث برسالة مدمرة إلى الشباب مفادها أنّ الجهد ليس الطريق الأضمن للنجاح. كما أنّ الخوف من النقد يُضعف قدرة المؤسسات على التعلم، فالمؤسسة التي تخشى الاعتراف بأخطائها محكوم عليها بتكرارها (5) اتساع الفجوة بين التعليم وسوق العمل، وبين الخطط الرسمية والتطبيق، وبين المركز والأطراف، وبين مَن يملك الوصول إلى التكنولوجيا ومَن يُحرم منها. فليس مِن العدالة أنْ نتحدث عن إنسان المستقبل بينما يفتقر بعض الأطفال إلى تعليم نوعي أو بيئة آمنة أو فرصة عادلة لاكتشاف مواهبهم (6) الخطاب الذي يحمّل الشباب مسؤولية كل شيء، ويتجاهل البيئة التي شكّلت خياراتهم. فمن السهل أنْ ننتقد ضعف المبادرة لدى الشباب، لكن الأصعب أنْ نسأل: هل وفّرنا لهم مؤسسات تحمي المبادرة؟ وهل فتحنا أمامهم مسارات عادلة للمشاركة؟ وهل سمحنا لهم بأن يكونوا شركاء في صنع السياسات التي تحدد مستقبلهم؟
بالطبع، هناك مَن يتساءل: وهل مِن الضرورة أنْ تتحمل الدولة مسؤولية تكوين إنسان المستقبل؟والاجابة نعم؛ إنها مسؤولية الدولة لعدة أسباب، منها (1) أنّ الثروة الحقيقية لأي دولة ليست ما تختزنه أرضها، بل ما يحمله مواطنوها مِن معرفة وقيم وقدرة على الإنتاج. فالموارد الطبيعية قد تنضب، والتكنولوجيا يمكن شراؤها، والبنية التحتية يمكن تمويلها، لكن الإنسان الواعي لا يُستورد جاهزاً؛ إنه ثمرة مشروع طويل يبدأ منذ الطفولة ويتطلب اتساقاً بين التعليم والثقافة والاقتصاد والإدارة والقانون (2) الدولة التي تستثمر في الإنسان تقلل مستقبلاً كلفة البطالة والجريمة والتطرف والفساد والاعتماد على الآخرين. وهي لا تبني قوة اقتصادية فقط، بل تبني مناعة اجتماعية وقدرة وطنية على مواجهة الأزمات (3) إنّ تخلي الدولة عن بناء الانسان يجعلها تمتلك مؤسسات بلا روح، وخططاً بلا منفذين، وتقنيات بلا إبداع، وشهادات بلا كفاءات. وقد يكون أخطر ما تواجهه الدول ليس نقص الموارد، بل وجود طاقات بشرية واسعة لا تجد مَن يكتشفها أو يثق بها أو يمنحها الفرصة.
إزاء ذلك كله،لا بد مِن الاعتراف بأننا بحاجة إلى مشروع وطني لصناعة إنسان المستقبل، يقوم على مجموعة من الأسس أبرزها: (1) عدم الحاجة إلى مبادرة موسمية جديدة، بل إلى مشروع وطني عابر للحكومات، يُبنى على رؤيا واضحة ومؤشرات قابلة للقياس. مشروع يبدأ من الطفولة المبكرة، ويعيد بناء المدرسة والجامعة، ويربط التعليم بالاقتصاد والثقافة، ويجعل الجدارة أساس التوظيف والترقية، ويوسّع مشاركة الشباب في صنع القرار (2) أن تصبح القدرة على التفكير النقدي، والتعلم الذاتي، والعمل الجماعي، والابتكار، والتواصل، والمسؤولية الأخلاقية، أهدافاً مركزية للنظام التعليمي، لا عبارات هامشية في مقدمات المناهج (3) عدم قياس نجاح المؤسسات بعدد البرامج والأنشطة التي تنفذها، بل بالأثر الذي تتركه في الإنسان: هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟ هل ازدادت الفرص أمامه؟ هل زادت ثقته بالمؤسسة؟ هل أصبح أكثر إنتاجاً واستقلالاً ومسؤولية؟ (4) نقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الشريك؛ إذ لا يجوز أنْ نضع خططاً لمستقبلهم مِن دون مشاركتهم وحضورهم الحقيقي، ثم نطلب منهم الإيمان بها. فالمشاركة ليست جلسة بروتوكولية أو صورة تذكارية؛ بل إنها مَنْحُ الشباب صوتاً مؤثراً ومساحة للتجربة وحقاً في المساءلة.
إن أعظم قرار يمكن أن يتخذه مسؤول ليس القرار الذي يحقق أثراً إعلامياً سريعاً، بل القرار الذي يغيّر نوع الإنسان الذي ستملكه الدولة بعد عشرين عاماً. فشق طريق جديد، أو بناء مبنى قد يظهر أثره خلال أشهر، أما بناء عقل حر وشخصية مسؤولة فيحتاج إلى صبر وشجاعة واستمرارية، لكنه الاستثمار الوحيد الذي يحمي جميع الاستثمارات الأخرى. وعلى المسؤول أن يسأل نفسه قبل اعتماد أي سياسة: أي مواطن ستنتجه هذه السياسة؟ هل ستجعله أكثر اعتماداً على الدولة أم أكثر قدرة على المبادرة؟ هل ستعزز ثقته بالقانون أم تدفعه إلى البحث عن الواسطة؟ هل ستمنحه صوتاً أم تعلّمه الصمت؟ هل ستكافئ كفاءته أم تكرّس شعوره بأن الأبواب مغلقة؟
إنّ هذه الأسئلة ليست أسئلة فلسفية بعيدة عن الإدارة، بل هي جوهر الإدارة الرشيدة. فالسياسات العامة لا توزع الموارد فقط؛ بل إنها تشكّل السلوك، وتبني القيم، وترسم علاقة الإنسان بالدولة وبالمجتمع وبذاته.
وصناعة إنسان المستقبل لا تعني قطع الصلة بالماضي أو التخلي عن الهوية، بل تعني امتلاك القدرة على قراءة التراث بعقل حي، وفهم الحاضر بوعي نقدي، والدخول إلى المستقبل بثقة لا بتبعية. فالهوية القوية لا تخاف مِن السؤال؛ والقيم الراسخة لا تعادي العِلم؛ والمجتمع الواثق لا يرى في الاختلاف تهديداً.
وإنسان المستقبل الذي نحتاجه ليس نسخة غربية أو شرقية جاهزة، بل إنسان ينتمي إلى وطنه مِن دون انغلاق، وينفتح على العالم من دون ذوبان؛ يتقن التكنولوجيا ولا تستعبده؛ يطلب النجاح ولا يبيعه ضميره؛ يحترم الدولة لكنه لا يتنازل عن حقه في مساءلتها؛ ويعرف أنّ الحرية مسؤولية، وأنّ المواطنة مشاركة، وأنّ المعرفة موقف وليست شهادة.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أنْ يقلقنا جميعاً: هل مؤسساتنا الحالية تصنع هذا الإنسان، أم تطلب منه أنْ يؤجل أحلامه، ويخفي أسئلته، ويتكيف مع واقع نعرف جميعاً أنه بحاجة إلى التغيير؟ المستقبل لن ينتظر اكتمال استعدادنا. وإذا لم نصنع اليوم إنساناً قادراً على قيادته، فسنجد أنفسنا غداً نعيش في عالم صنعه الآخرون، ونستهلك أدواته، ونتلقى قراراته، وندفع ثمن تأخرنا. فالمستقبل، في نهاية الأمر، ليس زمناً قادماً؛ إنه إنسان يجري تكوينه الآن.

شارك المقال:

التعليقات

لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار وكالة أنباء سرايا الإخبارية - حرية سقفها السماء علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط.
رمز التحقق :
أكتب الرمز :

الأكثر قراءة

آخر الأخبار

أخبار فنية

أخبار رياضية

منوعات من العالم